العنوان اللعبة في حساب اليهود: «احتلال مصر كلها» مقابل الانسحاب من سيناء!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-ديسمبر-1977
مشاهدات 80
نشر في العدد 379
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 20-ديسمبر-1977
من أجل التأثير على الناس. اصطنعوا شعارًا يستغلون به «العاطفة» الإنسانية. في عملية التبرير الكبرى لحركة «السقوط التاريخي».
شعار: مصالحة العدو والانفتاح عليه في سبيل مستقبل أطفال مصر.
وهو شعار مناقض للحقيقة مؤذٍ لمستقبل أطفال مصر تمامًا.
إن اليهود قوم لا ينسون التاريخ. بل إنهم ليذكرون التاريخ في كل سياسة من سياساتهم. وفي كل تصرف من تصرفاتهم.
فاحتلالهم لفلسطين تم بناء على مزاعم تاريخية.
وحتى الهدايا التي قدموها لحلفائهم الجدد. كانت مشبعة بتصوراتهم التاريخية.
ومن هنا. فإنهم وجدوا في الانفتاح الغبي عليهم فرصة نادرة «للانتقام التاريخي» من أطفال مصر... انتقام تاريخي؟؟
نعم: انتقام تاريخي. فاليهود يصنفون الأمم على أساس «مواقفها التاريخية» منهم، وفي هذا الصدد يعتبرون «المصريين» أعداء لهم.
ما السبب؟
يقولون: إن الفراعين اضطهدوا بني إسرائيل، وساموهم سوء العذاب. يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم.
وبهذا المنطق يريدون القصاص من المصريين. وتصفية حساب تاريخي معهم.
إذن فموادتهم والانفتاح عليهم. ليس تأمينًا لمستقبل أطفال مصر، وإنما هو- تمكين- لهم من هؤلاء الأطفال يفعلون بهم ما يشاؤون. ويقتصون منهم كما يريدون. ويعاقبونهم على أعمال هم منها براء ولكن. لا يدرك هذه الحقائق الأليمة أولئك الذين يفرحون بعلب الحلوى. وأدوات التجميل. والتلميع الإعلامي.
وهنا قد يجيء سؤال:
وكيف تفسير تصريحات اليهود التي تقول: إن هناك تمازجًا بين الحضارتين: اليهودية والفرعونية وإن هناك تعاونًا تاريخيًّا بين الطرفين في صد هجمات الأعداء المشتركين؟
تفسير ذلك.
- أولًا: اليهود يريدون «التمكن» في هذه المرحلة. وليس من السياسة أن يظهروا الآن ما ينوون عمله في المستقبل.
- ثانيًا: يريدون- في هذه المرحلة أيضًا- تدعيم النزعة الإقليمية. وعزل مصر عن عروبتها وإسلامها حتى إذا تم العزل- في زمن: يطول أو يقصر- بدأت مرحلة الانتقام.
وليس من الضروري أن يكون الانتقام بنفس «الوسيلة»: تذبيح الأبناء واستحياء النساء. فلدى اليهود من الوسائل ما يحققون به أهدافهم في شكل جديد.
إنهم سيعملون على إذلال «أطفال» مصر بوسائل شتى:
- بتشغيلهم في مصانع ودكاكين المرابين اليهود.
- بجعلهم «درجة ثانية» في بلدهم (خاصة وأن زعماء) العرب قدموا لليهود شهادة «رسمية» بالتفوق المطلق لعبقرية اليهود.
باحتلال أفكارهم وأرواحهم بالفكر الصهيوني خاصة وأن الفكر الصهيوني قد بدأ فعلًا غزو مكتبات مصر وإذا استمر الوضع على هذه الحال فإن الغزو ينتقل إلى مناهج التربية ووسائل الإعلام»
في سبيل تحقيق هذه الأهداف الاستراتيجية. قد انسحب اليهود من سيناء. فتنظم- من ثم- الاحتفالات. وتقام الأعراس. وتدوخ الأمة في دوي إعلامي طاغ يزين لها الهزيمة انتصارًا.
وفي الحقيقة أن اليهود- إذا انسحبوا من سيناء يكونون قد ظفروا بمكاسب أكبر. وأوسع وأخطر. وهذه المكاسب تتمثل في «احتلال مصر كلها» عسكريًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا.
وهذه- في تقديرنا- هي الحسبة التي انكب اليهود على ترتيب أرقامها وخرجوا منها بالنتيجة التالية:
انسحاب من سيناء مقابل «احتلال مصر كلها».
وقد يجادل في ذلك نفر من الناس، بيد أن هؤلاء... ثلاثة:
خائن يعرف الحقيقة. ولكن يجادل فيها ليًّا بلسانه إمعانًا في ستر الخيانة.
عسير الفهم. لا يدرك الأمور إلا بعد فوات الأوان لا يستوعب الحقائق إلا بعد أن تكون تاريخًا
مستنير. ناقص الاستنارة، بمعنى أنه يفهم الأحداث. لكن في أجزائها وتفرقها.
ومرد ذلك إلى: فقدان الرؤية السياسية الشاملة وفقدان الحس التاريخي المتكامل. فمثل هذه التطورات عميقة الجذور لا تفهم إلا في إطار سياسي شامل يرتبط بالماضي والحاضر والمستقبل. أي بالتاريخ أمسه ويومه وغده. وهناك أمر آخر يحجب عن ناقص الاستنارة- رؤية الأمر رؤية سليمة وهو: وهذا النوع من الناس يتناول الموضوعات الكبيرة العميقة بطريقة التسلية والعفوية، على عشاء أو غداء جمع نفرًا من الناس رأوا أنه من المناسب طرق الأمور العامة.. أو يتناول الموضوعات الكبيرة في سياق الدفاع عن رئيس أو الهجوم عليه. والمقارنة بين هذا وذاك.
بينما يقضي نقاش هذه القضايا الحية باهتمام عال إلى درجة الاحتراق. وبسعة عقلية مزودة بالرؤية الشاملة الواضحة، وبجد حقيقي. لا مكان فيه لتسلية اللاهين واللاغين.
مقدمات السيطرة والاحتلال
وهؤلاء الثلاثة؛ هل يمثلون الأمة كلها؟ لا.. طبعًا فهناك الذين يدركون الخطر. متمثلًا في إخضاع أطفال مصر لأطفال اليهود. وفي احتلال مصر كلها.
فلقد بدأت مقدمات السيطرة والاحتلال والإخضاع:
- من مقدمات السيطرة والإخضاع: إن اليهود أملوا شروطهم وفرضوا نفوذهم.
تواصی زعماء الصهيونية بهذه الشروط: إنهاء حالة الحرب- إنهاء حالة العداء- السيادة اليهودية على القدس- الاعتراف بالكيان الصهيوني الانفتاح السياسي والاقتصادي والسياحي على العرب.. فأنهى أبطال «السقوط التاريخي» حالة الحرب. وأنهوا حالة العداء «سقوط الحاجز النفسي.» ومنحوا اليهود شرعية احتلالهم لفلسطين. وأقروا بالسيادة اليهودية على القدس. وقاموا بأوسع عملية انفتاح سياسي وسياحي على العدو، وهذه العملية مؤشر إلى الانفتاح الاقتصادي والاجتماعي وبذلك يكون اليهود قد أملوا شروطهم. تمامًا ومن المعروف أن «الإملاء» لا يتم إلا في جو السيطرة والإخضاع.
- ومن مقدمات السيطرة والاحتلال: هذا الإعجاب المذهل باليهود. والمحبة العميقة لهم. فالإعجاب مقدمة للإكبار، والإكبار مقدمة للمحاكاة والتقليد.
ولقد علل ابن خلدون «ظاهرة» السيطرة في التاريخ بأن فريقًا من الناس يحاكي فريقًا آخر ويقلده
مرة أخرى العلماء والمثقفون
لئن غفل الفرد العامي عن هذه الأخطار القاتلة فما هي حجة العلماء والمثقفين؟
إن سكوتهم جريمة. إذ إن هذا السكوت يعني أو يفسر على أنه رضا. أو أنه جبن.
وفي الحالين يحس أبطال «السقوط التاريخي» بأنهم لم يفعلوا شيئًا يستحق الغضب والاحتجاج وتحت هذا الإحساس يمضون في اقتراف المزيد من الخطايا الساحقة ويبدو أن الناس لا يتوبون. ولا يعتبرون بالكوارث التاريخية التي نجمت عن قرارات استبدادية فردية.
والعجيب أنهم بعد موت أصحاب القرارات القاتلة مثل قرار يونيو ٦٧ الذي أضاع سيناء والجولان والضفة والقدس- طفقوا ينددون بالاستبداد في اتخاذ القرار وذلك في نفس الوقت الذي يصمتون فيه إزاء قرارات قاتلة اتخذها رئيس لم يمت. وكأنهم لا يفتحون أفواههم بكلمة إلا بعد أن يتأكدوا جيدًا من موت الرؤساء...
ولن ينفعهم أن يصيحوا- بعد عشر أو عشرين سنة- قائلين: لقد كان ذلك القرار قاتلًا ومدمرًا.
فالندم لا يغير التاريخ. ولا يزيل الكارثة. ومن هنا أمر الإسلام بالصدع بالحق. وحرم السكوت والمداهنة.
وإذا كان السكوت جريمة. فإن ممالاة الساقطين تاريخيًّا جريمة مركبة. وخيانة مضاعفة.
لقد مشى علماء السوء في موكب الضاربين على دف السقوط التاريخي. وآثروا الزلفي إلى الحاكم على التقرب إلى الله- سبحانه.
وإنه لعهد نقطعه على أنفسنا بأننا لن نحترم لهم كلمة. ولن نسمع منهم قولًا حتى يحدثوا توبة والتوبة هنا أن يكفوا عن تسخير دين الله لأهواء الحكام. وأن يصدعوا بالحق. وألا يلبسوا الحق بالباطل وهم يعلمون: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد:30) ومن هؤلاء من يتحرى خطى السلطان حتى لو دخل جحر ضب لدخلوه معه.
ففي نزق الإعجاب السياسي باليهود. راحوا يقلدون أحبار اليهود في تحريف الكلم عن مواضعه.
مثلًا؛ عالم بارز جدًّا سأله رئيس دولة كبرى: ما رأيك في السلام. وفي الزيارة إياها؟
فأجاب العالم: أمتنا أمة سلام. وديننا دين سلام ورسولنا يقول: وخيرهما الذي يبدأ بالسلام؟.
أي استغلال للدين. هذا؟
أي تحريف للكلم عن مواضعه؟
أي تمزيق. وأي تشويه لنصوص الإسلام.
إن عبارة «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»، وهى خاتمة حديث نبوي شريف- رواه مسلم- هذا نصه. قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان. فيعرض هذا. ويعرض هذا. وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»
ويقينًا. لا يدخل الإرهابي اليهودي بيغن في دلالة الحديث. لأنه ليس مسلمًا. ولأن هجره حلال بل واجب؛ فما هذا التلاعب بأقوال الرسول- صلى الله عليه وسلم؟.
إن هذا النوع من العلماء- يعمل على نشر الشيوعية ويقوي- بتفكيره هذا- حججها وجدلها.
فمن مقولات الشيوعيين: إن الدين سلاح في يد الحكام يستغلونه لتنفيذ سياساتهم، بواسطة علماء الدين السائرين في ركابهم.
ومن مقولاتهم: إن الدين مخدر الشعوب. يخدر إرادتها عن الكفاح والمقاومة.
ولقد فتح هؤلاء العلماء باب الشبهات مجددًا، وقدموا للشيوعية مادة حية للتشهير بالدين.
ولذلك لا نبرح نندد بهذا النوع من العلماء انتصارًا للإسلام. وغيرة على تعاليمه. وتمييزًا لنصوصه عن أفكار مستغليه. ومستغلي مستغليه.
﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة:79)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل