العنوان الكيد الاستعماري والإيمان بالغيب.
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر السبت 27-يوليو-2013
مشاهدات 57
نشر في العدد 2063
نشر في الصفحة 53
السبت 27-يوليو-2013
كان المسلمون ومازالوا يتطلعون إلى اليوم الذي يتحررون فيه من الأثقال التي خلفتهم إلى الوراء ليشتركوا مع الآخرين في رحلة الحضارة والمدنية والعلم الحديث من هذا السبيل تسلل الهمس بل الكيد الاستعماري إلى صدور بعض من قادة الفكر ولقد كان مؤدى هذا الهمس أن الغرب لم يتحرر من أغلاله، إلا يوم أخضع الدين المقاييس العلم.. فالدين شيء والعلم شيء آخر، ولا يتم التوفيق بينهما إلا بإخضاع الأول للثاني، وإذا كان العالم الإسلامي حريصًا حقًا على مثل هذا التحرر فلا مناص في أن يسلك الطريق ذاته، وأن يفهم الإسلام هنا كما فهم الغرب النصرانية هناك، ولا يتحقق ذلك إلا بتخلص الفكر الإسلامي من سائر الغيبيات التي لا تفهم، ولا تخضع المقاييس العلم الحديث وسرعان ما خضع لهذا الهمس أولئك الذين البهرت أبصارهم بمظاهر الحياة الأوروبية الحديثة ممن لم تترسخ حقائق الإيمان بالله في قلوبهم ولا تجلت حقائق العلم الحديث وضوابطه في عقولهم، فتنادوا فيما بينهم إلى التحرر من كل عقيدة غيبية لم تصل إليها اكتشافات العلم الحديث، ولم تدخل تحت سلطان التجربة والمشاهدة الإنسانية فكان أن قاموا بما عرف باسم الإصلاح الديني، واقتضى منهم ذلك أمورًا عديدة.
منها تطوير كتابة السيرة وفهمها، واعتماد منهج جديد في تحليلها يتفق وما استهدفود من الإعراض عن كل ما يدخل في نطاق الغيبيات والخوارق التي لا يقف العلم الحديث منها موقف فهم أو قول ولقد كان لهم في الطريقة الذاتية في كتابة التاريخ خير ملجأ يعينهم على تحقيق ما قصدوا إليه، وبدأت تظهر كتب في السيرة النبوية تستبدل بميزان الرواية والسند وقواعد التحديث وشروطه، طريقة الاستنتاج الشخصي وميزان الرضا النفسي، ومنهج التوسم الذي لا يضبطه شيء إلا دوافع الرغبة، وكوامن الأغراض والمذاهب التي يضمرها المؤلف.
وإذا كانت هذه المدرسة الجديدة في كتابة السيرة قد استبدلت بقواعد التحديث رواية ودراية منهجًا يتفق وما استهدف من الأعراض عن كل ما يدخل في نطاق الغيبيات، فإن هذا يتعارض مع السمة الأولى من سمات المتقين ﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ﴿٣﴾ وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ﴿٤﴾ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ﴿٥﴾﴾(البقرة).
وهذه السمة هي الوحدة الشعورية الإيجابية الفعالة الوحيدة التي تجمع في نفوسهم بين الإيمان بالغيب، والقيام بالفرائض والإيمان بالرسل كافة، واليقين بعد ذلك بالآخرة... هذا التكامل الذي تمتاز به العقيدة الإسلامية وتمتاز به النفس المؤمنة بهذه العقيدة، والجدير بأن تكون عليه العقيدة الأخيرة التي جاءت ليلتقي عليها الناس جميعًا، ولتهيمن على البشر جميعًا، وليعيش الناس في ظلها بمشاعرهم وبمنهج حياتهم حياة شاملة للشعور والعمل والإيمان والنظام.
ومن ثم لا تقوم حواجز الحس دون الاتصال بين أرواحهم والقوى الكبرى التي صدرت عنها وصدر عنها الوجود ولا تقوم تلك الحواجز بين أرواحهم وسائر ما وراء الحسن من حقائق وقوى وطاقات وخلائق وموجودات والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها الإنسان فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير المحدود الذي تدركه الحواس، أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس، وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان الحقيقة الوجود كله والحقيقة وجوده الذاتي، والحقيقة القوى المنطاقة في كيان هذا الوجود، وفي إحساسه بالكون وما وراء الكون من قدرة وتدبير، كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض، فليس من يعيش في الحيز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركة بديهته وبصيرته، ويتلقى أصداءه وإيحاءاته في أطواته وأعماقه، ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان من كل ما يدركه وعيه في عمره القصير المحدود، وأن وراء الكون ظاهرة وخافيه حقيقة أكبر من الكون هي التي صدر عنها، واستمد من وجودها وجوده. تلك التي لا تدركها الأبصار، ولا تحيط بها العقول.
وعندئذ تصان الطاقة الفكرية المحدودة المجال عن التبدد والتعرق والانشغال بما لم تخلق له، وما لم توهب القدرة للإحاطة به، وما لا يجدي شيئًا أن تنفق فيه.
إن الطاقة الفكرية التي وهبها الإنسان وهبها ليقوم بالخلافة في هذه الأرض، فهي موكلة بهذه الحياة الواقعة القريبة تنظر فيها، وتتعمقها وتتقصاها، وتعمل وتنتج. وتنمي هذه الحياة وتجملها، على أن يكون لها سند من تلك الطاقة الروحية التي تتصل مباشرة بالوجود كله وخالق الوجود وعلى أن تدع لما لا يدرك حصته في الغيب الذي لا تحيط به العقول فأما محاولة إدراك ما وراء الواقع بالعقل المحدود الطاقة بحدود هذه الأرض والحياة عليها، دون سند من الروح الملهم، والبصيرة المفتوحة، وترك حصة للغيب لا تدركها العقول فأما هذه المحاولة فهي محاولة فاشلة أولًا ومحاولة عابثة أخيرًا، فاشلة لأنها تستخدم أداة لم تخلق لرصد هذا المجال، وعابثة لأنها تبدد طاقة العقل التي لم تخلق لمثل هذا المجال.
ومتى سلم العقل البشري بالبدهية الأولى، وهي أن المحدود لا يدرك المطلق لزمه احترامًا لمنطقه الذاتي - أن يسلم بأن إدراكه للمطلق مستحيل، وأن عليه أن يكل الغيب إلى طاقة أخرى غير طاقة العقل، وأن يتلقى العلم في شأنه من العليم الخبير الذي يحيط بالظاهر والباطن، والغيب والشهادة وهذا الاحترام لمنطق العقل في هذا الشأن هو الذي يتحلى به المؤمنون، وهي الصفة الأولى من صفات المتقين .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل