; الافتتاحية .. القرارات لا تكفي وحدها لاستعادة القدس | مجلة المجتمع

العنوان الافتتاحية .. القرارات لا تكفي وحدها لاستعادة القدس

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أبريل-1997

مشاهدات 80

نشر في العدد 1245

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 08-أبريل-1997

تأخرت جامعة الدول العربية كثيرًا قبل أن تقول كلمتها فيما يجري في القدس وفلسطين المحتلة عمومًا من اعتداءات صهيونية خطيرة، وقد سبق ذلك تحرك شعبي في أكثر من دولة عربية وإسلامية كالكويت ومصر والأردن وماليزيا، كما سبقه ورافقه غليان وتوتر شديدين في كثير من مدن فلسطين المحتلة التي تحولت إلى ساحات مواجهات دامية مع جنود الاحتلال وقطعان المستوطنين.

 ومع أن قرار وزراء الخارجية العرب الذي أوصى بوقف خطوات التطبيع مع الكيان الصهيوني وهدد باستخدام سلاح المقاطعة الاقتصادية ضده، قد جاء متأخرًا، وربما تأثر بصورة أو بأخرى بالأجواء السائدة في الساحة الفلسطينية، وفي بعض الساحات العربية والإسلامية، إلا أنه - ورغم كل ما يمكن أن يُقَاَل فيه -، يشكل خطوة في الاتجاه الصحيح، وإن كانت متواضعة ومقيدة بسقف مدريد وأوسلو وغيرهما من الاتفاقيات الاستسلامية الأخرى.

ولعل الأهم من هذا القرار ما رافقه من تصريحات محمد قوية صدرت: عن بعض المسؤولين العرب، وبخاصة وزير الخارجية العماني الذي أكَّدَ أن: «القدس ليست مجالًا للمناورة، بل هي ضمير الأمة»، والذي قال أيضًا: «إن الحكومة الليكودية نقضت العهود، وقد نقضوها من قبل مع الله ومع رُسُلِهِ ومع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فكانت عليهم دائرة السوء إلى يومنا هذا، وإذا هم سعوا إلى إفساد فلسطين والقدس، وتخريب المقدسات فليعلم الجميع أنها المواجهة إلى أن تقوم الساعة.. الانتفاضة هي صوت الله على جنود المحتلين والدفاع عن المقدسات». 

وقد أثارت هذه التصريحات ردود فعل واسعة ومفاجأة لدى كثير من المراقبين الذين اعتبروا ذلك تغيرًا في الموقف العماني باعتبار عمان إحدى الدول الخليجية التي لها علاقات مع إسرائيل، ولكن المراهنة على فاعلية قرار وزراء الخارجية العرب، والتصريحات القوية في ردع نتنياهو وحكومته أمر مبالغ فيه، واتضح ذلك من خلال ردود الفعل الصهيونية التي جاءت سريعة؛ حيث اعتبر رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو أن القرار كان سخيفًا، وأن ما تضمنه من دعوة للمقاطعة الاقتصادية هو «أفكار سخيفة»، تهدف إلى اختبار قوة تصميم إسرائيل على خياراتها السياسية، وأكَّدَ أن إسرائيل لن ترضخ لأي ضغوط تتعارض مع توجهاتها وسياستها وهو ما يشير إلى الصلف والغرور الذي يهيمن على عقلية وتصرفات نتنياهو.

 ويغذي هذا الغرور دعم وإسناد أمريكي غير محدود؛ حيث إن الولايات المتحدة سارعت إلى استنكار القرار وأبدت انزعاجها من انعكاساته على ما يسمى بالعملية السلمية، وكانت قبل ذلك قد استخدمت الفيتو مرتين لإجهاض مشروعي قرارين ضد الاستيطان في القدس.

أما نتنياهو فلن يعبأ كثيرًا بالقرارات والتهديدات ما لم تنفذ، وما لم تكن قوية إلى درجة تضطره إلى إعادة النظر في ممارساته، وقرار الجامعة العربية الأخير أضعف من أن يكون كذلك، وإذا كان رد الفعل العربي سيقتصر عليه - كما يتوقع الكثيرون -؛ فإنه سيكون عديم الجدوى والفاعلية.

فخطورة السياسات الإسرائيلية كانت تستدعي أن تعيد الأطراف العربية تقييم موقفها بشكل كامل في التعامل مع الكيان الصهيوني، الذي أثبت في كل مواقفه الكذب والخداع كما جاء على لسان الرئيس المصري، وأن تتخذ إجراءات عملية قوية ومؤثرة، لا أن تكتفي بقرار ضعيف مختلف على مدى إلزاميته للدول الأعضاء في الجامعة، فما قيمة التوصية بوقف التطبيع مع الكيان الصهيوني إذا كانت الأطراف الثلاثة: «مصر، والأردن، والسلطة الفلسطينية» قد استثنيت من تنفيذه بحجة أن عليها استحقاقات قانونية تجاه إسرائيل ترتبت على توقيع الاتفاقات والمعاهدات؟!.

وكيف ستستطيع السلطة الفلسطينية التي تطالب الجميع بتأخير التطبيع، وتستثني نفسها من ذلك أن تقنع الأطراف العربية بقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني في الوقت الذي تقوم هي فيه بتوثيق علاقاتها وتعاونها الأمني والاستخباري مع أجهزته الأمنية لتطويق احتجاجات الفلسطينيين ضد الاستيطان في القدس؟

إننا نرجو ألا يكون قرار وزراء الخارجية العرب من قبيل ذر الرماد في العيون، والا يكون الهدف منه تبرير موقف الأنظمة العربية أمام شعوبها وتبرئتها من تهمة التخلي عن القدس، وخطوة كهذه لم تعد تنطلي على الشعوب العربية والإسلامية التي ملَّتْ الإدانات والاستنكارات والقرارات الهزيلة المفرغة من مضامينها.

لقد عبرت هذه الشعوب من خلال تأييدها الجارف للعملية الاستشهاداية في تل أبيب عن إيمانها وقناعتها بأن خيار المقاومة هو الخيار الوحيد الذي يمكن أن يشكل ضغطًا حقيقيًا على الكيان الصهيوني ويدفعه إلى إعادة تقييم حساباته، وبأن ضربات المجاهدين هي وحدها القادرة على تحطيم صلف نتنياهو وغروره واستعلائه الذي وصل حدًّا غير مسبوق، وشجعه على ذلك الموقف الأمريكي المنحاز والداعم لإسرائيل والواقع العربي العاجز والمتردي.

 فالمطلوب الآن من الأطراف العربية ألا تتوقف عند حدود الدعوة إلى وقف التطبيع والتهديد بالمقاطعة إذا ما أرادت أن تؤكد أنها قامت ببعض الدور المطلوب تجاه القدس، المطلوب قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني بصورة نهائية، والتخلي عن خيار المفاوضات الذي ثبت للجميع فشله وخطورته، ودعم نهج المقاومة ضد الاحتلال وتبنيه كخيار عربي إسلامي لمواجهة الأخطار الصهيونية.

فليس المطلوب هو مجرد قرار ما زالت الدول الأعضاء مختلفة على مدى إلزاميته، كما أن المواطن العربي فقد ثقته بالمؤسسات الرسمية وبقراراتها، ومعه الحق في ذلك فتجربة العقود الماضية تجعله لا يشعر بكثير من التفاؤل، بل إنها تدعو إلى الإحباط وعدم التعويل على اجتماعات مؤسسات العمل العربي المشترك وقراراتها التي كانت على الدوام أقلَّ من الطموح، ودون خطورة الحدث.

 إن طريق الجهاد وحده هو طريق استرداد الحقوق واليهود لا عهد لهم ولا ذمة، كما أشار وزير الخارجية العماني في كلمته، وصدق الله تعالى في قوله الكريم ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ (محمد: 38)

الرابط المختصر :