; اللسان في ميزان الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان اللسان في ميزان الإسلام

الكاتب أحمد إسماعيل عبدالكريم

تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2007

مشاهدات 193

نشر في العدد 1754

نشر في الصفحة 54

السبت 02-يونيو-2007

﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (ق: 18)

المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.

وضع الإسلام الأسس القويمة والمبادئ الراسخة التي يستقيم بها حال المسلمين في دينهم ودنياهم، ووضع لهم القواعد التي تنظم حياتهم وتصون العلاقات الإنسانية من الضعف أو الانحطاط، ومن هذه الأسس توجيه المسلمين لأهمية الجوارح ومعرفة كنهها، وتوضيح دور الجوارح في تنبيه الإنسان ليوم تشهد عليه فيه إذا استخدمها فيما يغضب الله عز وجل، وعندئذ يقف معاتباً إياها فيقول كما أخبرنا الله سبحانه: ﴿لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا (فصلت: 21)، وعندها تقول الجوارح ردًا عليه، ﴿أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ.

وقد أعطى الله عز وجل الإنسان الوسائل التي يتحكم بها في جوارحه، وبين كل ذلك باعتبارها سلاحًا ذا حدين، فإذا كانت الجوارح لها دور مهم في حياة الإنسان، فهي أيضًا مصدر شقاء وتعاسة لصاحبها إذا أطلق لها العنان لما تجلبه من الآثام والمكاره والشرور إذا سيطرت عليه وتحكمت فيه.

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (الإسراء: 36)، بين سبحانه وتعالى في هذه الآية أن كل جوارح الإنسان مسؤولة مسؤولية تامة عما تفعل.

وقال تعالى أيضًا: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (ق: 18).

فهذه الآية تجعل من الإنسان رقيبًا على نفسه يحسب عليها حركاتها وسكناتها ويحفظها من مغبة الوقوع في الهلاك، ولنا أن نتدبر جيدًا قصة المرأة التي حفظت لسانها على ألا تتكلم بكلمة من نسيج لسانها، فلم تتكلم إلا بما جاء به القرآن الكريم حتى لا تقع رهينة لسانها، وقد ردت سبب انتهاجها هذا الطريق في الحياة إلى قوله تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (ق: 18).

فهذه الآية رسمت طريقة حياة هذه المرأة وخططت لها منهجها في الحياة، فلم تنطق إلا بالقرآن ولم تشأ أن تطلق لسانها، وكانت إجاباتها على قدر سؤال السائل، وهكذا تجعل هذه الآية للإنسان من نفسه ميزانًا يزن به المنطق ولا يلفظ بالكلمة إلا بعد أن يعرف ما يعقبها، وما يترتب عليها، فينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الآثام، وقد ذكر رسولنا الكريم ﷺ أن السكوت عن فضول الكلام واجتناب ساقط القول وإمساك اللسان إلا من كلمة حق أو فعل خير هو من علامات الإيمان بالله عز وجل واليوم الآخر، فيما ذكره أبو هريرة رضي الله تعالى عن رسول الله ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» «متفق عليه».

وقد ضرب رسولنا الكريم ﷺ ببلاغته النبوية مثلًا أعلى في تعريف جامع مانع لشخصية المسلم من الناحية الاجتماعية والسلوكية، وقد كان لهذه الناحية دور بارز في نشر الدعوة الإسلامية.

فلم يكن بذيئًا ولا سبابًا ولا لعانًا ولا فاحشًا، بل كان حكيمًا في دعوته، يحسن معاملة عدوه فكان منهجه ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (النحل: 125).

وقد وضع تعريفًا للشخصية الإسلامية فقال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» «متفق عليه»، وفي حديث آخر: «من سلم الناس»، وذلك لمن سأله: أي المسلمين أفضل؟ وكأن اليد واللسان يشتركان في فعل موحد وهو الإيذاء، والحقيقة أن إيذاء اليد قد يكون أقل تأثيرًا من إيذاء اللسان. فجراح الأيدي تلتئم لا محالة، أما جراح الألسنة فقد تبقى ولا يزول أثرها بمرور الأيام بل الأعوام.

ولقد حثنا رسولنا الكريم ﷺ على إحكام ألسنتنا وحفظها من آفة الثرثرة والدخول في سفاسف الأمور، فقال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب» «متفق عليه»، وبين أن النجاة في الدنيا في صون اللسان، حيث جاء عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ما النجاة؟ قال: «أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك» «رواه الترمذي». وقد كان الرسول ﷺ مثالًا يحتذى، فيجب على المسلم أن يكون المصطفى ﷺ مثله الأعلى في الأخلاق والسلوك لقول الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (الأحزاب: 21).

الصمت يورث الحكمة

الصمت وكبح جماح هوى النفس والصبر يعد من الحكمة، وقد ذكر أن لقمان الحكيم قد أنعم الله سبحانه عليه بالحكمة لالتزامه الصمت، إذ قال عمر بن قيس: إن لقمان كان عبدًا أسود غليظ الشفتين مصفح القدمين، فأتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم، فقال له: ألست الذي كنت ترعى الغنم في مكان كذا وكذا؟ قال: نعم، قال فما بلغ بك ما أرى؟

قال: «صدق الحديث والصمت عما لا يعنيني». وفي رواية أخرى قال: «قدر الله وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وترك ما لا يعنيني».

فلنتأمل جيدًا حكمة لقمان التي اكتسبها جراء اتخاذه الصمت ناموسًا في الحياة، وكيف ارتقى به الصمت إلى هذه المنزلة، فكان مضرب المثل في الحكمة.

وقد قال وهب بن الورد: بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت والعاشر في عزلة الناس.

وقد قيل: «من كثر كلامه كثر سقطه وقل ورعه»، وذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه بعض الناس ناعتًا إياهم بالسفاهة:

﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ (البقرة: 142).

فلولا تدخلهم فيما لا يعنيهم لما استحقوا أن يوصموا بالسفاهة ولا نعتوا بالسفه البتة.

وقد جاد الحكماء والسلف بالكثير في باب فضائل الصمت والحكمة التي تعود على من يلتزم الصمت في حياته، وما يزينه من صفات الهيبة والجلال والوقار وتاج الكرامة، وقد قيل لرجل بم سادكم الأحنف؟ فو الله ما كان بأكبركم سنًا ولا بأكثركم مالًا، فقال: بقوة سلطانه على لسانه.

ومن كلام الحكماء في ضرورة التدبر واحترام وقت المسلم وعدم الثرثرة بما لا طائل تحته قولهم: «من نطق في غير خير فقد لغا ومن نظر في غير اعتبار فقد سها، ومن سكت في غير فكر فقد لها» وقيل: «لو قرأت صحيفتك لأغمدت صفيحتك ولو رأيت ما في ميزانك لختمت على لسانك» ولما خرج يونس عليه السلام من بطن الحوت طال صمته فقيل له: ألا تتكلم؟! فقال: «الكلام صيرني في بطن الحوت».

ومن وصايا الإمام الشافعي رضي الله عنه لصاحبه الربيع في حفظ لسانه وعدم الثرثرة والتحدث فيما لا يعنيه، ليصون حريته ويملك زمام أموره، ولا يصير عبدًا للسانه، يقول: «يا ربيع لا تتكلم فيما لا يعنيك. فإنك إذا تكلمت بالكلمة ملكتك ولم تملكها»، وقال بعضهم: «مثل اللسان مثل السبع إن لم توثقه عدا عليك ولحقك شره»، ومما أنشدوه في هذا الباب:

احفظ لسانك أيها الإنسان

  لا يلدغنك إنه ثعبان

كم في المقابر من قتيل لسانه

  كانت تهاب لقاءه الشجعان

وقد عد الإمام علي كرم الله وجهه نقص الكلام أو الصمت من تمام العقل إذ يقول: «إذا تم العقل نقص الكلام».

وحظي الصمت بنصيب وافر من ديوان العرب، حيث تبارى الشعراء يوجهون العامة لصون الألسنة وعدم الثرثرة فيما لا طائل تحته، ولا ضرورة له.

الصين: نسخة نادرة للمصحف بخط اليد عمرها ألف عام

في محافظة شيونهوا بمقاطعة تشينغهاي الصينية توجد نسخة نادرة بخط اليد من القرآن الكريم، عمرها أكثر من ألف سنة.

وتحفظ النسخة في خزانة موضوعة في غرفة لها ثلاثة أبواب متعاقبة، لكل باب قفل ثقيل، وتوجد مفاتيحها الثلاثة في أيدي ثلاثة أشخاص مختلفين، وهو ما يعني ضرورة اجتماع الثلاثة عند فتح الغرفة.

المفتاح الأول يحمله الشيخ ماهان الذي يسكن في غرفة بين الباب الأول والباب الثاني وهو يؤدي هذه المهمة منذ خمس سنوات لم يغادر هذه الغرفة خلالها يومًا واحدًا والمفتاحان الآخران يحملهما السيد ما، مدير دار المحفوظات لمحافظة شيونهوا والشيخ يانغ إمام مسجد جيهتسي الكبير.

في يوم عرض نسخة المصحف، يجتمع ماهان والمدير ما والإمام يانغ في مسجد جيهتسي الكبير، ولا يسمح بأن يلمس هذه النسخة إلا قليل من المتخصصين، ويتولى فتحها دائمًا الشيخ ماهان.

ولا تزال الحروف بهذه النسخة واضحة وهي خالية من التنقيط والتشكيل، مثلما كانت الكتابة في صدر الإسلام، ورصدت مصلحة الآثار الصينية مخصصات مالية لبناء متحف في الجهة المقابلة لمسجد جيهتسي الكبير لحفظها.

وحفاظًا على هذا الكنز الثمين لا يسمح بعرضها إلا في مناسبات نادرة.

ونشرت جريدة رنمين «الشعب» اليومية مقالًا عام ۲۰۰۳م يؤكد أن هذه النسخة هي نسخة المصحف الحقيقية المخطوطة باليد ويعود تاريخها إلى أكثر من ألف سنة، وأنها الأولى من نوعها في الصين ومن بين ثلاث نسخ مخطوطة نادرة في العالم، أما النسختان الأخريان ففي مصر وباكستان.

يذكر أن محافظة شيونهوا تتمتع بالحكم الذاتي لقومية سالار المسلمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 249

104

الثلاثاء 13-مايو-1975

متى يجب الصمت؟ ومتى لا يجب؟

نشر في العدد 1134

74

الثلاثاء 17-يناير-1995

استراحة المجتمع

نشر في العدد 1327

70

الثلاثاء 24-نوفمبر-1998

استراحة المجتمع (العدد 1327)