العنوان الكعبة في التاريخ.. وتأملات في معاني الحج
الكاتب الدكتور أحمد الشرباصي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يناير-1974
مشاهدات 54
نشر في العدد 182
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 01-يناير-1974
مكة المكرمة.. المسجد الحرام.. الكعبة المشرفة.. إنها ثلاث حلقات تتلألأ بالسنا والنور، وأوسعها نطاقا مكة، البلد الطيب المبارك، وفي وسطها المسجد الحرام الآمن، وفي وسطها الكعبة المشرفة التي جعلها الله جل علاه قياما للناس، وجعلها مركز الدائرة داخل المسجد الحرام الذي يأمن فيه الخائف، ويهدأ الفازع، ويستقر اللهفان.
وقد ذكر القرآن المجيد لمكة المكرمة أربعة أسماء، سماها أولا مكة في قوله في سورة الفتح ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّة﴾ (الفتح: ٢٥)، وسماها بكة في قوله من سورة آل عمران: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ (اَل عمران: ٩٦)، وسماها أم القرى بقوله في سورة الأنعام ﴿لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (الأنعام :٩٢)، وسماها البلد الأمين بقوله في سورة التين: ﴿وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ (التين:٣)، وأقسم بها في قوله في أول سورة البلد: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ (البلد: ١، ٢) .
ومجد القرآن ذكر الكعبة، حين جعلها قبلة العالمين من المؤمنين فقال في سورة البقرة ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (البقرة:١٤٤) وجعل البيت الحرام مرجعا للناس وموضع ثواب فقال ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (البقرة:١٢٥) وجعله عتيقا أي متقدما في الرتبة كريم الشأن، فقال ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ونسبه إلى الرب سبحانه فقال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ﴾ (قريش:٣) وهذا وغيره يدل على مكانة هذا البيت ومنزلته.
ويذكر التاريخ في سبب بناء الكعبة أن أبا الأنبياء وخليل الرحمن إبراهيم-عليه السلام- ضاق بما كان فيه قومه -ومعهم أبوه- من وثنية وشرك، فهيأ الله له من الأسباب ما يحمله على أن يخرج مهاجرا مع زوجته هاجر وولده الذبيح إسماعيل إلى واد غير ذي زرع ليرفعا فيما بعد القواعد من البيت الذي يراد له من الله جل جلاله أن يكون رمز التوحيد لا الوثنية، وأن يكون نقطة الاجتماع والالتقاء على تجريد العبادة لله وحده، حيث تهرع إليه الجموع كل عام ملبية داعية، وحيث تتجه إليه الملايين كل يوم عدة مرات في صلاتها وضراعتها لله عز شأنه.
ويترك إبراهيم بأمر الله زوجته وولده في هذا المكان، ويشتد وقع هذا على الزوجة، ولكنها تفهم منه أن هذه هي مشيئة الله فتستسلم لذلك قائلة: «إذا كان هذا أمرا من الله فإنه لن يضيعنا».
وينفد الماء من الأم وولدها الذي يطلب الماء مرات، فتذهب أمه لتبحث عن الماء غادية رائحة، وتعود بعد طول مسعى، وفجأة تجد الماء وقد تفجر على مقربة من وليدها نفحة من الله الرحمن الرحيم، وكانت «زمزم» ويشب إسماعيل وينمو، وتأتي قبيلة «جرهم» فتقيم بقرب البئر المباركة، ويكثر الزرع والفرع، ويتزوج إسماعيل -جد العرب- ويأتي أبوه فيراه قد صار رجلا علما، فيفرح الوالد ويدعو ربه بمزيد من التوفيق.
ويشرع الوالد والولد في بناء الكعبة، وهو يردد بلسانه وجنانه ما حكاه القرآن في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة: ١٢٦-١٢٩).
وينهض البناء شامخا، ويكون له شأن أي شأن، وتاریخ أي تاریخ، ويقول فيه التاريخ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٩٦، ٩٧).
وحول البادئ ببناء الكعبة تدور مع الزمان روايات وأخبار، قيل الملائكة أو آدم، أو شيث بن آدم، وإدريس، والأقرب إلى القبول هو أن إبراهيم وإسماعيل هما اللذان قاما ببناء الكعبة، وقد قرر ذلك «تفسير المنار» ونفى الأساطير التي ترددت حول هذا الأمر، فقال فيما قال:
«ولكن القصاصين، ومن تبعهم من المفسرين، جاءونا من ذلك بغير ما قصه الله تعالى علينا، وتفننوا في رواياتهم عن قدم البيت، وعن حج آدم ومن بعده من الأنبياء إليه، وعن ارتفاعه إلى السماء في وقت الطوفان، ثم نزوله مرة أخرى. وهذه الروايات يناقض أو يعارض بعضها بعضا فهي فاسدة في تناقضها وتعارضها، وفاسدة في عدم صحة أسانيدها، وفاسدة في مخالفتها لظاهر القرآن، ولم يستح بعض الناس من إدخالها في تفسير القرآن، وإلصاقها به، وهو بريء منها».
ومن ذلك زعمهم أن الكعبة نزلت من السماء في زمن آدم، ووصفهم حج آدم إليها، وتعارفه بحواء في عرفة، بعد أن كانت قد ضلت عنه بعد هبوطهما من الجنة، وحاولوا تأكيد ذلك بتزوير قبر لها في جدة، وزعمهم أنها هبطت مرة أخرى إلى الأرض بعد ارتفاعها بسبب الطوفان، وحليت بالحجر الأسود، وأن هذا الحجر كان ياقوتة بيضاء -وقيل زمردة- من يواقيت الجنة أو زمردها، وأنها كانت مودعة في باطن جبل أبي قبيس، فتمخض الجبل فولدها، وأن الحجر إنما اسود لملامسة النساء الحيض له، وقيل لاستلام المذنبين إياه.
وكل هذه الروايات، خرافات إسرائيلية بثها زنادقة اليهود في المسلمين، ليشوهوا عليهم دينهم، وينفروا أهل الكتاب منه».
وكما يقول الأستاذ الإمام محمد عبده:
«لو كان أولئك القصاصون يعرفون الماس، لقالوا إن الحجر الأسود منه، لأنه أبهج الجواهر منظرا وأكثرها بهاء وقد أراد هؤلاء أن يزنوا الدين ويركبوه برواياتهم هذه، إذا راقت للبله من العامة فإنها لا تروق لأهل العقل والعلم الذين يعلمون أن الشريف هذا الضرب من الشرف المعنوي هو ما شرفه الله تعالى، فشرف هذا البيت، إنما هو بتسمية الله تعالى إياه بيته، وجعله موضعا لضروب من عبادته لا تكون في غيره، لا بكون أحجاره تفضل سائر الأحجار، ولا بكون موقعه يفضل سائر المواقع، ولا بكونه من السماء، ولا أنه من عالم الضياء...
وحينما بنى إبراهيم مع ولده الكعبة جعل علوها سبع أذرع وطولها في الأرض ثلاثين ذراعا، وعرضها اثنتين وعشرين ذراعا.
وحينما جددت قريش بناء الكعبة جعلت طولها ثماني عشرة ذراعا في السماء، ولما بناها عبد الله بن الزبير جعل طولها في السماء سبعا وعشرين ذراعا، ثم بناها كذلك عبد الملك بن مروان، وهي الآن بناء مربع ارتفاعه نحو خمسة وعشرين مترا، وطول كل ضلع منها نحو عشرة أمتار، إلا الضلع الغربي فهو اثنا عشر مترا.
ويقال إن أول من كسا الكعبة بكساء هو الملك «تبع» بعد رؤيا رآها، ثم تنافس خلفاء المسلمين وسلاطينهم في كسوة الكعبة بمختلف أنواع الكساء وهي الآن تكسى بالحرير الأسود المطرز بالذهب، وقد ظلت مصر عهدا طويلا تتولى أمر هذه الكسوة، ثم أنشئت في المملكة العربية السعودية دار تتولى أمر هذه الكسوة.
* * *
● وفي بناء الكعبة يوجد الحجر الأسود، الذي جعله الإسلام علامة لبدء أشواط الطواف حول الكعبة، وميزته أنه حجر وضعه إمام الموحدين إبراهيم عليه السلام، وجعله في مكانه من البناء ليكون مبدأ الطواف، يعرفه الحجاج بمجرد النظر إليه، فيصير الطواف بنظام لا يضطرب فيه الطائفون، وليس هناك في الإسلام أي عبادة أو تقديس لهذا الحجر كما يفتري المفترون على الدين، وحسبنا العبارة التي اشتهرت نسبتها إلى عمر الفاروق رضوان الله عليه، حينما استلم الحجر، ورفع صوته يقول «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يقبلك ما قبلتك».
وليس عمر وحده هو الذي قال ذلك بل قاله أيضا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، حيث حج ووقف عند الحجر وقال: «إني لأعلم إنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك» بل قاله قبلهما رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقد روي أنه وقف عند الحجر ثم قال: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع».
وإنما تعود الناس أن يستشهدوا بعبارة عمر الماضية، لأنها اشتهرت بينهم أكثر من عبارة أبي بكر وعبارة الحديث، والحديث يرشدنا كما يصور الأستاذ الإمام إلى أن الحجر الأسود لا مزية له في ذاته، فهو كسائر الأحجار، وإنما استلامه المشروع في أعمال الحج أمر تعبدي في معنى استقبال الكعبة وجعل التوجه إليها توجها إلى الله الذي لا يحده مكان، ولا تحصره جهة من الجهات.
على أنه قد غرز في طبائع البشر تكريم البيوت والمعاهد، والآثار والمشاهد، التي تنسب للأحياء، أو تضاف إلى العظماء، والشاعر يقول:
أمر على الديار ديار ليلى
أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي
ولكن حب من سكن الديارا
وإنما يكون التعظيم والتكريم للديار، في حالة غيبة الساكن والديار، لأن النفس إذا حرمت من المشاهدة التي تذكي نار الحب، وتهيج الإحساس والشعور بلذة القرب، تحاول أن تذكي تلك النار، بالتعلل بالأطلال والآثار.
ولا يقال: لماذا خصص الحجر الأسود بالتقبيل؟ فإن كل مشعر من تلك المشاعر قد خص بمزية تثير شعورا دينيا خاصا يليق به. فلا يقال: لماذا كان الوقوف والاجتماع، وتعارف أهل الآفاق والأصقاع، بعرفة دون غيرها من البقاع، ولهذه المشاعر والشعائر معان وأسرار أخرى عند بعض الخواص، لا يطيق فهمها عامة الناس.
وقد جهل القصاص تلك الأحاديث والآثار، وهذه المعاني والأسرار، وجعلوا مزية البيت الحرام ومشاعره وحجره المكرم، محصورة في مخالفتها لسائر الحجارة، وكون أصلها من جواهر الجنة التي هي من عالم الغيب ولو كان ذلك صحيحا لبقيت حجارتها كما كانت عند نزولها من الجنة كما يزعمون.
وللكعبة المشرفة مع هذا خصائص منها: أن تحية المساجد تكون بالصلاة وتحية الكعبة بالطواف، وأن الدعاء عند رؤيتها مستجاب، وأن النظر إليها طاعة لها ثواب، وأن الغسل يستحب عند دخولها.
وقد قيل إن اليهود قالوا: «إن بيت المقدس أعظم من الكعبة، لأنه مهاجر الأنبياء، ولأنه في الأرض المقدسة».
فقال المسلمون: بل الكعبة أعظم، فنزل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ (آل عمران ٩٦) إلى قوله سبحانه ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ (آل عمران ٩٧) وليس ذلك في بيت المقدس، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (آل عمران ٩٧) وليس ذلك في بيت المقدس.
* * *
● وينبغي أن نلاحظ أن الكعبة بناء وأن المسجد الحرام من حوله فناء. ولقد كان المسجد الحرام يحيط بالكعبة دون سور له في أول الأمر، وفي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إن الكعبة بيت الله، ولا بد للبيت من فناء. واشترى عمر ما حول الكعبة من بيوت وهدمها، وبنى المسجد المحيط بالكعبة، وجعل له سورا.
وقد عني التاريخ الإسلامي بتتبع المرات التي تم فيها توسعة أو إصلاح لبناء الكعبة، فذكر المؤرخون أنه في السنة السابعة عشرة للهجرة اشترى عمر رضي الله عنه دورا وسع المسجد الحرام بها. وأبى بعضهم أن يأخذ الثمن وامتنع عن البيع، فوضع عمر أثمانها في خزانة الكعبة فأخذوها، وقال لهم: إنما نزلتم على الكعبة.
ثم جعل عمر على المسجد جدارا قصيرا دون القامة.
وفي السنة السادسة والعشرين اشترى عثمان رضي الله عنه دورا وسع بها المسجد، وأرغم البعض على هذا الشراء، وجعل للمسجد أروقة «وهي البواكي».
وفي السنة الرابعة والستين اشترى عبد الله بن الزبير دورا وسع بها المسجد من جانبيه الشرقي والجنوبي توسعة كبيرة.
وفي السنة الخامسة والسبعين حج عبد الملك بن مروان فأمر برفع جدر المسجد، وسقفه بالساج.
ثم وسعه ابنه الوليد، وسقفه بالساج المزخرف، وأزره من داخله بالرخام، وجعل له شرفات.
وفي السنة السابعة والثلاثين بعد المئة وسع زياد بن عبد الله الحارثي المسجد بأمر من أبي جعفر المنصور، فزاده ضعف ما كان عليه، وكانت التوسعة من الجانبين الشمالي والغربي.
وفي السنة المائة والأربعين حج أبو جعفر المنصور، فرأى حجارة من حجر إسماعيل بادية، فأمر عامله زياد بن عبد الله بتغطيتها بالرخام ليلا، فنفذ أوامره.
وفي السنة الحادية والستين بعد المئة وسع المهدي بن المنصور المسجد من الجانب الجنوبي والجانب الغربي.
وفي السنة الإحدى والثمانين بعد المئتين أمر المعتضد العباسي بجعل ما بقي من دار الندوة موصولا بالمسجد الحرام، وفتح بين المسجد والدار اثني عشر بابا.
وفي سنة ست وثلاثمائة وصلت هذه الزيادة بالمسجد وصولا أكمل من الأول، حتى صار من بها يرى الكعبة كلها.
وفي سنة ست وسبعين وثلاثمائة أمر المقتدر بالله أن يبنى في الجهة الغربية من المسجد مسجد يوصل به، وتسمى هذه الزيادة زيادة باب إبراهيم.
واستمر السلاطين والأمراء يتنافسون في العناية بالكعبة والمسجد الحرام، وفي سنة تسعة وسبعين وتسعمائة أمر السلطان سليم ببناء المسجد الحرام، على أكمل درجات الإتقان، وأن يجدد السقف.
وفي عهد الملك سعود بن عبد العزيز تمت توسعة كبيرة للمسجد الحرام.
* * *
● ولقد تحدث كتاب الله الحكيم عن المسجد الحرام حديثا فيه من التكريم ما فيه، ونلمح منه بعض الأحكام المتعلقة به:
ففي سورة البقرة جاء قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (البقرة: ١٥٠).
وفي السورة نفسها جاء قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة:١٩١). وفي سورة التوبة: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: ٧)، وفي السورة نفسها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:٢٨).
وفي سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء:١).
وفي سورة الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الحج:٢٥).
وفي سورة الفتح: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (الفتح:٢٧).
ومن خصائص المسجد الحرام أن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في غيره بمئة ألف صلاة، وأن الله تبارك وتعالى يضاعف الثواب على الطاعات فيه، وأنه لا يدخله كافرا، وأنه لا يؤخذ فيه ثأر ولا يعتدي على إنسان، وأن حمامه لا يصاد.
● وتتعلق بالكعبة وبالمسجد الحرام فريضة دينية، وقاعدة من قواعد الإسلام الخمس، وهي قاعدة الحج الذي فرضه الله على عباده بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ( آل عمران:٩٧)، وعن هذه الفريضة يقول القرآن المجيد: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (الحج:٢٧-٢٩) .
ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا»، ويقول: «تعجلوا الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له».
ويقول: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». ويقول: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».
ويقول: «الحجاج والعمار وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم».
● والحج كان أمرا مشروعا قبل الإسلام، وأول من حج البيت الحرام هو إبراهيم عليه السلام، وقد يدل على ذلك قول القرآن: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (البقرة: ١٢٥).
ولقد حج مع إبراهيم جمع من المؤمنين شاركوه ترديد التلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. ولقد طاف إبراهيم حول الكعبة سبعة أشواط، وسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط، ثم اتجه إلى عرفات فوقف عليها ثم أفاض منها إلى المزدلفة، ثم إلى منى، وتمم مناسك ربه.
ومن هنا نستطيع أن نعرف الحج فنقول: إنه قصد بيت الله الحرام للطواف والسعي والوقوف بعرفة وأداء بقية المناسك، وهو فرض مرة واحدة في العمر، على المسلم البالغ العاقل الحر القادر، ذكرا كان أو أنثى، وقد فرض في السنة التاسعة من الهجرة، فكان تتمة لقواعد الإسلام التي ذكرها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في قوله «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا».
ويمكن تلخيص أعمال الحج فيما يلي:
النية مع الإحرام والتلبية، على أن يكون ذلك في أشهر الحج المعلومات وهي شوال وذو القعدة والعشر الأولى من ذي الحجة، ثم الطواف حول الكعبة طواف القدوم، وهو سبعة أشواط، ثم السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط، ثم الوقوف بعرفة يوم التاسع من شهر ذي الحجة، ثم الإفاضة من عرفات، ثم الوقوف بالمزدلفة، ثم الإقامة بمنى يوم النحر، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة والاستقرار بها يومين أو ثلاثة عقب ذلك ترمى فيها الجمرات، ثم طواف الإفاضة حول الكعبة، ويتم الحج بذلك.
* * *
● وللحج بصفة عامة أكثر من حكمة، فهناك تعود الطاعة لله واستجابة أمره وتنفيذ حكمه حتى ولو لم تستطع إدراك حكمته، ومن حكمة الحج تهيئة ذلك المؤتمر الإسلامي السنوي الأعظم، حيث يجتمع المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها، يؤكدون تعارفهم، ويتحاورون في أمورهم، ويقرون وحدتهم وائتلافه تحت لواء الإسلام.
ومن حكمة الحج رؤية الأماكن المقدسة والبقاع الكريمة التي نزل فيها الوحي، وأشرقت شمس الإسلام، وكانت موطنا للرسول صلى الله عليه وسلم وأهله وصحابته الأكرمين رضوان الله عليهم أجمعين.
ومن حكمة الحج الارتباط الروحي المباشر بمكة المكرمة، والكعبة المشرفة، والمسجد الحرام الذي يتجه إليه المسلم بأمر ربه كلما بدأ الصلاة لله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (البقرة:١٤٤).
ومن حكمة الحج تفوق روح المساواة والأخوة عمليا، فالحجاج كلهم في ثياب موحدة، هي ثياب الإحرام، ونشيدهم موحد، هو كلمات التلبية، ووجهتهم واحدة، هي ضيافة الرحمن.
ومن حكمة الحج تذوق متاعب الانتقال والسفر، للتعود على الاحتمال والنهوض بالتبعات.
هذه جوانب من حكمة الحج بصفة عامة.
● ولقد تحدث العلماء بعد هذا عن حكمة كل عمل من أعمال الحج، فقالوا في حكمة ذبح الأضاحي فقالوا- كما يذكر السيد رشيد رضا- إن طاعة الله تعالى وتقواه، وإظهار نعمته بتوسعة المسلمين على أنفسهم وعلى الفقراء والمساكين في أيام العيد التي هي أيام ضيافة الله للمؤمنين، وهي أيضا إحياء لسنة إبراهيم عليه السلام، وتذكر لنعمة الله عليه وعلى الناس بفداء ولده إسماعيل من الذبح الذي ابتلاه الله به، لتظهر قوة إيمانه بالله تعالى وإيثاره لرضاه، ونعمة الله بذلك على الناس كافة إنما هي من حيث أن إسماعيل هو جد محمد عليه الصلاة والسلام، الذي أرسله الله تعالى، خاتما لرسله، وهاديا للناس كافة، ولذلك قال القرآن عن هذه الذبائح: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (الحج: ٢٨)
وقال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الحج: ٣٦)
● وتحدث العلماء عن حكمة رمي الجمرات فقالوا إنه الانقياد والتعبد لله تعالى وحده، بما لا حظ للنفس فيه، اقتداء بسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقد جاء في السنة المطهرة أنه لما أتى إبراهيم عليه السلام المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له في الثالثة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض.
ومن هنا قال ابن عباس عن حكمة الرمي: «الشيطان ترجمون، وملة أبيكم تتبعون».
فالحكمة في رمي الجمار هي إظهار العبودية لله سبحانه، وامتثال أوامره، وإظهار الأسف على ما ارتكبه الإنسان من الخطايا، وإظهار التغيظ من الشيطان الذي يتمثله الحاج في موضع الجمرات.
ويقول السيد محمد رشيد رضا في ذلك: أقل ما يتبادر إلى الذهن من منشأ هذه العبادة أن هذه المواضع التي تسمى الجمرات كانت من معاهد إبراهيم وإسماعيل، فشرع لنا أن نقف عند كل واحدة منها نكبر الله سبع تكبيرات، نرمي عند كل تكبيرة حصاة صغيرة بين أصابعنا نعد بها التكبير، والعد بالحصى -ومثله النوى في مثل الحجاز- من الأمور المعهودة عند الذين يعيشون عيشة السذاجة، فتجمع بهذا الذكر على هذه الصورة بين إحياء سنة إبراهيم الذي أقام الدين الحق في هذه المعاهد، وبين التعبد لله تعالى بما لا حظ للنفس ولا محل للهوى فيه.
* * *
هذا ولقد روى ابن حبان في صحيحه حديثا رائعا يدل على الثواب العظيم الذي يتفضل به العلي الكبير على من حج البيت بصدق وإخلاص:
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد منى، فأتاه رجل من الأنصار، ورجل من ثقيف.
فسلما ثم قالا: یا رسول الله، جئنا نسألك.
فقال: إن شئتما أخبرتكما بما جئتما تسألاني عنه، فعلت، وإن شئتما أن أمسك وتسألاني فعلت.
فقالا: أخبرنا يا رسول الله فقال الثقفي للأنصاري: سل.
فقال: أخبرني يا رسول الله.
فقال: جئتني تسألني عن مخرجك من بيتك تؤم البيت الحرام، وما لك فيه، وعن ركعتين بعد الطواف، وما لك فيهما. وعن طوافك بين الصفا والمروة، وما لك فيه. وعن وقوفك عشية عرفة، وما لك فيه. وعن رميك الجمار، وما لك فيه. وعن نحرك، وما لك فيه. وعن طوافك بالبيت بعد ذلك، وما لك فيه.
فقال الرجل: والذي بعثك بالحق لعن هذا جئت أسألك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنك إذا خرجت من بيتك تؤم البيت الحرام، لا تضع ناقتك خفا ولا ترفعه إلا كتب الله لك به حسنة، ومحا عنك خطيئة، وأما ركعتان بعد الطواف فكعتق رقبة من بني إسماعيل، وأما طوافك بالصفا والمروة بعد ذلك فكعتق سبعين رقبة، وأما وقوفك عشية عرفة فإن الله تعالى يهبط إلى سماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة، يقول: عبادي جاءوني شعثا من كل فج عميق، يرجون جنتي فلو كانت ذنوبهم كعدد الرمل أو كقطر المطر، أو كزبد البحر، لغفرتها، أفيضوا عبادي مغفورا لكم، ولمن شفعتم له.
وأما رميك الجمار فلك بكل حصاة رميته تكفير كبيرة من الموبقات، وأما نحرك فمدخور لك عند ربك، وأما حلقك رأسك فلك بكل شعرة حلقتها حسنة، وتمحى عنك بها خطيئة، وأما طوافك بالبيت بعد ذلك فإنك تطوف ولا ذنب لك، يأتي ملك حتى يضع يديه بين كتفيك فيقول: اعمل فيما تستقبل، فقد غفر لك ما مضى.
* * *
● ومن صميم الخير هنا أن نستعرض الصورة التي حج عليها رسول الله عليه الصلاة والسلام سنة عشر، وهي الحجة التي يقال لها حجة الوداع، وإنما سميت حجة الوداع لأن الرسول ودع الناس فيها قائلا «لتأخذوا عني مناسككم، فإني لا أدري، لعلي لا أحج بعد حجتي هذه»..
خرج الرسول صلوات الله وسلامه عليه حاجا في السنة العاشرة للهجرة، ومعه خلق كثير، كل منهم يلتمس أن يأتم ويقتدي بالنبي، فلما بلغ المركب «ذا الحليفة» وهو موضع، ولدت أسماء بنت عميس ولدها محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى النبي تسأله: كيف أصنع؟ فأمرها أن تغتسل وتشد على وسطها حزاما، وتجعل خرقة عريضة على موضع الدم، وتشدها من أمام ومن خلف بهذا الحزام، ثم تحرم.
ثم صلى رسول الله في المسجد، ثم ركب ناقته «القصواء»، حتى إذا استوت به على البيداء، كان حول النبي عدد كبير من الناس، بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وشماله، وهو بين أظهرهم، ينزل القرآن، وهو يعلم تأويله، وما عمل به من شيء عمل الناس به.
وأهل الرسول بالتوحيد قائلا: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
وأهل الناس بما زاد على التلبية، كقول عمر: لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك مرهوبا منك ومرغوبا إليك. وقول ابن عمر: لبيك وسعديك والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل، وقول أنس: لبيك حقا، تعبدا ورقا..
فلم يرد صلى الله عليه وسلم عليهم شيئا، ولزم تلبيته.
وكان الذين معه لا ينوون إلا الحج، ولا يعرفون العمرة، حتى إذا أتى القوم البيت مع النبي، استلم الركن فأسرع المشي ثلاثا، ومشى أربعا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم عليه السلام، فقرأ قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (البقرة:١٢٥)، فجعل المقام بينه وبين الكعبة، وصلى ركعتين، قرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (الكافرون ١). وقرأ في الركعة الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الإخلاص ١)
ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب، إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (البقرة:١٥٨) ثم قال: نبدأ بما بدأ الله به، فرقي عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكره، ثم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك، وقال مثل هذا ثلاث مرات.
ثم نزل إلى المروة، فمشى حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي، سعى، حتى إذا صعدتا مشى، حتى أتى المروة، ففعل عليها مثل ما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة قال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت «أي لو علمت قبل ما علمته الآن من جواز العمرة في أشهر الحج إن لم يسق الهدي» لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة.
فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبي صلى الله عليه وسلم، ومن كان معه هدي.
وهنا قام سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله، لعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك الرسول أصابع يديه، وقال: دخلت العمرة في الحج هكذا «قالها مرتين» لا بل لأبد الأبد.
وجاء على بن أبي طالب من اليمن ومعه إبل الرسول للهدي، فوجد زوجته فاطمة قد حلت من إحرامها، ولبست ثيابا مصبوغة واكتحلت، فأنكر عليها ذلك، وذهب يشكوها إلى الرسول، ويخبره أنها قالت: إن أبي أمرني بهذا. فقال النبي لعلي: صدقت صدقت.
ثم سأله: ماذا قلت حين فرضت الحج «أي نويت أداءه»؟ فأجاب علي: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك. فقال النبي: فإن معي الهدي فلا تحل.
فلما كان يوم التروية -وهو الثامن من ذي الحجة- توجهوا إلى منى، وأهلوا بالحج، وركب النبي فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بخيمة تقام له في «نمرة» وسار حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له في «نمرة»، فنزل بها حتى زاغت الشمس، فركب ناقته «القصواء» وأتى «بطن الوادي» فخطب فيهم خطبته البليغة الواعظة، وفيها يقول:
«الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير. أما بعد، أيها الناس، اسمعوا مني أبين لكم، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا.
أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد. فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن ربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وإن مآثر الجاهلية موضوعة، غير السدانة والسقاية، والعمد قود «أي قصاص» وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر، وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية.
أيها الناس: إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك، مما تحقرون من أعمالكم. أيها الناس، إنما النسيء زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما، ليواطئوا عدة ما حرم الله، وإن الزمان قد استدار کھیئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم، ثلاث متواليات، وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.
أيها الناس: إن لنسائكم عليكم حقا، ولكم عليهن حق، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن «والعضل: الحبس والتضييق»، وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما النساء عندكم عوان «أسيرات» لا يملكن لأنفسهن شيئا، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرا ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.
أيها الناس إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.
فلا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده كتاب الله، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.
أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.
أيها الناس: إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، ولا يجوز لوارث وصية، ولا تجوز وصية في أكثر من الثلث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل «توبة ولا فدية». والسلام عليكم ورحمة الله.
وبعد هذه الخطبة الرائعة الجامعة النافعة، صلى النبي الظهر، ثم صلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب ناقته حتى أتى الموقف واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا، وأردف خلفه أسامة، وسار وهو يقول للناس: أيها الناس، السكينة السكينة، حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح، ثم ركب وأتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة، فحمد الله وكبره، وهلله ووحده ودعاه، ثم دفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف خلفه الفضل بن العباس، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر بيده ثلاثا وستين ناقة، ثم أمر عليا بنحر الباقي، وأشركه في هديه، ثم أمر بأخذ قطعة لحم من كل ناقة، فطبخها في قدر، وأكلا من لحمها وشربا من مرقها.
ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى الكعبة، فصلى بمكة الظهر، ثم أتى بني عبد المطلب، وهم يسقون زمزم، فقال: انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم. وناولته دلوا فشرب منه عليه الصلاة والسلام.
لئن طال الحديث إن النفوس لظامئة إلى مزيد من فيض هذه الحلقات الثلاث المشعة بالسنا والنور: مكة المكرمة.. المسجد الحرام.. الكعبة المشرفة، فحسبنا أن يكون هذا الحديث محاولة لتقريب البعيد، وإيجاز الواسع العميق، ولله المثل الأعلى، فقد قرب لأفهامنا القاصرة ما تطيق من حديث نوره الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (النور: ٣٥).
أحمد الشرباصي