; القمة الصينية -الأمريكية.. كونفوشيوس يتعلم في أمريكا! | مجلة المجتمع

العنوان القمة الصينية -الأمريكية.. كونفوشيوس يتعلم في أمريكا!

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1997

مشاهدات 91

نشر في العدد 1275

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 11-نوفمبر-1997

من أغرب ما نقلته وكالات الأنباء من تصريحات الرئيسين الأمريكي والصيني خلال مؤتمر صحفي بعد قمتهما الأخيرة، قول زيمين: «يقول كونفوشيوس في الفلسفة الصينية: من الممتع استقبال صديق قادم من مكان بعيد، وجواب كلينتون: إن الصديق القادم من بكين البعيدة يجب أن يتعلم درساً أمريكيا في حقوق الإنسان»، وما يبدو في صيغة دعابة ذات مغزى سياسي، يتحول عند التأمل في الواقع العالمي القائم إلى دعابة سمجة ساخرة بالإنسان وبحرياته وحقوقه الأساسية.

لاشك في هضم حقوق الإنسان وانتهاك حرياته. في الصين الشعبية، ولاشك في أن النظام الشيوعي القائم نظام استبدادي لا يصدر عن إرادة الشعب الصيني وسواه من الشعوب التي تستعمرها-الشيوعية الصينية، ولاشك في المقابل بأن أوضاع حقوق الإنسان في الولايات المتحدة وحرياته أفضل منها في الصين في كثير من المجالات، وإن كانت. مظاهر التمييز العنصري قائمة، واستبداد المال-والإعلام قائماً على أوسع نطاق، ينشر الفقر في أثرى دول العالم، ويستهين بالعقول عبر آلة صناعة الكلمة وغسيل الأدمغة على حسب ما تقتضيه المصالح المادية المحضة، ولكن الأبعد من ذلك هو أن-الدرس الأمريكي الذي يمكن أن تتلقاه الصين من - الأمريكيين هو درس الازدواجية بين زعم الدفاع عن - الحقوق والحريات عالمياً، ودوسها بالأقدام؛ حيث تقتضي المصالح الأمريكية ذلك، ودرس الازدواجية بين ممارسة العلاقات التجارية والاقتصادية مع دولة كالصين رغم كل ما فيها من استبداد وانتهاكات، وممارسة المقاطعة الاقتصادية مع دول سواها وفق ما تقرره الإرادة السياسية-لا الإنسانية الأمريكية، ودرس تثبيت الأنظمة الاستبدادية ودعمها بل وإنشاء نظام استبدادي مكان آخر وحبك المؤامرات وتنفيذ الاغتيالات عبر أجهزة المخابرات الأمريكية، حيث أمكنها التحرك أو حيث ساندتها القوة العسكرية الأمريكية مباشرة وتهديداً ودعماً مباشراً، كما يجري في القارة الإفريقية، وجميع تلك الدروس باسم العالم الحر والمواثيق الدولية والحريات والحقوق الإنسانية.

 إن الفارق الحقيقي بين الصينيين والأمريكيين هو أن بكين صريحة في استبدادها، وتمارسه باسم «منهج» منحرف تتبناه، وتبرره بمزاعم مرفوضة من قبيل الخصوصيات الحضارية أو الضرورات الاقتصادية، شأنها في ذلك شأن أنظمة استبدادية أخرى في كثير من البلدان النامية، وأن واشنطن أقامت الحرية والرفاهية في نظامها الداخلي - على علاته - على دعائم سياستها الاستبدادية الدولية، وعلى ما تنتهجه من ممارسات سياسية واقتصادية وأمنية تستغل من خلالها ثروات الشعوب الأخرى لصالحها، ولا تأبه بمصائرها بدعوى «مصالحها الأمنية الدولية». أما عندما يأتيها زائر كالرئيس الصيني الملقب في الولايات المتحدة وفي الغرب عامة بالسفاح في إخماد ما عرف بثورة الطلبة في الساحة السماوية بيكين قبل ثمانية أعوام، فيكفي أن يعقد على أرضها صفقات تجارية من قبيل شراء طائرات بوينج بقيمة ثلاثة مليارات دولار، لتكتفي واشنطن الرسمية بدورها بإطلاق بعض العبارات الناقدة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، تنتقد بها انتهاكات حقوق الإنسان في الصين الشعبية، أو بإطلاق بعض الدعابات الساخرة من قبيل ما ورد على لسان الرئيس الأمريكي.

الصفقة الدولية الأكبر

 ثم لا تمتنع واشنطن عن بيان ما يدفعها إلى مثل تلك الخطوات فيردد رئيسها كلينتون بوضوح أنها «صفقة رابحة رابحة رابحة»، فهي لا تحقق المردود المالي الضخم للشركة الأمريكية فقط، بل وتحقق المصالح الأمنية الأمريكية عالميًا»، على حد تعبيره ويقصد بذلك حصوله على وعود صينية بشأن التعاون الصيني-الإيراني في ميدان استغلال الطاقة النووية في إيران، وما يسري على إيران علنًا، يسري على بلدان إسلامية وعربية اخرى معروفة، فالقصد هو الوصول إلى ما أصبح هدفًا «استراتيجيًا»، ثابتًا في السياسة الأمريكية منذ سقوط الشيوعية، وهو الحيلولة دون أن تقوم للعالم الإسلامي بأسره قائمة، في مختلف الميادين السياسية والأمنية والاقتصادية والتقنية، وفرض الشامل حوله عمومًا الحصار وحول الدول المرشحة فيه للنهوض في تلك الميادين خصوصًا، ولا بأس بعد ذلك أن تكون الوسيلة هي التعاون مع «الشيطان الأحمر أو الأصفر».

لقد استخدم المضيف الأمريكي في وصف العلاقات الأمريكية - الصينية الجديدة تعبير «الزمالة الاستراتيجية البناءة» واعتبر المراقبون الغربيين ذلك دليلًا على أن الضيف الصيني حقق بزيارته أكثر مما كان يصبو إليه، وهو الذي كان يردد من قبل تعبير الزمالة البناءة التي تعيد العلاقات إلى ما كانت عليه في الثمانينيات الميلادية.

والواقع أن السياسة الدولية الأمريكية الآن أقرب إلى نسخة طبق الأصل عما كانت تمارسه في السبعينيات والثمانينيات عندما سارت واشنطن على طريق «الانفراج الدولي»، وفق التصورات التي طرحها اشتراكيو المانيا الغربية بزعامة فيلي براندت، وتابعهم عليها بعد تردد نيكسون وكسينجر، وبعد فترة وجيزة من ذلك الانفراج الذي كاد يرسخ مكانة الاتحاد السوفييتي دولياً قبل انهياره فتحت واشنطن أبواب التعامل مع بكين وضحت على مذبح هذه العلاقات بتايوان على أمل أن توازن العلاقات مع بكين نتائج فتح الأبواب أمام السوفييت غرباً، وأن تحول دون استكمال خطوات التقارب الصيني-السوفييتي التي رافقتها، والآن أيضًا، أدى سقوط الشيوعية إلى انفتاح موسكو على الغرب انفتاحًا جعلها في عهد يلتسين جزءاً من «الخارطة الاستراتيجية» الدولية الأمريكية، حتى إذا حاولت موسكو تجاوز هذا الإطار المحدود للدور المطلوب منها أمريكياً، وبدأت بممارسة سياسة انفتاح جديد على القوى الدولية في شرق أسيا لاسيما الصين الشعبية والهند واليابان تحولت أهداف السياسة الأمريكية إلى العمل على تثبيت حدود إقليمية للدور الروسي بتوسعة حلف شمال الأطلسي في أوروبا الشرقية، وبالعودة إلى علاقات الزمالة الاستراتيجية البناءة مع الصين الشعبية.

وقد بدأ الإعداد لذلك على مدى العامين الماضيين، رغم سائر مظاهر «انتقاد» انتهاكات حقوق الإنسان في الصين، ورغم الضغوط الأمريكية على الشركاء الأوروبيين لتخفيف حجم تعاونهم مع الصين الشعبية، وهو ما انعكس في تردد الصين عن القبول بالعروض الروسية لتشكيل شبكة أمنية أسيوية بمشاركة الهند بينما كان الأوروبيون الغربيون أعمق «خبرة» باللعبة السياسية الأمريكية، فلم يستجيبوا للضغوط الأمريكية على حساب مصالحهم المادية.

ويبدو أن اليابان أيضًا بدأت تدرك أبعاد السياسة الأمريكية الجديدة في شرق آسيا، وأنها تتجاوز حدود «التنافس» الاقتصادي التقليدي بين القوى الغربية على الأسواق الاستثمارية والاستهلاكية في الصين، لتكتسب صيغة أمنية وسياسية يمكن أن تصبح في المستقبل القريب على حساب مصالح اليابان إقليمياً ودولياً، ولاسيما أن العلاقات الأمريكية-اليابانية لم تخل من التوتر الشديد بسبب الخلل الدائم في الميزان التجاري الثنائي لصالح اليابان، ولم تخل من التوتر على الصعيد الأمني: أيضاً، كما شهدت الخلافات الأخيرة على وجود القواعد العسكرية الأمريكية في اليابان وتجديد معاهدة التعاون الأمني الثنائية بين الجانبين.

نتائج مقصودة

ومن هنا إذا صح أن «التوقيت»، لم يكن مقصودًا أن تنعقد القمة اليابانية-الروسية أثناء انعقاد القمة الأمريكية - الصينية، فلا ريب أن نتائج اللقاء بين يلتسين وهاشيموتو كانت مقصودة، فرغم الخلاف القائم بين الجانبين بسبب عدم حل أزمة الجزر اليابانية الواقعة تحت الاحتلال الروسي منذ الحرب العالمية الثانية، كان يلفت النظر أن طوكيو أصبحت على استعداد أكبر للتعاون مع موسكو والقبول بتأجيل التوصل إلى حل للخلاف مبدئيًا.

إن فتح الأبواب أمام حقبة جديدة من العلاقات الصينية - الأمريكية يحقق عدداً من الأغراض السياسية والأمنية والاقتصادية للطرفين، ولا لوم بطبيعة الحال على بكين أو واشنطن في صنع ما يراه كل طرف مصلحة له، ولا غرابة في ألا تجد الاعتبارات الإنسانية سبيلاً للتأثير على سياساتهما «الواقعية»، ولا غرابة أيضاً في أن الأطراف الأخرى ذات العلاقة على الساحة الدولية، كموسكو وطوكيو والعواصم الأوروبية ترصد السياسات الأمريكية والصينية، وتستوعب أهدافها، وتقدر ما يمكن أن ينبني عليها من نتائج، فتتحرك بدورها لخدمة مصالحها الذاتية، ويمنعها عن ذلك ما يربطها من مصالح وعلاقات مع الطرفين المعنيين الأمريكي والصيني، فالسياسة «الواقعية»، عند الجميع هي تلك التي تعطي الأولوية للمصالح والأهداف الذاتية أولاً، لا غرابة في جميع ذلك، ولكن ماذا عن الأطراف الأخرى التي أصبحت شعوبًا ودولًا هي العدو البديل منذ سقوط الشيوعية، والتي أصبحت تسجل الخسارة تلو الخسارة على خارطة السياسة الدولية في مختلف الميادين؟

التغافل عن معاناة مسلمي الصين

لقد كان من نتائج تلاقي الشرق والغرب على أرضية جديدة بعد الحرب الباردة إطلاق يد موسكو لتفرض هيمنتها في المنطقة الإسلامية التي سقطت الشيوعية فيها وسط آسيا، ولتقوم علاوة على ذلك بدور القوة الحائلة دون توثيق علاقات البلدان الإسلامية وسط آسيا مع دول الجوار الإسلامية قدر الإمكان، وكما كانت طاجيكستان وأذربيجان، وأخواتها، وكانت الشيشان وداغستان وأخواتها من البلدان الإسلامية «المستقلة»، والبلدان الإسلامية المستعمرة روسيًا، كما كانت هذه المناطق جميعاً ضحية الوفاق بين موسكو وواشنطن، فإن المناطق الرازحة تحت الاستعمار الصيني الشيوعي ستكون قطعًا في مقدمة ضحايا الوفاق بين بيكن وواشنطن، وهو ما يمكن رصده مسبقًا من خلال التجاهل الدولي المطلق لما تشهده تلك المناطق من ثورات تطلب التحرر، ومن ممارسات صينية وحشية في إخماد الثورات وفرض مزيد من الاستبداد والاستغلال في المنطقة، هذا مقابل ما يبديه الغربيون من اهتمام بمنطقة التبت وشعبها، وهي صورة طبق الأصل عن التعامل مع قضايا المسلمين وبلدانهم تحت الحكم الشيوعي السوفييتي من قبل بصورة مغايرة لتعاملهم مع قضايا سواهم في البلطيق وشرق أوروبا.

 كذلك يمكن القول كما انتهى الصراع «الحضاري» بين الشيوعية السوفييتية والرأسمالية الغربية بزعامتها الأمريكية إلى وفاق دولي مستقر على أرضية حضارية مادية مشتركة قديمة جديدة يمكن أن ينتهي الصراع الحضاري المحتمل مع «الكونفوشوسية الصينية»- كما تنبأ بذلك هنتنجتون - إلى وفاق دولي مستقر على أرضية حضارية مادية مشتركة قديمة جديدة.

يبقى جميع ذلك في حدود ما لا ينطوي على مفاجآت تستحق الذكر في مجرى التطورات الدولية بين حقبة الحرب الباردة، وحقبة النظام العالمي الجديد المراد ترسيخ دعائمه ورسم خرائطه في الوقت الحاضر، كذلك ليس من «المفاجآت» أن تتفاعل القوى الدولية المعنية قبل سواها في ساحات الوفاق والصراع، وأن يحاول كل منها تثبيت موقعه المستقبلي، وفق مصالحه الذاتية ولكن ما الذي يصنعه المسلمون في المنطقة الإسلامية المستهدفة، في الوقت الحاضر وفي المستقبل، كما كانت في حقبة الحرب الباردة؟ هل يمكن القبول باستمرار ممارسة «سياسة الانتظار» الرصد تطور جديد، والتلاؤم معه من جديد تلاؤم التسليم لا التفاعل والتأثير، ولو كان في ذلك هدر مصالح شعوب المنطقة ودولها على السواء، جمعًا وعلى انفراد؟

إن تطور العلاقات الصينية-الأمريكية بالذات أكد أن مفهوم السياسة «الواقعية» المعاصرة بات ينطلق من الجمع دون حرج بين الخلافات والمصالح، كما ظهر في التعامل مع تايوان أثناء انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة والمناورات العسكرية الصينية واستعراض العضلات الأمريكية في المنطقة، جنباً إلى جنب مع العلاقات المصلحية التي تجعل الصين الشعبية في المرتبة الرابعة في ميدان التبادل التجاري الخارجي للولايات المتحدة، ويسري شبيه ذلك على العلاقات الأمريكية-الأوروبية، والروسية-الأمريكية، ألا ينبغي سؤال من يروجون لسياسة التسليم والتبعية باسم «الواقعية والشرعية الدولية»، عن أسباب تحول العلاقات الخارجية لبلدان المنطقة العربية والإسلامية، إلى علاقات أشبه بشارع ذي اتجاه واحد لا تتحقق فيه سوى مصالح القوى الدولية الأخرى، لاسيما الأمريكية في الوقت الحاضر؟

لقد بات التقاء المجموعة العربية على الأقل على أرضية سياسية مشتركة تجاه قضية مصيرية كقضية فلسطين، أو قضية «الأمن العربي المشترك»، أو قضية «التبادل التجاري العربي» بات الالتقاء على أرضية مشتركة على مختلف المستويات يصور كامل مستحيل أو شبه مستحيل كما يشهد على ذلك مثلاً الانقسام الراهن على «المشاركة» أو «المقاطعة« للمؤتمر الاقتصادي.

 إن التطورات المتتابعة منذ سنوات على خارطة العلاقات الدولية ما بين سواحل الصين الحمراء وكاليفورنيا هوليوود الأمريكية تؤكد أول ما تؤكد أنه لا مكان على خارطة العالم المستقبلية، إلا لمن يتحرك وفق إرادته الذاتية المستقلة أولًا، والمصالحة الذاتية العليا ثانيًا، واعتمادًا على الإمكانات والمعطيات المتوافرة بين يديه ثالثاً، ثم في إطار العمل الحريص الدائب على التكتل والتعاون حيث يمكن التعاون مع أطراف أخرى، وإن اختلف معها وتنازع في بعض الميادين، وبين الحين والحين ما دامت تجمعه معها «أرضية مشتركة» بجذور حضارية مشتركة، وأهداف مصيرية مشتركة. وهذا بالذات مما تعنيه «السياسة الواقعية المعاصرة».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 43

448

الثلاثاء 12-يناير-1971

الشورى أم الاستبداد؟ (3)

نشر في العدد 38

0

الثلاثاء 08-ديسمبر-1970

الشورى  أم الاستبداد!