العنوان القوات الأمريكية في جورجيا : حلقة في حزام القواعد العسكرية حول العالم
الكاتب عمر عبدالحق
تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2002
مشاهدات 54
نشر في العدد 1502
نشر في الصفحة 40
السبت 01-يونيو-2002
· النفوذ الأمريكي يواصل التمدد بهدوء على حساب روسيا، غضب في الكرملين لكن واشنطن تواصل تقدمها وإن التزمت منهج الاحتواء والمساومة
بوصول أول مجموعة من العسكريين الأمريكيين إلى العاصمة الجورجية تبليسي نهاية الشهر الماضي، تكون واشنطن قد حققت أول اختراق عسكري لهذه المنطقة المتاخمة المنطقة القوقاز الملتهبة بحرب روسية ضد الشيشان والملتهبة أيضاً بصراع تاريخي بين جورجيا وأبخازيا.
وفي سجل صراع النفوذ في المنطقة أصبحت قاعدة «قارزياني» الجورجية هي الأولى التي تدخلها قوات أمريكية بعد انسحاب القوات الروسية منها مباشرة، وهي الرابعة التي تحل فيها قوات أمريكية بعد دخول قوات أمريكية قيرغيزيا وأوزبكستان وكازاخستان على حساب القواعد السوفييتية السابقة، وهو ما يعني زحزحة النفوذ الروسي خطوة أخرى لصالح النفوذ الأمريكي، في خطوة ستتلوها خطوات أخرى أكبر وأوسع في سبيل التمكين لمزيد من النفوذ الأمريكي.
وقد صاحب وصول هذه المجموعة من العسكريين الأمريكيين ردود أفعال من الأطراف المعنية مازال صداها يتردد خاصة أن لها أبعادها الاستراتيجية والعسكرية المستقبلية المهمة.
ولنقترب أكثر من المنطقة التي تتشابك فيها المصالح وتتعقد فيها الصراعات بين القوى المحلية والدولية فجورجيا وأبخازيا بينهما صراع تاريخي طويل لإصرار أبخازيا على الاستقلال بينما تصر جورجيا على اعتبارها جزءًا من أراضيها، ونفس الحالة تنطبق على أوسيتيا الجنوبية، أما روسيا فتؤيد أبخازيا وأوسيتيا في مساعيهما للاستقلال نكاية في جورجيا المتمردة على الانضواء تحت الهيمنة الروسية أسوة ببقية دول المنطقة، وردًا على ذلك تؤيد جورجيا المقاتلين الشيشان في قتالهم ضد الغزو الروسي لبلادهم، فما دامت روسيا تساعد الدولتين خاصة أبخازيا في ترسيخ الاستقلال وتنكر على جورجيا حق الاحتفاظ بهما ضمن أراضيها فإن الرد الطبيعي هو مساعدة الشيشان في ترسيخ الاستقلال عن روسيا.
أما الولايات المتحدة فقد وجدت في الخلافات والصراعات المتجددة في المنطقة فرصتها للنفاذ إليها في إطار مخططها لبسط هيمنتها على العالم وتحجيم دور القوى المنافسة لها.
المسألة تحتاج إلى مزيد من التفصيل ولكن بعد التوقف قليلًا أمام ردود أفعال ووجهات نظر هذه الأطراف من الاختراق الأمريكي للمنطقة، من جانبها تصر الولايات المتحدة وجورجيا على التأكيد على أن الهدف من وصول القوة الأمريكية هو التعرف على المنطقة عن كثب وتدريب وحدات من القوات الخاصة الجورجية على مكافحة ما يسمى بالإرهاب ومواجهة «الإرهابيين» المتمركزين في منطقة وادي بانكيسي على الحدود الجورجية، وهم مجموعة من المقاتلين الشيشان الذين فروا إلى المنطقة القريبة من بلادهم واستقروا بها بموافقة السلطات الجورجية التي يحفل سجل علاقاتها مع روسيا بخلافات حادة وقد ألمح رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الدوما الروسي ديمتري روجوزين إلى احتمال عقد صفقة بين المقاتلين الشيشان في المنطقة والسلطات الجورجية لطرد المرتزقة الأجانب من بين صفوفهم حفاظًا على العلاقات الجيدة بين الطرفين.
وفي هذا الإطار سربت الولايات المتحدة أنباء عن اتفاق غير معلن مع موسكو على الوجود الأمريكي في جورجيا، لكن مدير إدارة الأمن الفيدرالي الروسي نيكولاي باتروشيف نفى ذلك كما أن روغوزين رئيس لجنة العلاقات في مجلس الدوما الروسي قال صراحة إن أي عمل عسكري في المنطقة «حتى ولو كان ضد... مقاتلين شيشان» سيحمل تهديدًا للحدود الروسية وأن موسكو تملك الحق في اتخاذ إجراءات الدفاع عن أمنها القومي.
وقد حاولت واشنطن تهدئة الغضب الروسي من خلال مكالمة وزير خارجيتها لنظيره الروسي مؤكدًا أن التدريبات الأمريكية ستكون في مصلحة روسيا وأن واشنطن ستواصل إطلاع موسكو على التطورات أولًا بأول.
لكن موسكو سارت في خط الضغط على جورجيا التي فتحت ذراعيها للوجود الأمريكي فقد صوت مجلس الدوما الروسي في الأول من مارس الماضي بغالبية كبيرة على قرار يقضي بإمكان النظر في وضع جمهوريتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وهو ما يشير إلى إمكانية اعتراف موسكو باستقلالهما، الأمر الذي أثار غضب وتخوف جورجيا المتشبثة ببقائهما ضمن أراضيها.
والذي يبدو أن هناك صفقة كبيرة بين جورجيا والولايات المتحدة تفتح الأولى بمقتضاها أراضيها للقوات الأمريكية ولتمكين الهيمنة الأمريكية هناك على حساب النفوذ الروسي مقابل تسهيل واشنطن انضمام تبليسي لحلف الأطلسي، وقد أكد ذلك مستشار الرئيس الجورجي للشؤون الخارجية صراحة قائلًا: إن بلاده لن تتراجع عن قرارها بتقديم طلب الانضمام للحلف عام ٢٠٠٥م، وكان أكثر تحديدًا عندما أوضح أن الجهود التي تقوم بها بلاده لتدريب قواتها المسلحة تتم حسب المعايير التي وضعها الحلف، مشيرًا إلى المساعدات التي تلقاها بلاده في هذا الصدد من أعضاء الحلف على رأسها واشنطن ولندن وباريس.
وقد سارت جورجيا خطوة أكثر تقدمًا في سبيل توطيد العلاقات مع واشنطن بتعيين سفيرها السابق لدى واشنطن تيدو جاباريدزة سكرتيرًا لمجلس الأمن القومي وهو الموقع الأكثر أهمية بعد موقع الرئيس الأمر الذي دعا مراقبين في موسكو إلى التكهن بأن سياسة جورجيا تسير نحو ترسيخ وجود عسكري طويل الأمد في المنطقة، وهو ما دعا مسؤولين روس إلى القول أن الأسباب الحقيقية لظهور القوات الأمريكية في منطقة القوقاز «جورجيا متاخمة لمنطقة القوقاز» مازال خافيًا.
هذه التطورات برمتها قد مثلت إزعاجًا شديدًا لأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية المتخوفتين على استقلالهما من الدعم الأمريكي لجورجيا ضدهما مما دفعهما إلى التلويح بإمكانية انضمامهما إلى الاتحاد الروسي.
صراع متواصل الحلقات
ويتخوف الكرملين من إمكانية وجود خطة لدى واشنطن ترمي لاحتواء روسيا عسكريًا بعد نفوذ الحلف شرقًا، واقتصاديًا بتحجيم النفوذ الاقتصادي الروسي على دول المنطقة وتجاهل المصالح الروسية في موضوع إبرام العقود و الصفقات الكبرى المتعلقة بالطاقة خصوصًا طاقة بحر قزوين ولذا تسعى روسيا منذ سقوط الاتحاد السوفييتي إلى الهيمنة على دولة وقد طرحت الإدارة الروسية مجموعة من المبررات، لذلك ترى ما يمكن أن تكون مقبولة، ومن أبرزها:
- الأمن القومي الروسي.
- الصراعات الإثنية في دول الجوار القريب وخطورة امتدادها إلى داخل روسيا.
- الدفاع عن مصالح الأقليات الروسية داخل دول الاتحاد السوفييتي السابق.
فيما يتعلق بالصراعات الداخلية داخل الدول بين الدول بعضها بعضًا كان الدور الروسي واضحًا ومؤثرًا في معادلات الصراع، بل إن روسيا قامت بدور كبير في تأجيج الصراعات بين الدول وفي داخلها حتى توجد ذريعة قوية لتدخلها سياسيًا وعسكريًا، وقد كان ذلك واضحًا في الصراع الجورجي الأبخازي، إذ دعمت -بصورة خفية- الانقلاب العسكري الذي وقع ضد الرئيس جامسيا خورديا ردا على رفضه الانضمام لكومنولث الدول المستقلة الذي تهيمن عليه روسيا، كما واصلت دعم الرئيس المنتخب إدوارد شيفار نادره ضد خورديا الذي فر إلى أبخازيا وظل يقاوم من هناك للعودة إلى الحكم وفي نفس الوقت الذي كانت تتخذ فيه روسيا موقفًا معاديًا لجامسيا خورديا خلال حكمه لجورجيا كانت تساند أبخازيا في نضالها للاستقلال عن جورجيا نكاية في الحكومة المتمردة على هيمنتها لكن عندما أعلن شيفار نادرة انصياعه ووقع مع روسيا اتفاقية الصداقة والتعاون عام ١٩٩٤م وأعلن قبول بلاده الانضمام الكومنولث الدول المستقلة نفضت روسيا يدها من أبخازيا، فقد حصلت روسيا بمقتضى الاتفاقية على ثلاث قواعد عسكرية في جورجيا، كما حصلت على منفذ على البحر الأسود.
وفي عام ۱۹۹۷م اتفق الجانبان على حل مشكلة أسطول البحر الأسود الذي كان يمتلكه الاتحاد السوفييتي السابق بحصول جورجيا على أربع قطع من الأسطول بينما كانت بقية القطع من نصيب روسيا.
لكن حالة الوفاق بين روسيا وجورجيا ما لبثت أن تبددت، وهكذا لعب الموقف الروسي على العلاقات بين جورجيا وأبخازيا محاولًا ابتزاز الطرفين لكنه استقر عند أبخازيا بعد قدوم القوات الأمريكية إلى جورجيا.
وتقوم المخاوف الروسية من التمدد الأمريكي في المنطقة على شواهد ملموسة على أرض الواقع تتمثل في:
- إعلان واشنطن اعتزامها المشاركة في قوات لحفظ السلام بإقليم ناجورنو كاراباخ المتنازع عليه بين أرمينيا وأذربيجان، وذلك تحت إشراف منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، وبمشاركة قوات روسية.
- مشاركة قوات أمريكية في تدريبات عسكرية على حدود روسيا في سبتمبر من عام ۱۹۹۷ م مع القوات المشتركة لكل من كازاخستان وأوزبكستان وقيرغيزستان التي تجمعها اتفاقيات عسكرية.
- ثم أخيرًا قدوم طلائع القوات الأمريكية إلى جورجيا تمهيدًا لاستقرار دائم في المنطقة.
- وتضع الولايات المتحدة دول الانفكاك السوفييتي على قمة أهدافها الاستراتيجية منذ أمد بعيد، وقد تزايد هذا الاهتمام كثيرًا في الآونة الأخيرة، وقد تجلى التدخل الأمريكي خلال العديد من النزاعات التي اشتعلت بها ومنها:
- النزاع الأرمني الآذري حول ناجورنو قره باخ وكان التدخل هنا عبر منظمة الأمن والتعاون الأوروبية، ومؤتمر مينسك الذي عقد لحل النزاع وكان التدخل لصالح أرمينيا صاحبة العلاقات القوية مع بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي الذين شكلوا جماعة ضغط نجحت في سن القانون رقم ۹۰۷ تحت عنوان قانون دعم الحرية، عام ۱۹۹۲م والذي يحظر على الإدارة الأمريكية تقديم أي دعم لأذربيجان رغم أنها المتضررة من النزاع، فقد فقدت ١٥ من أراضيها وعاني ۸۰۰ ألف من التهجير القسري بسبب الحرب «١١٪ من السكان».
وتسعى الولايات المتحدة لإدماج روسيا ومعها المنطقة في نظام دولي وفق الرؤية الأمريكية وتعتبر واشنطن وجودها ونفوذها في المنطقة ضمانة هذا الإدماج ولكن بحذر ودون استفزاز لروسيا أو لدول المنطقة، ولهذا فإنها اتخذت طريق التدخلات الاقتصادية المليء بالإغراءات المالية من خلال المنظمات غير الحكومية ومجموعات رجال الأعمال والمستثمرين، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن الولايات المتحدة غضت الطرف عن الانتهاكات الروسية في الشيشان وانتهاكات النظام الدكتاتوري في أوزبكستان، في تلك الآونة كان حضورها السياسي ونفوذها العسكري وتغلغلها الاقتصادي يتمدد في المنطقة.
أيًا كان الأمر فإن الطرف الأمريكي حرص على ألا يكون الصراع عنيفًا، وإنما فضل منهج الاحتواء، فروسيا لديهم تمثل -وفقًا لرؤية زبيجنيو بير جنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق في كتابه رقعة الشطرنج الكبرى- دولة غير مستقرة سياسيًا وتمتلك في نفس الوقت ترسانة نووية، ومن المحتمل أن تشهد فوضى سياسية قد تؤدي إلى تهديد أوروبا بانتشار أسلحة الدمار الشامل، لهذا يسير الاتجاه الأمريكي في التعامل مع روسيا منذ سقوط الاتحاد السوفييتي نحو الاحتواء والمساومة وليس الاستفزاز والصدام.
ويبقى أن الصراع العسكري التاريخي بين جورجيا وأبخازيا يقف وراء حفر الثغرة الكبيرة التي نفذت منها طلائع القوات الأمريكية إلى جورجيا، فهل سيحفر الصراع الشيشاني الروسي القريب من جورجيا حفرة أخرى لاتساع تمركز القوات الأمريكية وفي ضوء ذلك كيف سيكون مستقبل الكيانات الإسلامية المنتشرة في المنطقة؟