; القيصر العجوز.. والأزمة الروسية المزمنة | مجلة المجتمع

العنوان القيصر العجوز.. والأزمة الروسية المزمنة

الكاتب أحمد الأديب

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1999

مشاهدات 65

نشر في العدد 1363

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 17-أغسطس-1999

كان المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي هو السلطة العليا في الدولة العظمي المنهارة وكان مضرب المثل عالميًا بأن متوسط أعمار أعضائه فوق سبعين سنة، وبأنه إذا عين رئيس للحزب والدولة بقي، إلا في حالات العزل النادرة على كرسي السلطة حتى يغيبه الموت وعرف شبيه ذلك عن مناصب أخرى في الدولة حتى كان وزير الخارجية السوفييتي الأسبق أندريه جروميكو صاحب رقم قياسي عالمي في فترة بقائه في ذلك المنصب.

وقد يرى كثيرون في بوريس يلتسين في الوقت الحاضر آخر حلقات ذلك الرعيل من الحكام السوفييت منذ أن انتزع لنفسه السلطة من ميخائيل جورباتشوف آخر الرؤساء السوفييت، وقضي على الاتحاد السوفييتي واقعيًا، ليعتلي سدة الحكم في الاتحاد الروسي، ولكن بإخراج جديد قديم يذكر بعهود القياصرة الروس، مع فارق رئيس أنه عجز حتى الآن عن أن يصطنع للاتحاد الروسي مكانة دولة قيصرية عظمى أو شيوعية عظمى على السواء.

الكرسي الطيار

منصب رئيس الوزراء الذي فقد مكانته بسبب أسلوب تعامل بوريس يلتسين معه، هو المنصب الثاني في الدولة الروسية العتيدة التي تريد أن ترث مكانة الاتحاد السوفييتي كدولة كبرى، وقد بدأ يلتسين مسلسل العزل والتعيين منذ 6/11/1991م، أي بعد انتخابه رئيسًا لروسيا بخمسة شهور فقط، فعزل رئيس الوزراء الأسبق إيفان سیلایيف وشغل المنصب بنفسه سبعة شهور حتى منتصف عام ١٩٩٢م، ثم عين بيجور جايدار رئيسًا للوزراء، فلم يكمل العام إلى نهايته فبقي ستة شهور فقط وخلفه تشيرنومردين  لستة أعوام فبما أن الأمور بدأت تستقر شيئًا فشيئًا، والواقع أن موسكو لم تعرف الاستقرار السياسي منذ عرفت يلتسين، فلم يكن بقاء رئيس الوزراء فترة طبيعية سببًا لاستقرار السياسة الروسية نفسها، ولتوطيد دعائم الدولة الجديدة نسبيًا، بل كانت السنوات الست الفترة الرئيسة الحاسمة لتوطيد موقع بوريس يلتسين لا الاتحاد الروسي، فأنداك تخلص من ألد خصومه السياسيين في معركة القصر الأبيض العسكرية، ثم من البقية الباقية في المعركة السياسية التي أسفرت عن تعديل الدستور، بما يعطي رئيس الدولة صلاحيات قيصرية مطلقة بمعنى الكلمة، هذا علاوة على أنه كان يغير ويبدل في الطاقم الوزاري نفسه وفي طاقم العاملين في الكرملين على مقربة منه بسرعة يصعب على المراقبين اللحاق بخطواتها واستقراء أسبابها، وبلغت موجة العزل والتعيين الكبرى على هذا النحو في عام ١٩٩٧م، فكانت تمهيدًا لسقوط فيكتور تشیرنومردین نفسه يوم 233/1998م.

 منذ ذلك الحين وخلال ۱۷ شهرًا مضت إلى الآن تتابع على منصب رئاسة الحكومة الروسية، الذي أصبح يوصف بالكرسي الطيار ثلاثة رؤساء وزراء كيريينكو وبريماكوف وتشيباشين ويقي كل منهم على التتالي خمسة شهور وثمانية شهور وثلاثة شهور، وتبقى الآن إشارة الاستفهام لاصقة باسم رئيس الحكومة الجديد فلاديمير بوتين عن يوم إقالته المجهول رغم محاولة الإيحاء أنه لن يسري عليه ما كان يسري على سواه، كما يؤخذ من إعلانه العزم على الترشيح لمنصب رئاسة الدولة عام ٢٠٠٠م. وإعلان يلتسين أنه يعتبره المرشح المفضل ليخلفه في ذلك المنصب.

كذلك يبقى السؤال عن المقياس الذي يستند إليه القيصر العجوز في عمليات العزل والتعيين والأسباب التي يعمل بها قراراته التي باتت تفاجئ الخبراء بالشؤون الروسية كما تفاجئ الروس أنفسهم، هل يمكن القبول فعلًا بالتعليل الرسمي الذي بات يعلنه في كل مرة، بقوله: إن رئيس الوزراء المعزول أخفق في تسيير أمور البلاد الاقتصادية، والمالية، على وجه التخصيص، وإن رئيس الوزراء الجديد خير من يقوم بهذه المهمة، ثم ألا يعني ذلك إذا كان صحيحًا، أن الرئيس الروسي نفسه لا يتمتع بأي طاقة على تقدير حقيقة الأشخاص الذين يختارهم للمنصب الثاني في الدولة، إلى درجة الحديث عنهم بصورة معاكسة تمامًا بعد بضعة شهور؟

يمكن بالإجابة أن تلقي نظرة على عهد تشيرنومردين باعتباره الوحيد الذي بقي في رئاسة الوزراء ست سنوات، وسنجد أن الوضع الاقتصادي والمالي قد أنهار في عهده بالذات فانخفض الإنتاج الصناعي والزراعي إلى مستويات تراوحت بين ٤٠ و ٦٠٪ فقط، وتم تهريب أكثر من ثلتي الثروات المالية إلى الخارج، وبلغ وضع الجيش الذي أثبت عجزه العملي في الشيشان أنه لم يعد يجد ما يكفي من المال الصرف رواتب الجنود والضباط، فضلًا عن نفقات أعمال الصيانة والتطوير، وانتشرت الجريمة المنظمة في البلاد إلى درجة قياسية تذكر بالعشرينيات الأمريكية، من القرن الميلادي العشرين، وتغلغل الفساد في أعلى أجهزة الدولة، بل أصبحت روسيا المصدر الأول لما يسمى «تجارة الرقيق الأبيض»، في أوروبا ورغم ذلك كله لم يعزل يلتسين رئيس وزرائه المفضل تشيرنومردين من منصبه، حتى استحال الحفاظ عليه عمليًا فسقط ورغم أن الأزمة المالية الكبرى التي عصفت بموسكو وأوصلت البلاد إلى حافة الإفلاس في أغسطس عام ۱۹۹۸م، قد حلت بالبلاد بعد انتهاء عهد تشيرنومردين، فلا خلاف بين العارفين بالأوضاع الروسية أن بذر بذور الأزمة كان في ذلك العهد، ومع هذا فقد بقي تشيرنومردين موضع الحظوة لدى القيصر الروسي من بعد، فجعله ممثله الشخصي في مفاوضات دولية وحاول إعادته إلى منصب رئيس الوزراء مرة أخرى لولا رفض مجلس النواب «الدوما» له رفضًا قاطعًا.

الكفاءة.. بطاعة القيصر

الواقع أن أحدًا من رؤساء الوزراء المتعاقبين لا يحمل من المسؤولية عن انهيار الأوضاع الروسية قدر يلتسين نفسه، فهو صاحب الصلاحيات الأكبر، ولا يمكن لحكومة موسكو أن تتخذ قرارًا حاسمًا واحدًا  دون موافقته، ورغم ذلك فلو أن أحدًا من رؤساء الوزراء الروسي استحق العزل بسبب ما صنع بالبلاد اقتصاديًا وماليًا، لكان تشيرنومردين مرارًا لا مرة واحدة فلا يمكن إذن القبول بالتعليل الرسمي المشار إليه لعمليات العزل والتعيين بشأن سوء الإدارة، وهذا ما ينكشف أيضًا عند المقارنة بين ما سبق في عهد تشيرنومردين، وبين الأوضاع الاقتصادية والمالية التي رافقت عزل ثلاثة رؤساء وزراء من بعده خلال ۱۷ شهرًا مضت فرغم استمرار الأزمة الروسية حتى الآن، يبقى ثابتًا لدى المراقبين داخل موسكو وفي البلدان الغربية، أنه قد بدأت تظهر المؤشرات الأولى للخروج من النفق، وفي عهد بريما كوف وتشيباشين بالذات هبطت نسبة التضخم إلى ۲۸٪ في الشهور السبعة الماضية من عام ١٩٩٩م، بعد أن بلغت ٨٥ ٪ عام ١٩٩٨م.

لأول مرة...

ولم يعد من المنتظر، قبل إقالة تشيباشين على الأقل أن تزيد كثيرًا  في بقية العام، كما ارتفعت العائدات الضرائبية لأول مرة بصورة ملحوظة، حتى تجاوزت التوقعات التقديرية المثبتة في الميزانية السنوية الحالية بزيادة بلغت أكثر من ۲۸ مليار روبل في هذه الأثناء، وتزايدت معدلات فائض التجارة الخارجية، فبلغ حجمه ٢,٩ مليار دولار في شهر ٣/٩٩ و ٢,٦ مليار دولار في شهر أبريل ۱۹۹۹م. ويمكن تعداد المزيد تأكيدًا على سريان مفعول هذه المؤشرات الإيجابية على ميادين أخرى، وقد كانت من أسباب موافقة فريق من الدائنين الغربيين «نادي باريس» على إعادة جدولة الديون الخارجية مع توقع أن يفعل ذلك أيضًا الفريق الرئيس الآخر من الدائنين «نادي لندن» قبل نهاية العام، فضلًا عن موافقة صندوق النقد الدولي الأخيرة على تقديم قروض جديدة بالمليارات تكفي على الأقل لسداد المستحقات من قروض سابقة.

 لم يكن حسن الإدارة أو سوء الإدارة لشؤون البلاد الاقتصادية والمالية إذن هو السبب أو لم يكن السبب الرئيس على الأقل من وراء قرارات يلتسين القيصرية بالعزل والتعيين ويبدو أن من العسير أن تجد سببًا منطقيًا بالمقاييس السياسية المعتبرة، ولكن قد تصل إلى تعليل مقنع عند النظر في الشخصية السياسية ليلتسين بالذات، الذي بدأ حياته السياسية كرئيس الوزراء الجديد في سلم المناصب الحزبية الشيوعية، واعتلى آخر درجات حياته السياسية باعتلائه ظهر دبابة عسكرية أمام «القصر الأبيض» في موسكو، يوم جهر بمعارضته للانقلابيين الشيوعيين ضد ميخائيل جورباتشوف، ثم كان هو الذي طعن جورباتشوف من الخلف فأسقطه ضاربًا المسمار الأخير في نعش الاتحاد السوفييتي وشيوعيته، ثم كان مسلسل التخلص من أصدقائه الشيوعيين والقوميين الذين أعتمد عليهم اعتمادًا رئيسًا في تلك المواجهة الساخنة مع الانقلابيين ثم جورباتشوف فلم يتورع عن اللجوء إلى قوة السلاح عندما رفضوا الانصياع السياسي لزعامته بأسلوبها القيصري الاستعراضي، وقد بدأت اعتراضاتهم منذ تجاوز بصلاحياته كرئيس للدولة والحكومة معًا لحدود الدستورية، فكان يطلق أخطر القرارات المالية والاقتصادية للانفتاح السريع على الغرب وتطبيق المنهج الرأسمالي، ابتداء من تمييع الأسعار وانتهاء بالنظام المصرفي الجديد بأسلوب المراسيم الرئاسية أو القيصرية، دون العودة إلى مجلس نيابي منتخب، وأحيانًا دون العودة إلى أعضاء الحكومة أنفسهم.

وحتى في أشد الفترات إحراجًا للسياسة الروسية كما كان في حرب الشيشان كان يلتسين حريصًا على ألا تتحول الاستعانة بأشخاص يثبتون كفاتهم السياسية إلى دعم حقيقي لتلك الكفاءة، فيلجأ إلى عزلهم فور انتهاء المهمة المطلوبة منهم وقبل أن يصلوا إلى موقع المنافسة أو المشاركة في اتخاذ القرار، وكان ألكسندر ليبيد أبرز الأمثلة على ذلك عندما وضعه لبضعة شهور في أخطر المناصب في الكرملين كرئيس المجلس الأمن القومي ومستشار للشؤون الأمنية، ثم عزله بعد أن أنهى المهمة المطلوبة منه بإنهاء حرب الشيشان.

الأزمة المستعصية

يصعب القبول بالتحليلات القائلة إن تعامل يلتسين مع منصب رئاسة الوزراء ينطلق من طبيعة معركة الانتخابات النيابية في آخر العام الجاري والرئاسية في العام الميلادي المقبل، فالمعركة الانتخابية تدور على شاشة التلفاز والصراع بين الشركات الكبرى التي تمتلك وسائل الإعلام عامة، كما تدور في ميادين التحالفات الحزبية الجارية بعيدًا عن الكرملين حتى ليكاد تأييد يلتسين لأحد المرشحين يكون أقرب إلى عملية القضاء على فرصة النجاح المحتمل له.

 ومن العسير ربط ذلك بالاسم الجديد الرئيس الحكومة المعين فلاديمير بوتين بالذات، فقد كان سلم حياته السياسية هو سلم التألق في الظلام المحيط على الدوام بنشاطات المخابرات السوفييتية ثم الروسية، وهو ما أبعده عن الأضواء الكاشفة باستمرار، ولم يكن في أي وقت من الأوقات زعيمًا سياسيًا، بل كان من «رجالات» السياسيين الآخرين، مثل كبير موظفي الكرملين السابق تشوبايز الذي أتى به كمساعد ثم نائب له وسقط تشوبايز نفسه في دوامة العزل والتعيين على طريقة يلتسين وربما وصلت الدوامة إلى بوتين الآن فأصبح التحليق به رغم افتقاره إلى الكفاءات المطلوبة من زعامة سياسية، هو المقدمة للسقوط به لاحقًا على مذبح السياسة القيصرية.

إن أكبر الأزمات السياسية المستعصية في الدولة الروسية هي أزمة الأسلوب الاستبدادي الطاغي على شخصية بوريس يلتسين نفسه وممارساته، فذاك في مقدمة ما يمنع من انتهاء العهد الشيوعي فعلًا لا شكلًا فقط، وهذا بغض النظر عن الأزمات الموروثة الأخرى من ذلك العهد، أو الأزمات التي تصنعها السياسة الروسية عمومًا، عبر التناقضات المتوالية التي تقع فيها على المستوى الدولي، وكذلك من خلال الدور الذي تلعبه في وسط آسيا والذي يصلح للعهد القيصري القديم لا الوقت الحاضر، وهذا ما يحتاج إلى حديث آخر، لا ينفسح المجال له في هذه الوقفة القصيرة مع سقوط رئيس وزراء وظهور آخر في حلبة الصراعات السياسية في موسكو، وقد كاد يصبح من الأمور الاعتيادية كما لو أنه أحد صغار الموظفين في دار من دور التجارة بالمفرق.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل