; السنوسي يؤسس الحركة الجهادية | مجلة المجتمع

العنوان السنوسي يؤسس الحركة الجهادية

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1980

مشاهدات 107

نشر في العدد 478

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 29-أبريل-1980

  • إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة (الحلقة السابعة عشر)

السنوسي يغير مفهوم الزاوية ويقيمها وفق أسس عسكرية وعلمية، وبلغ عدد الزوايا في عهد محمد السنوسي اثنين وخمسين زاوية، موزعة في طرابلس وتونس والجزائر ومصر والحجاز واليمن والسودان، مع الربط بينهم والمتابعة الدقيقة.

أما الزوايا فتعتبر المجال الحيوي لصياغة الإخوان السنوسيين، وتطبيق الطريقة السنوسية عليهم كمنهج حركي فكري عقائدي.

وقد كانت الزوايا معروفة قبل عهد محمد السنوسي، إلا أنها كانت مقتصرة على العبادة والرهبنة وحفظ الأوراد، وكانت كل طريقة لها زاوية، فكثرت الزوايا بكثرة الطرق، وكان أفرادها يسمون بالدراويش، وكثيرًا ما كان التنافس والاختلاف يثور بين هذه الزوايا.

فلما جاء محمد السنوسي غير مفهوم الزاوية تغييرًا جذريًا، وجعل من الزاوية المجال الحيوي لصياغة الإخوان السنوسيين، وتطبيق الطريقة السنوسية عليهم كمنهج حركي عقيدي وفكري، وكانت أول زاوية أسسها في مكة في جبل أبي قبيس، ثم أنشأ زوايا أخرى في المدينة والطائف وجدة وينبع وغيرها.

ثم اختار برقة مكانًا تنطلق منه الدعوة، فأنشأ فيها زاوية «البيضاء»، ويعتبر إنشاء هذه الزاوية بداية الحركة السنوسية من الناحية السياسية والاجتماعية والفكرية.

وكان اختيار السنوسي برقة اختيارًا موفقًا، فهي أرض سبق وأن درسها السنوسي وعرف ميزاتها ومناسبتها لحركته، فجعل زاوية البيضاء في مكان يصعب الوصول إليه، ممن ليس لديه خبرة بطرقها، وفي نفس الوقت فإن مكانها يسهل الدفاع عنه بأقل عدد من المقاتلين، وكان في تخطيطه هذا ينظر إلى مستقبل الصراع والحرب بينه وبين الطليان، واختيار برقة كان موفقًا أيضًا لبعدها عن سلطة دولة الخلافة، وإن كانت لا تفكر- في فترة ضعفها- في متابعة ما يجري في تلك الرقعة النائية، وأيضًا فإن برقة منطقة الجبل الأخضر وهي أرض ذات خصوبة، وتتصل بالعالم الخارجي بثغري بنغازي ودرنة، كما تمر بالجبل الأخضر جميع القبائل الذاهبة إلى طرابلس في الغرب فزان ومصر و برونو وواداي، أو تلك الآتية من هذه البلاد وما يجاورها ، ولذلك يستطيع السنوسي الاتصال بجميع هذه البلاد وتوصيل دعوته ونشرها، ومعرفة أحوال العالم الإسلامي خصوصًا متابعة أحوال المسلمين في أفريقيا.

ثم اتبع أسلوبًا عسكريًا خاصًا في إنشاء بقية الزوايا، فاختار لها أمكنة على شاطئ البحر، بحيث تبعد كل زاوية عن التي تجاورها مسافة ست ساعات، ثم أنشأ خلفها جميعًا زوايا مقابلة لها تبعد كل منها عن الأخرى المسافة نفسها، حتى إذا هوجمت الزوايا الأمامية التي بالشاطئ استطاع الإخوان وأهل الزاوية أن ينتقلوا بسهولة إلى الزوايا الخلفية، وكانت «مسوس» القاعدة الأولى لهذه الزوايا.

● ويقول بريتشارد عن توزيع الزوايا ومواقعها في برقة: «إن من يدرس توزيع الزوايا السنوسية في برقة يلاحظ أنها أقيمت وفق خطة اقتصادية/ فقد بنى عدد كبير منها على منشآت يونانية ورومانية ، وأسست على طرق القوافل المهمة وفي مواقع دفاعية قوية»1.

ويقول شكيب أرسلان: «أغلب هذه الزوايا تختار لها أجمل البقع وأخصب الأرضين، وفيها الآبار التي لا تنزح من مائها، وفي الجبل الأخضر هي بجانب عيون جارية وأنهار صافية، قل إن مررت بزاوية ليس لها بستان أو بساتين فيها من كل أنواع الفواكه»2. (2)

واستطاعت السنوسية أن تنشئ عدة زوايا في جميع أنحاء ليبيا في الجبل الأخضر وفي دفنا وببقية طرابلس الغرب وجنوبي الجزائر وفاس وبرقة ومصر والحجاز واليمن والسودان، حتى بلغت هذه الزوايا في عهد محمد السنوسي ما يزيد على اثنتين وخمسين زاوية، موزعة على هذه الأقطار، وقد ربط السنوسي بين هذه الزوايا كلها برباط متين من المخابرات، وفق نظام دقيق تلتقي أسبابه عند الزاوية الكبري المركزية «الجغبوب» التي أنشأها.

● حينما شعر ببدء العداء بينه وبين سلطان دولة الخلافة الإسلامية في بنغازي، وشعر أن زاوية البيضاء أصبحت مدينة كبيرة يقصدها الأهالي والزوار، ويلجأ إليها الإخوان السنوسيون وتنتقل إليها الأخبار، وكأنها دولة مستقلة، وكان وجودها على قرب من الساحل يمكن حكومة بنغازي من متابعتها، فاختار الجغبوب مكانًا لإنشاء زاويته في مرحلتها الجديدة، وكان اختيارًا موفقًا لهذه المرحلة ، وإن دل على شيء فإنما يدل على بعد نظر سياسي يتمتع به السنوسي، ذلك أن الجغبوب مكان يستقر فيه كثير من القبائل العربية المستقلة، والتي قبلت الدعوة السنوسية، ودخلت في عداد الإخوان السنوسيين، وأصبح من المستطاع أن يعتمد عليهم السنوسي في أية مهمة يريدها.

وقد اهتم السنوسي بهذه الزاوية كثيرًا، فبعد أن كانت مأوى لقطاع الطرق واللصوص، أصبحت مركز عبادة ومشعل نور وهداية، أسس فيها مدرسة لتخريج الإخوان السنوسيين، وأجلس في هذه المدرسة كبار تلاميذه.

وكانت تقارير من أسماهم «بالخلفاء» و «الوكلاء» ترد إلى بنغازي من كل البقاع والبلاد، التي أنشأ فيها الزوايا ثم ترسل إلى الزاوية الجغبوب المركزية، بواسطة الهجن وبسرعة فائقة.

وكانت الزاوية تتكون عادة من بيت خاص لإسكان شيخها، وبيوت خاصة بالضيوف وبوكيل الزاوية وبمعلم الأطفال، والمسجد والمدرسة لدراسة القرآن الكريم، ومساكن الخدم، ومخازن الحفظ المؤن واصطبل ومتجر وحجرة خاصة بالفقراء الذين لا مأوى لهم، وهناك أراض موقوفة على الزاوية، ومساحة الزاوية كانت كبيرة تصل إلى 2500 هكتار، بعضها مزروع والبعض الآخر يترك للرعي، وذكر بريتشارد أن مجموع أراضي الزاوية في برقة وحدها يبلغ نصف مليون هكتار.

● وأما موارد الزاوية المالية، فكانت تتألف من الزراعة وتربية المواشي والهبات الخيرية، كما كانت الزاوية تجلب الزكاة من القبيلة، لاسيما بعد أن أعفت السلطات في دولة الخلافة الإسلامية الزوايا من الضرائب، وأعطت لها حق جباية الزكاة، وكانت الزاوية تنفق بعض هذه الموارد على احتياجاتها وفق نظام معروف فيها، أما ما يتبقى فيبعث إلى المركز الرئيسي حيث يتصرف فيه رئيس النظام.

● وتتألف السلطة في الزاوية من شيخ الزاوية، وهو المسؤول الأول عن الزاوية وهو الذي يمثل رئيس قسم النظام، ويقود رجال القبيلة في الجهاد، وهو الصلة بين القبيلة ورجال الإدارة العثمانيين، ويقوم بضيافة المسافرين ويشرف على حصاد الزرع ، ويؤم الصلاة ويساعد في الوعظ والتعليم، وتتألف السلطة أيضًا من مجلس يضم وكيل الزاوية وشيوخ وأعيان القبيلة المرتبطة بها ووجهاء المهاجرين «الذين آووا إلى الزاوية».

ومهمة هذا المجلس النظر في مشاكل الأهالي وفض المنازعات، ويطلق على شيخ الزاوية اسم «المقدم» وهو- كما يقول شكيب أرسلان- القيم على الزاوية الذي يتولى أمور القبيلة، ويفصل الخصومات، ويبلغ الأوامر الصادرة من رئيس النظام، ويليه وكيل الدخل والخرج، وإليه النظر في زراعة الأراضي وجميع الأمور الاقتصادية.

وبالإضافة إلى هذين هناك الشيخ الذي يقيم الصلاة في مسجد الزاوية، ويعلم أطفال القبيلة ويعقد فيها عقود الزواج ويصلي على الجنائز3.

وأما مهمة الزاوية فكانت الصياغة العقدية والفكرية والتربية والتدريب لكل الإخوان السنوسيين، فتعتبر الزاوية بحق أهم ركيزة لقوة السنوسية وانتشارها، ولصياغة الإخوان السنوسيين صياغة منهجية حركية، تهتم بعدة أمور قد تعجزعنها كثير من الدول في ذلك الوقت، فكانت خلية اجتماعية يرتادها الأهلون لقضاء حوائجهم، وكانت مكتفية من جميع النواحي الاقتصادية، وكان توزيع مواردها توزيعًا عادلًا أدخل على النفوس الراحة والبهجة، وأعاد لهم ذكريات الأجداد في ظل دولة الخلافة الإسلامية أيام عزها ومجدها وعدلها.

ولا شك أن التنظيم الدقيق الذي رتب السنوسي على أساسه السلطة في الزاوية يكفل التناسق والتفاهم والمودة.

● وكان الشباب يؤم الزاوية باعتبارها جامعة عالية، يتلقى فيها الدروس الشرعية في التربية على أيد خيار الإخوان السنوسيين، وهو إلى جانب ذلك يتلقى المنهج السنوسي في التربية، وكان يغرس في نفوس الشباب روح الجهاد ويشحذ همتهم لذلك اليوم، الذي يواجهون فيه جحافل الجيوش الأجنبية المعتدية، ولذلك اهتم السنوسي في الزوايا بعنصر التدريب العسكري إلى أقصى ما يستطيع من طاقة، ويقول لوي رين: إن السنوسيين بهذه الزاوية «الجغبوب» كانوا دائمًا على قدم الاستعداد للدفاع عن الواحة، فكان كل رجل منهم مزودا بالسلاح الكامل، ولديهم جميعًا حوالي أربعمائة بندقية ومائتي سيف، هذا عدا الأسلحة الأخرى المعدة لتجهيز قوة من نحو ثلاثة آلاف رجل، محفوظة في نحو عشرين حجرة مليئة بالرصاص والبارود، وهذا إلى جانب عدد من المدافع يتراوح بين 154 مدفعًا اشتريت من مصر، ثم نقلت إلى الجغبوب عن طريق الإسكندرية وطبرق، وهي -أي طبرق- أجمل ميناء في الشمال كانت تهرب منه الأسلحة وجميع ما يلزم من معدات.

وزيادة على ذلك فإنه كان بالجغبوب عدد من الصناع الذي مهروا في صناعة الأسلحة وجميع ما يلزم من معدات.

1  الحركة السنوسية 238.

2  حاضر العالم الإسلامي 2\297 لأمير البيان شكيب أرسلان.

3  الحركة السنوسية 238 وما بعدها بتصرف -وحاضر العالم الإسلامي 297.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

151

الثلاثاء 07-أبريل-1970

مجليات 4

نشر في العدد 10

141

الثلاثاء 19-مايو-1970

كيف ربّى النبي جنده؟

نشر في العدد 17

145

الثلاثاء 07-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 17