; الكتائب والدور القذر «١٩٣٦ - ١٩٨٣م» | مجلة المجتمع

العنوان الكتائب والدور القذر «١٩٣٦ - ١٩٨٣م»

الكاتب لبيب شوفانى

تاريخ النشر الثلاثاء 01-نوفمبر-1983

مشاهدات 66

نشر في العدد 643

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 01-نوفمبر-1983

في الساحة العربية

أسس بيار الجميل حزب الكتائب سنة ١٩٣٦م في ظل الانتداب الفرنسي على لبنان. ومنذ البدء صبغ الجميل حزبه بالصبغة الأنانية والدكتاتورية والطائفية، فمنذ سنة ١٩٣٦ وحتى الآن وبيار الجميل هو رئيس هذا الحزب وهو المنظر والمهيمن والمحرك لهذا الحزب الماروني الطائفي وإن كان بعض عقلاء الموارنة يكرهون أن يكون بيار الجميل العييّ ممثلًا لهم. أقول عييًا لأن بيار الجميل بليد الذهن ولا يحسن تجميع الكلام، وقد أصبح معروفًا بعبارة «بفتكر على إن» التي يكررها كثيرًا مما حدا ببعض الظرفاء إلى إصدار كاسيت خاص يقلد فيه بيار الجميل. ومن الغريب أن يتصدر إنسان مثل بيار الجميل هذا الحزب طوال هذه المدة ومن الغريب أن يلتف حوله كثير من أبناء طائفته والتعليل الوحيد لنجاح بيار الجميل في كسب الإتباع هو أن رعاع الناس يتحمسون في الغالب للآراء المتطرفة التي تبعث فيهم الخيلاء وروح المغامرة والسيطرة على الآخرين والشعور بالتعالي والإحساس الطائفي العدائي بالنسبة للأديان الأخرى وإلا فما معنى أن يلتف حزب حيروت ومعه تكتل الليكود حول كل من الإرهابيين مناحيم بيغن وإسحاق شامير؟ أنه لمن العجب أن يفلح بعض المشوهين خلقيًا ونفسيًا مثل بيار الجميل وبيغن وشامير في تجنيد العصابات الإجرامية الإرهابية وتسخيرها لبقر بطون النساء وذبح الأطفال وإبادة العائلات البريئة المسالمة، وبيار الجميل نسيج وحده في مجال العنف والقتل، فهو لم يؤسس حزبه لتحرير لبنان من الاستعمار لأنه كان ولا يزال أداة  الاستعمار في بلاده. 

فرنسا كانت ولا تزال «أمه الحنون» وهو الذي دعا أمريكا إلى إنزال قواتها في لبنان سنة ١٩٥٨م وهو الذي دعا قوات حلف الأطلسي «أمريكا- بريطانيا- فرنسا- إيطاليا» الدخول لبنان هذا العام كما أنه هو الذي دعا إسرائيل لغزو لبنان عام ۱۹۸۲م. 

أن بيار الجميل تآمر ولا يزال يتآمر على أبناء الطوائف الأخرى من شعبه وعلى فريق كبير من أبناء طائفته بالذات.

الدور القذر لحزب الكتائب

۱- أحداث ١٩٥٨: سنة ١٩٥٨ أعلن الرئيس كميل شمعون (١٩٥٢- ١٩٥٨) عن رغبته في تجديد ولايته. ولكن المسلمين، وعلى رأسهم الرئيس صائب سلام يومذاك رفضوا التجديد لكميل شمعون وقاموا لمحاربة مشاريعه التي أفسدت الحياة السياسية في لبنان وخنقت حرية الصحافة. يومها لم يجد كميل شمعون نصيرًا سوى حزب الكتائب. لقد قامت ميليشيات ذلك الحزب بإقامة الحواجز الثابتة والحواجز الطيارة لخطف المسلمين على الهوية ثم تعذيبهم وتقتيلهم دون رادع من أخلاق أو قانون. وعندما هب الوطنيون للحيلولة دون تمادي هذا الحزب بالأعمال الإجرامية تدخلت القوات الأمريكية ثم أنت بالرئيس فؤاد شهاب (١٩٥٨- ١٩٦٤) صاحب شعار «لا غالب ولا مغلوب» ولكن الجراح التي أحدثتها الكتائب لم تندمل.

٢- التحرش بالفلسطينيين في عهد الرئيس شارل الحلو (١٩٦٤ - ١٩٧٠) في عهد الرئيس اللواء فؤاد شهاب برز دور المكتب الثاني اللبناني بشكل مثير وخفت صوت الكتائب، ولكن ما أن تولى الرئيس شارل الحلو سدة الرئاسة حتى بدأ التأثير الكتائبي يأخذ دوره في تسيير عجلة الرئاسة المارونية. 

في هذا العهد بدأت الميليشيات الكتائبية تظهر علنًا وهي تتابع تدريباتها العسكرية قريبًا من الطرقات الدولية «بيروت- صيدا، بيروت- دمشق، بيروت- طرابلس» فكان المواطن العادي يحتار كيف أن هذه الميليشيات المسلحة تصطف، في وضح النهار وعلى مرأى من قوات الجيش اللبناني الرسمية، ورأى المسلمون في هذه القوات الكتائبية تحديًا صارخًا لوطنيتهم أن أشعرتهم هذه المظاهر المسلحة بوجود امتيازات جديدة لأبناء الطائفة المارونية. وتساءل المسلمون: ترى هل تسمح لنا الدولة بتنظيم جماعات مسلحة على غرار ما يفعله الكتائبيون. ثم، لماذا يتسلح الكتائبيون؟ وضد من؟ وكانت جريدة العمل الكتائبية تزرع بذور الحقد بالتعليقات الصحفية المثيرة التي تبعث روح إنشاء الوطن القومي المسيحي على غرار الوطن القومي اليهودي.

وفي آخر عهد الرئيس شارل الحلو حصل تطور جديد في القضية الفلسطينية بعد أن وقع الرئيس شارل الحلو على اتفاقية القاهرة التي اعترفت بالوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، وكان من الطبيعي جدًا أن يتعاطف الوطنيون اللبنانيون بشكل عام، والمسلحون بشكل خاص، مع الوجود الفلسطيني المسلح بعد أن كان حزب الكتائب قد حقن نفوسهم بالحقد من جراء تحدياته السافرة وخروجه عن القانون.

ورغم أن حزب الكتائب أقر اتفاقية القاهرة «وهذه من النقاط التي يأخذها العميد ريمون اده على الكتائب» فقد أخذ هذا الحزب يتحرش بالفلسطينيين عن طريق الكمائن المسلحة، وبلغ ذلك التحرش ذروته بين عامي ١٩٦٩- ١٩٧٠

عندما كان الكتائبيون يتعرضون للمدنيين الفلسطينيين في مكامن بلدة الكحالة التي ارتبط اسمها بالعمليات الكتائبية الإجرامية التي أودت بحياة الكثيرين من الأبرياء الفلسطينيين ومن اللبنانيين الذين صادف مرورهم على تلك المكامن أثناء الاعتداءات.

٣- الكتائب في عهد الرئيس سليمان فرنجية (١٩٧٦ -۱۹۷۰)

ازداد نفوذ الكتائب في مطلع عهد الرئيس سليمان فرنجية واتسع خطرهم فتسربت عناصر كثيرة منهم إلى مؤسسات الدولة اللبنانية وأصبحت لهم مراكز نفوذ في الجيش اللبناني الذي جعله العماد اسكندر غانم أداة لتنفيذ مآربهم، وإذا كان تحرشات حزب الكتائب بالفلسطينيين هي سمة عهد الرئيس شارل الحلو، فإن تحرشات الكتائب بكل الأحزاب الوطنية الأخرى إلى جانب الفلسطينيين، هي سمة عهد الرئيس سليمان فرنجية قبل أن يفطن هذا الأخير إلى الارتباط العضوي بين هذه الفئة الشريرة وبين إسرائيل.

وفي سنة ۱۹۷۳ م جر الكتائبيون الجيش اللبناني، إلى ضرب المخيمات الفلسطينية بالطيران ومنذ ذلك الحين اتخذ الجيش اللبناني بالممارسة العملية الصبغة والتهوية الطائفية العلنية والمفضوحة بعد أن ظل ذلك في ظل التمويه والباطن منذ إنشائه.

بعد أن تحددت هوية الجيش اللبناني الفئوية أخذ الكتائبيون يمدون مبادئ سياستهم الطائفية على الدولة اللبنانية وضغطوا من أجل سن بعض القوانين التي من شأنها أن تجمع الثروة في أيديهم وتخضع جميع المرافق الحيوية إلى سيطرتهم، وكان من جملة ما أقرته الدولة بعض القوانين التعسفية المتعلقة بصيد السمك والضرائب المفروضة على ذلك والتقييد لحرية الصيادين، ولما كانت هذه القوانين ذات تأثير سلبي على معيشة الصيادين المسلمين الفقراء من أهل صيدا المحرومين، فقد قام هؤلاء مع ممثلهم في البرلمان اللبناني المرحوم معروف سعد، بتظاهرات سلمية للتعبير الديمقراطي عن استنكارهم لقطع أرزاقهم المشروعة، فتصدى لهم الجيش اللبناني بشكل عنيف وأطلق عليهم النار فقتل النائب معروف سعد، وتبين من التحليل المخبري الذي أجري في باريس أن الأستاذ معروف سعد قتل برصاصة أم- ١٦ وهو النوع الذي يستعمله الجيش اللبناني، وتزامن هذا الاعتداء من الجيش، روح اعتداء كتائبي آخر في ضاحية عين الرمانة حيث كمن الكتائبيون السيارة باص كانت تقل عددًا من الفلسطينيين المتوجهين إلى منازلهم في مخيم تل الزعتر وقتلوا جميع ركابها، وهكذا بلغت تحرشات الكتائب باللبنانيين والفلسطينيين أوجها سنة ١٩٧٥م وبمساندة فعلية من الجيش الذي كان يغض النظر عن كل ممارساتهم الخارجية على القانون، ومما يلفت النظر أن القاضي العسكري السيد أسعد جرمانوس لم يصدر أية مذكرة توقيف بحق أي كتائبي منذ اندلاع الأحداث حتى يومنا هذا. 

أمام هذه السياسة العدوانية لم يجد الطرف الآخر في لبنان بدأ من حمل السلاح للدفاع عن نفسه، فانشق الجيش اللبناني بعد أن أعلن الملازم أحمد الخطيب تأسيس جيش لبنان العربي في مقابل جيش لبنان الفئوني ثم قامت الحركة الوطنية اللبنانية في مقابل الكتائب اللبنانية واندلعت الحرب.

قوات الردع العربية

ولإيقاف تلك الحرب الأهلية دخلت قوات الردع العربية التي ما لبثت أن اقتصرت على القوات السورية، وقد ارتكبت قوات الردع العربية أخطاء مميتة عندما انحازت بشكل سافر إلى الكتائب والدولة فأجلت القوات الوطنية عن مواقعها المتقدمة في ترشيش وعيون السمان في المتن الأعلى ورفعت الحصار عن مدينة زحلة ثم هاجمت مدينة صيدا. 

ومن المؤسف حقًا أن ذلك الانحياز السافر قد أدى إلى سقوط مخيم تل الزعتر بأيدي الكتائب والسوريين، وبعد اجتياح بيروت سنة ١٩٨٢م وتبادل الاتهامات بين شمعون بيريز وشارون عقب مذابح صبرا وشاتيلا تبين أن الإسرائيليين كذلك اشتركوا في مذابح مخيم تل الزعتر، يومها. سنة ١٩٧٦م كل الكتائبيون الحاقدون بحوالي ٣٥٠٠ شخص من أبناء ذلك المخيم. 

قتلوا النساء والأطفال واغتصبوا الفتيات وأسروا الكثيرين الذين لا يزالون مفقودين. كانوا يعمدون إلى الأسير فيربطون إحدى رجليه بسيارة والرجل الأخرى بسيارة ثانية ثم تسير السيارتان بشكل معاكس فيتمزق الأسير إربا دون عطف لاستغاثته، على مرأى ومسمع من حشود الكتائبيين وأنصارهم الذين تجمهروا والصلبان الكبيرة فوق صدورهم وكؤوس الخمرة في أيديهم، أن مذابح الكتائب لم تقتصر على الفلسطينيين وحدهم بل تعدتها بادئ الأمر إلى المواطنيين اللبنانيين المسلمين من الطائفة الشيعية على وجه الخصوص فقد دخل الكتائبيون إلى الأحياء الفقيرة في برج حمود وسبناي وحي الغوارنة وحي التنك في محلة المسلخ والكرنتينا وارتكبوا فظائع يندى لها الجبين بحق أبناء وطنهم. 

كانوا أحيانًا يرتكبون الفاحشة مع المرأة المسلمة أمام زوجها أو أبيها أو أخيها أو ابنها قبل أن يحصدوا الجميع بالرصاص. كانوا يلبسون الأقنعة السوداء التي لا تظهر إلا عيونهم ويحملون السواطير أو البلطات الحادة، كالجزارين، كما كانوا يحملون المخارز الحديدية ليفقأوا بها عيون ضحاياهم…

إن انحياز الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني للكتائبيين أفقد الحكومة اللبنانية شرعيتها في نظر الحركة اللبنانية الوطنية. أن الشرعية يجب أن تكون حامية للجميع بدون استثناء فكيف تكون الحكومة شرعية ثم تمد القتلة بالسلاح وتحمي المجرمين الفارين من العدالة؟ كيف تكون الحكومة شرعية وهي تشاهد عصابات الكتائب تجمع المسلمين في حي الفوارنة قريبًا من القصر الجمهوري في بعبدا ثم تقتلهم أمام مسجد الحي الذي لا يزال دون مئذنة إلى يومنا هذا؟ وأكبر دليل على أن الحكومة اللبنانية كانت تزود الكتائبيين بأسلحة الجيش اللبناني هو هذه الحادثة سنة ١٩٧٦ م والشاهد عليها الفريق علي الشاعر سفير المملكة العربية السعودية في بيروت آنذاك ووزير الإعلام اليوم.

ذات يوم فوجئ أهل حي أبي شاكر في بيروت الغربية بصاروخ لم ينفجر وعليه شعار المملكة العربية السعودية «لا إله إلا الله محمد رسول الله.» صعق الناس يومها لوجود هذا السلاح بأيدي الكتائبيين الذين أوقفوا يومًا شاحنة محملة بنسخ القرآن الكريم وعبثوا في المصاحف وأحرقوها في بلدة الكحالة وهي في طريق شحنها إلى السعودية يومها ذهب وفد من أهل الحي ومعهم صورة الصاروخ التي أبرزتها بعض الصحف وقابلوا الفريق الشاعر الذي أجابهم «لا أنكر أن هذا السلاح سلاح سعودي، ولكننا لم نقدمه إلى الكتائب، بل قدمناه إلى الجيش اللبناني ويجوز أنه تسرب من الجيش اللبناني إلى الكتائب» أقول أن هذه الحادثة تعطي الدليل القاطع على أن الجيش اللبناني والكتائب اللبنانية هما وجهان لعملة واحدة.

الرابط المختصر :