; اللسان العربي.. لسان فريد | مجلة المجتمع

العنوان اللسان العربي.. لسان فريد

الكاتب عبدالوارث سعيد

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مارس-1993

مشاهدات 74

نشر في العدد 1042

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 16-مارس-1993

العزيز من أعزه الله، والمكرم من كرمه الله، هذه حقيقة لا يماري فيها أحد، ومن بين لغات الأرض التي تعد بالآلاف، اصطفى الله العليم الحكيم اللسان العربي ليكون وعاء يحمل وحيه -تعالى- ورسالته الأخيرة الجامعة إلى الناس أجمعين. وكانت هناك لغات عديدة في الأرض ذات تاريخ طويل في التعبير عن مخرجات الحضارة كاليونانية، واللاتينية، والفارسية، والسنسكريتية، والسيريانية، والمصرية القديمة وغيرها.

صحيح أن العربية هي إحدى لغات البشر إلا أن سموها وكمالها بحيث تحظى بهذا الاصطفاء الرباني والشرف الفريد، لم يكن أمرًا طبيعيًا في سائر اللغات، وقد حير الباحثين قديمًا وحديثًا عربًا وغير عرب أمر نشأة هذا اللسان العربي، وسمو خصائصه، فاللغوي العربي الفذ ابن جني (ت ۳۹۲ هـ) بعد أن يذكر أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح لا وحي وتوقيف- يعود مترددًا ليقول:

إنني إذا تأملت حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة وجدت فيها من الحكمة والدقة والإرهاف والرقة ما يملك عليَّ جانب الفكر، فقوي في نفسي اعتقاد كونها توقيفًا من الله -سبحانه- وأنها وحي.

وإذا كان اللغويون المحدثون من العرب وغيرهم يرون أن العربية هي أقرب أخواتها إلى اللغة السامية الأولى، وأكثرها احتفاظًا بخصائص السامية الأم، ومادامت كذلك فلا يمكن إلا أن تكون أقدمها جميعًا(1). ولكن الذي حير ابن جني وغيره إلى اليوم هو: كيف أَتَى لهذه اللغة أن تحافظ على خصائصها الموروثة، وفي الوقت نفسه تزداد صفاء وسعة، وتتعاظم طاقاتها التعبيرية، مع أن العهد في اللغات أن يُبْعِدَهَا عن أصلها طول عمرها، وأن تتفرع –عبر القرون– إلى لهجات لا يزيدها الزمن إلا تباينًا، خاصة إذا كان المتكلمون بها لا يعيشون في مكان واحد، كما كان حال العرب في جزيرتهم، وإلا فأين هي السامية الأولى؟ وأين السنسكريتية، واللاتينية؟

وهذا الوضع النادر للعربية بين لغات البشر جعل المستشرق الفرنسي أرنست رينان يرى- رغم تعصبه الشديد ضد الإسلام وحضارته- أن اللغة العربية بدت فجأة على غاية الكمال سلسة أي سلاسة، غنية أي غنى، بحيث لم يدخل عليها منذ يومها هذا أي تعديل مهم، فليس لها طفولة ولا شيخوخة، ومن أغرب المدهشات أن تنبت تلك اللغة القومية، وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحاري عند أمة من الرحل(2).

ولا شك أن الغرابة التي استشعرها هذا المستشرق تتجلى حين نفهم ما يحدث على أرض الواقع في إطار قدر الله وسننه الحاكمة، فاختيار الجزيرة العربية مركز الأرض لتكون موقعًا لبيت الله أول بيت وضع للناس، وجمع العرب حول دين إبراهيم، وربطهم بالبيت الحرام وحجه كل عام، وإقامة أسواق الأدب واللغة في مواسم الحج، وتحبيب الشعر والبيان إليهم ليست مع غيرها من العوامل التي نعلم منها ونجهل- سوى مؤشرات على سنن الله لتصبح هذه اللغة في الوقت الذي قدره الله على هذا المستوى المعجب لينزل بها وحي الله، وتصبح بفضله محفوظة، وأهلًا لأن تكون لغة أمة عالمية لا ترتبط بحدود المكان أو الزمان، وقد صارت كذلك بالفعل قرونًا، وسوف تعود إلى وضعها العالمي -إن شاء الله- بعد أن تتعافى أمة الإسلام من أوصابها.

الهوامش

(1) محمد جابر الفياض، أهمية اللغة في الحياة الإنسانية في اللغة العربية والوعي القومي، ندوة بإشراف مركز دراسات الوحدة العربية، ١٩٨٤- بيروت ص ۲۸۷.

(2) أنور الجندي، الفصحى لغة القرآن (د. ت) ص ۳۰۷.

واقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :