العنوان القوى المتصارعة في جامعات السودان
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أبريل-1980
مشاهدات 70
نشر في العدد 477
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 22-أبريل-1980
مراسلنا في الخرطوم
•الشيوعيون والتقدميون يطالبون بالطائفية ويعارضون الانتخاب المباشر.
•أنصار السنة والصوفية يتحالفون مع الشيوعيين لمحاربة الإخوان.
•السلطات تضيق على النشاط الإسلامي وتسهل على النشاط التبشيري الصليبي.
استشهد الطالب المسلم «الغالي عبد الحكم حاج علي» من قرية الدرادر الواقعة في مديرية النيل الأبيض، والطريقة التي استشهد بها استفزت رجل الشارع السوداني، وأثارت حفيظته ضد الشيوعيين.. فقد تسلل شيوعي خصم للطالب إلى المستشفى التي يرقد فيها الطالب المنتمي إلى الإخوان المسلمين، واستغل تأوهات الطالب المريضة وحالة الضعف والإنهاك الذي يسببه له مرضه ليجهز على عريضة ويقتله شر قتلة وبلا رحمة، والشيوعيون مشهورون بالغدر والخبث ولكل بلد تجاربه المريرة الدامية مع الشيوعيين.
وكانت السودان قد عاشت فترة من القلاقل قبل هذه الحادثة بين أحضان الجامعة، محور هذه القلاقل يدور حول شرعية دستور اتحاد الطلبة، فقد كان دستور عام ١٩٥٧ يتم فيه الانتخاب بطريقة نسبية توزع فيها المقاعد بناء على نسب الطوائف؛ أي أن الطائفية كانت محور العمل الطلابي في السودان ابتداء بالتقدميين والشيوعيين وانتهاء بالخرافيين والصوفيين. وكان من حسنات الإخوان المسلمين على العمل الطلابي إلغاء الطائفية عام ۱۹۷۳ ووضع دستور جديد ينص على الانتخاب الحر المباشر، وقد نال الدستور قبول الأغلبية بموافقة أكثر من ٦٠٪ عليه وأصبح له الشرعية التي لا يجادل فيها أحد. وبناء على الدستور الجديد أجريت الانتخابات التي أسفرت عن فوز الاتجاه الإسلامي بأغلبية ساحقة، ومنيت القوى المضادة بشر هزيمة، وثارت القوى اليسارية والتقدمية والخرافية مطالبة بالعودة للتمثيل الطائفي، وسقطت الشعارات البراقة التي يرفعها اليساريون والتقدميون باستمرار في أول امتحان.
- القوى المتصارعة في الجامعة
التنظيم الطلابي للإخوان المسلمين السودانيين يعتبر من أكثر التنظيمات الطلابية الإخوانية تنظيمًا وتكتيكًا، وهو يستخدم أحدث الأساليب التنظيمية الحركية في العمل النقابي، ويختلف عن غيره من التنظيمات في العالم الإسلامي في فهم الألاعيب الحزبية والنقابية.
بعد فوز الإخوان في الانتخابات تحالفت جميع القوى المتصارعة ضد الإخوان وتكتلت في كتلة واحدة لإسقاط الإخوان، والقوى المضادة هي:
•مؤتمر الطلاب المستقلين.
•الجبهة الوطنية.
•الجبهة الديموقراطية.
•جبهة كفاح الطلبة.
•الجبهة الوطنية الإفريقية.
•الطلاب الاتحاديون الديمقراطيون.
•رابطة الطلاب الناصريين.
•رابطة الفكر الجمهوري.
ورغم كثرة التنظيمات الأخرى المضادة، إلا أنها تفتقد إلى الشعبية داخل صفوف الطلبة، وهي عبارة عن مجموعات صغيرة تطلق على أنفسها ألفاظًا كبيرة.
- قوى دينية ضد الإخوان
وقفت بعض القوى الدينية ضد الإخوان؛ وذلك نتيجة للخلاف الفكري العميق بينهم. وكثير من الأحيان يكون الخلاف بين الجماعات الدينية أشد منه بين الجماعات اللادينية؛ فقد يصل الخلاف إلى حد التكفير لمجرد الاختلاف على اجتهاد.. وهذا ما حصل في السودان. وأهم هذه الجماعات الدينية
- جماعة أنصار السنة المحمدية:
وهم الذين يزعمون أنهم يتبعون المنهج السلفي، والمعروف أنهم منذ تاريخهم الأول كانوا ضد الإخوان حتى في أثناء الأزمات والكوارث التي ألمت بالإخوان. ويتمتع أنصار السنة بعناية السلطة بهم؛ ذلك لأنهم لا يخوضون في السياسة إلا من أجل معارضة الإخوان، وهم اليوم يعلنون أحكامًا قاسية على الإخوان كالفسق والضلال والزيغ، ويقفون بقوة مع القوى الشيوعية واليسارية لإسقاط الإخوان.
- جماعة الطرق الصوفية:
والسودان مرتع خصب للطرق الصوفية الخرافية، وكثير من أبناء القرى الريفية ينتمي إلى الطرق الصوفية، والطرق الصوفية تُدعم بقوة من قبل السلطات علمًا بأن المستشرقين يحاولون جاهدين بلْورة الفكر الصوفي وإيجاد أبطال ومفكرين لهذا الفكر. فمحاولات المستشرقين لتصوير الحلاج بالبطولة وتصوير ابن عربي بالمفكر وغيره من رجالات الصوفية هي محاولات المستشرقين لها ما يبررها، فأبرز مزايا الفكر الصوفي الحديث هو تطويع الأمم لكل واقع والاستسلام له وإبطال الجهاد.
وللفكر الصوفي تغلغل داخل الدولة، ويتمتع بنفوذ قوي، فالكتب التي تحارب التصوف ممنوعة من دخول السودان ولا يسمح لها بالتداول. هناك كتاب كبير صدر أخيرًا للشيخ التقلاوي أحد علماء السودان بعنوان: «العقيدة.. الركن الأول للإسلام» طبع في مصر وصودر في السودان لهجومه على التصوف.
أكثر الطرق عداء للإخوان هي الطريقة البرهانية، وهذه الطريقة موغلة في الانحراف إلى درجة أن الأزهر أفتى بضلالها ومنع تداول كتبها، ولا سيما كتاب شيخ الطريقة: «تبرئة الذمة في نصح الأمة»، كما أن هذا الشيخ أصدر كتابًا خاصًّا في مهاجمة الإخوان.
- خليط متناقض
الغريب هو تحالف القوى المتناقضة، فالشيوعيون لا يؤمنون بالقوميين ولا الطائفيين ورغم ذلك يتحالفون سويًا ويرمقون شعار الطائفية في الانتخابات، والمتدينون لا يوادون الشيوعيين والتقدميين ذوي الشعارات العلمانية، أخذًا بالآية الكريمة: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ (سورة المجادلة: ٢٢) ولكنهم هذه المرة يتجاوزون الآية ليتحالفوا مع القوى العلمانية نكاية بالإخوان.
وأنصار السنة يعتبرون الصوفية النقيض الفكري لهم ويشنون عليهم حربًا ضروسًا.. ولكنهم هذه المرة يتحالفون مع النقيض من أجل إسقاط الإخوان.
- الجامعة.. والصحافة
وقفت إدارة الجامعة موقفًا حياديًّا إزاء الصراع الطلابي ولم تحاول التدخل في هذا الصراع، ولكن صحافة النظام وقفت بكل ثقلها ضد الإخوان؛ فقد نشرت إحدى الجريدتين اليوميتين في اليوم التالي للاضطرابات- الخميس ١٩٨٠/٣/٢٠ تحقيقًا في أكثر من صفحتين رددت فيه كلام القوى المضادة، وطالبت بالتمثيل الطائفي في الانتخابات زاعمه أن الانتخاب الحر لا يخدم إلا الإخوان المسلمين.
- السلطات
تمارس السلطات رقابة دقيقة على النشاط الإسلامي، بل تتعمد التضييق عليه. لقد وقع في يدي خطاب لجماعة دينية موجه للشؤون الدينية بشأن السماح لإقامة مسجد، فكان رد الشؤون الدينية بالسماح لإقامة هذا المسجد على أرض قدرها ۲۰ في ۲۰ متًرا من أراضي السودان الشاسعة، مشروطًا باقتصار نشاط المسجد على صلاة الجماعة، وإن وزارة الشؤون الدينية والأوقاف ستحتفظ لنفسها بالحق في استخدام المبنى في أنشطتها المختلفة في أي وقت! في الوقت الذي تُمنح الأراضي بلا حساب للهيئات التبشيرية، والفاتيكان، وهيئة الكنائس العالمية، والنشاط الإسلامي يجد تحديات من قبل السلطات، والعلمانيين، والزحف الصليبي، والتغلغل الصوفي الخرافي، ثم المخططات الماسونية.
والحكومة تمنع منعًا باتًّا التصدي للزحف الصليبي أو حتى مجرد نقده، بل تتجه السلطات اليوم إلى تصفية الثورة الأريتيرية لصالح الحبشة. وبالتعاون مع الأجنحة الشيوعية في أريتيريا، ظهرت بوادر هذه المؤامرة في أثناء زيارة النائب الأول لرئيس جمهورية الحبشة.
لذا تحاول السلطات التضييق على الإسلاميين سواء في الجامعة أو خارجها.
- الحكمة والتأني
هذا الصراع المتفاعل الملتهب أدى إلى إغلاق الجامعة ومقتل الطالب المسلم بطريقة استفزت البيوت السودانية.
قال لي أحد شباب الإخوان:
كان في مقدور طلبة الإخوان أن يفتكوا بالشيوعيين الانتهازيين واحدًا واحدًا، إلا أنهم استعملوا الحكمة في أناة وتركوا الأمر للقانون؛ ذلك ليفوتوا الفرصة على النظام الحاكم وحتى لا يستدير النظام على الإخوان في النهاية، مع أنهم هم المعتدَى عليهم.
أما الماسونية فبرغم الحملات الصحافية الضارية عليها، فإنها مدعومة بقوة من جهات مؤثرة في السلطة، ولا تزال الماسونية تتركز في منطقة عطبرة ولها محفل من أكبر المحافل في المنطقة العربية، ومحفل عطبرة تابع للمحفل المتحد الأعظم الإنجليزي، وقد تأسس في ١٩٥٨/٢/٦ ويحمل رقم ٧٥٥٤.
مؤسسه برني جيمس هاربر حامل نيشان الإمبراطورية بدرجة ضابط، وهو إنجليزي الجنسية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل