العنوان الكرسي المتحرك.. قصة قعيد جعله الله قنديلًا من قناديل العظة والاعتبار
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 13-يونيو-2009
مشاهدات 66
نشر في العدد 1856
نشر في الصفحة 50
السبت 13-يونيو-2009
· أقعده المرض في ريعان الشباب وهو المؤمن الحافظ لكتاب الله فتحول منزله إلى حلقات درس ارتادها محبوه لينهلوا من علمه.
· خطب ابنة عمه وبعد أن أصابه مرض ميؤوس من شفائه صرف النظر فأصرت خطيبته على إتمام الزواج لتكون في خدمته.
· تبرعت له إحدى المحسنات بكرسي متحرك كان كل حياته لكنه قدمه عن طيب خاطر لعجوز في حاجة إليه فهيأ الله له آخر من أحدث طراز.
أعجب ما في دنيانا قصصها الواقعية، فأبطالها نحن، ومسرحها سطح الأرض على امتدادها، مع ملائكة تسجل كل حركة وهمسة، وجان يرانا ولا نراه، وإله يحيط علما بالجميع.
أبطال قصتنا أدوارهم موزعة عليهم بعناية واقتدار، بعد أن دارت بهم ماكينة الابتلاء تحقيقًا لقول الله تعالى:﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ﴾ (الإنسان: ۲) .
فحمل كل منهم نصيبه من الابتلاء وبدأت دورتهم في الحياة، وكل إناء سينضح بما فيه، فهناك من سيرفعه ابتلاؤه –إن أحسن التعامل معه– إلى درجة المحسنين، وهناك من سيسحبه ابتلاؤه إلى أسفل سافلين... ولنبدأ الحكاية من البداية.
العمل بالقرآن
تخرج بطلنا في كلية الآداب– قسم اللغة العربية، وعمل بمهنة التدريس، وقد كان محبًا للعربية شغوفًا بها، مما أعانه على حفظ القرآن الكريم، بل وكان يجد متعة كبيرة في تطبيق آياته مع نفسه وأقربائه وجيرانه وتلاميذه، وكان ذلك مبررًا كافيًا لأن يحبه الجميع.
تقلب الليل والنهار كل يولج في الآخر حتى أتم تسعة وعشرين عامًا، وفي يوم مقدر ومحسوب تردت حالته الصحية وأصيب بشلل رباعي مما أقعده تمامًا، ولكن لحب الناس له أصبح منزله هو مكان لقاء المحبين، أحدهم يقوم بإطعامه والآخر بتغيير ملابسه والثالث بتنظيف منزله، وهكذا، حركة دائبة مستمرة وبطلنا لا يزداد إلا تعلقًا بآيات القرآن مرددًا ثم حافظًا فمعلمًا، نعم معلمًا، فقد كان يتحف من يرتاد منزله بمعلومات رائعة عن أسرار حبه للقرآن، ويقوم بقراءة الآية لتعليمها إياه ثم تحفيظها له وشرح معناها وكيفية تطبيقها، ثم متابعته بعد ذلك للتركيز على تطبيق الآية بشكل عملي، وكان دومًا هاشًا مبتسمًا راضيًا بقضاء الله وقدره، وقد نسج بينه وبين مرضه ما يرجو أن يجعله يفوز برضا الرحمن، وما هي إلا فترة وجيزة وقد تجمع في منزله فصل كامل لحفظ القرآن والعمل به، تنتهي مجموعة لتبدأ أخرى.
زواجه
قبل مرضه كان قد تكلم عن إحدى قريباته للزواج منها، وبالطبع بعد المرض خمد الموضوع وسكن، لكن الغريب في الأمر أنها عملت على تحريكه بل وأصرت على الزواج منه تقربًا إلى الله تعالى، حاول والدها أن يثنيها عن ذلك، فهو بلا حراك، والشفقة لا تجدي في مثل هذه الأمور، ولكنها كانت تتمنى خدمة ابن عمها المقعد كما يفعل كل المحيطين به، ولا سبيل إلى ذلك إلا الزواج منه، وتحت إلحاحها أصبحت في بيت الشاب، سخرها سبحانه برحمته على عبيده، فأضحت تقوم على خدمته ولا يتوقف لسانها عن التسبيح والذكر، وعندما تسمع صوته يشدو بكتاب الله تردد: «والله هذا بالدنيا وما فيها».
كرسي متحرك هدية
كان القعيد في أمس الحاجة إلى كرسي خاص «كرسي متحرك» يستطيع به الحركة، ولكن كيف يتسنى له ذلك وهو الفقير الذي ذهب المرض بكل ما كان لديه؟ أما معاشه فهو لا يستطيع أن يقوم حتى بمتطلباته الأساسية الضرورية.
بدأ من حوله يبحثون عمن يجعله الله سببًا لمساعدة هذا الرجل البسيط في مظهره العظيم في قلبه، علمت بحكايته إحدى الداعيات التي كانت على صلة وثيقة بامرأة قد وهبت وقتها ومالها لمساعدة المحتاجين حيث كانت تعتبر أن مالها الكثير هو ابتلاء لها، ولذا فهي تحاول إنفاقه في سبيل الله أملًا في أن تصبح من أصحاب الميمنة ولعلها تنجو من حسابه يوم الحساب، وكان شعارها قول الله العظيم:﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٧٢)، وقوله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: ٩)، وقوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٤).
فالمال بالفعل ابتلاء، والسبيل إلى النجاة الإنفاق في طاعة الله وفي سبيله مع الشكر المستمر لفضل الله فضله بما أنعم من مال وخير، وفضله بما وفق وهدى إلى اتقاء شح النفس، وكما كان متوقعًا، فبمجرد اتصال الداعية بها أسرعت إلى الخير وتناجت مع القادرين أمثالها ترغبهم في الصدقة وبذل المال، وكانت النتيجة كرسيًا في بيت المقعد، شعر الرجل معه وكأن الدنيا قد حيزت له، فقد تيسر الكثير من أموره بسبب هذا الكرسي.
أية كبيرة
انشغل كل مخلوق بما خلق له وغفلتهم الأيام فالشهور مع أفراح وأتراح، ولنتوقف قليلًا عند لحظة في يوم من الأيام والداعية ترفع هاتفها فيصلها على الأثير صوت الأخت المحسنة وهي في نشوة إيمانية واضحة جلية؛ حيث قالت للداعية أختاه شهدت آية كبيرة لا أستطيع استيعابها وحدي فأردت أن تشاركيني، هل تتذكرين المدرس الشاب المقعد؟ أسمعيني بآذان مرهفة لأقص عليك ما سمعت لتوي!
فكما تعلمين هو يذهب شهريًا للحصول على معاشه البسيط، وكالعادة حملة مرافقوه وأغلقوا الكرسي ليكون معهم يتحرك به في صالة المعاش وهناك جلس وبجواره كرسيه، وتصادف دخول امرأة عجوز بدينة تتحرك بتثاقل بين عكازين ومع كل حركة تتأوه بصوت ضعيف يتضح منه ألمها وإرهاقها العظيمين وبمجرد دخولها تسمرت عيناها على الشاب القعيد وعلى الكرسي الرابض بجواره، وأفلتت منها بعض كلمات قليلة تحمل عبء سنوات وسنوات ثم قالت وهي تمسك بالكرسي موجهة حديثها إلى الشاب: «ليتك تعطيني إياه فهو حلمي»، فرد بتلقائية: «هو لك يا أماه»، وكانت المفاجأة التي أخرست الجميع، أراد أحد مرافقيه أن يتدخل ولكن تكبير المرأة العجوز مع دموعها وتهليلها وشكرها للمولى ثم شكرها للشاب قد ألجمه، وماهي إلا لحظات وكان الكرسي مع المرأة وقد تواريًا عن الأنظار.
أصبح الشاب وحيدًا بدون معينه وسنده، ولكنه نظر إلى مرافقيه وقبل أن يعاتبوه أخذهم هو إلى عالمه، فقد كان يردد قول الخالق تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: ٩)، ثم أضاف: كم كنت أتعجب وأتساءل: كيف كانوا يفعلون ذلك؟ إن الأمر جد في منتهى الصعوبة ولكن بفضل الله تذوقت الإيثار وعلمت أن له حلاوة وطلاوة، والأمر بسطه الله لي وأعانني عليه فالحمد لله.
عطية من الله
حمله مرافقوه، ينظر بعضهم إلى بعض بلا أدنى تعليق وهم في حيرة من أمرهم، كيف سيدبرون له كرسيًا بديلًا، فحصولهم أصلًا على الكرسي السابق كانت له صولات وجولات.
بدأت معاناة الشاب في منزله بدون الكرسي ثم تحدث معي تليفونيًا يحكي لي قصته مع العجوز، ويعتذر لي أنه أعطاها الكرسي دون أخذ الإذن مني فقد تم الأمر سريعًا و و و و و، وعند سماعي ذلك صدمت تعجبًا! قلت له: هل تعلم ماذا أعطيتها؟ لقد أعطيتها رجليك هل تعلم كم تعبنا لإحضار هذا الكرسي إليك؟ كيف تعطيها إياه وأنت في أمس الحاجة إليه؟ كنت أنوه بهذه العبارات لأسمع رده، وهو يحاول أن يهدئ من روعي ويسهل علي الأمر، وأنا دموعي تنزل مدرارًا لا أستطيع لها دفعًا، فمنذ ثلاثة أيام فقط أحضرت لي إحدى الأسر الغنية كرسيًا على أعلى المواصفات قاموا بجلبه من الخارج من أجل والدهم المريض الذي وافته المنية قبل أن يستخدم ذلك الكرسي، وكلما مررت على الكرسي كنت أحدثه بقولي: «ترى أين صاحبك ومن سيحظى بهذه الامتيازات الكثيرة التي تتمتع بها؟ فقد أحضره الله خصوصًا لشخص سينتفع به»، سبحان الله يا أختاه!! لقد رأيتها آية تدل على تنسيق الخالق وترتيبه للأحداث بقدرة تفوق قدرة عقولنا المحدودة القاصرة ذكرت له عطاء الله الذي أعده له مكافأة منه سبحانه حتى من قبل أن يقابل العجوز، ومن قبل أن يتغلب على شح نفسه بإيثاره العجوز على نفسه، وهو بحق فضل الله يؤتيه من يشاء، والكرسي الآن في طريقه إليه، فما رأيك فيما سمعت؟
قلوب واعية
أمسكت الداعية بخيط الحديث وقد ابتسم قلبها قبل ثغرها؛ سبحان الله إن سلطان آيات القرآن على النفس البشرية عظيم إن وجدت قلوبا واعية مع أذان صاغية وتيسير من الله سبحانه.
بعد المكالمة دعت الداعية أولادها وروت لهم الرواية وهي تعجب وتتعجب من فعل القعيد، لقد جعله الله قنديلًا من قناديل أخذ العظة، فالمؤمن يحق لا يظلمه الله ولا يبخسه ولا يرهقه ولا يهضمه.
جدير بالذكر أن هذا الشاب موجود وعلى قيد الحياة، يقطن في أحد أحياء القاهرة الشعبية، وقد حدث ذلك يوم الثلاثاء ١٩/٥/٢٠٠٩م الموافق ٢٤ جمادى الأولى ١٤٣٠هـ.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل