; (من الحياة) الله الله في أولادكم | مجلة المجتمع

العنوان (من الحياة) الله الله في أولادكم

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 14-مايو-2011

مشاهدات 87

نشر في العدد 1952

نشر في الصفحة 48

السبت 14-مايو-2011

للأسرة دور كبير في تربية الأولاد إذ ينشأ فيها الطفل ويستقي منها مهارات الحياة والقيم الأخلاقية فهي الوسيط الأول والمؤثر الأقوى في بناء الإنسان وترقيته، وفيها تتشكل ملامح شخصيته الأولى ويؤسس بنيانها، وتبقى لهذه الملامح ولذلك الأساس التأثير

الأقوى في شخصية الإنسان وحياته، فإن كانت الأسرة صالحة متمكنة من أساليب التربية وفنونها استطاعت أن تقدم للمجتمع أفراداً يكوذون اللبنات القوية التي تبنى بها المجتمعات ومن هنا وجب على الوالدين الاهتمام بتربية الأبناء والعناية بهم.

من أعظم مسؤوليات المسلم - بعد اختيار زوجته - تربية الأولاد التربية الصالحة.. فهذا  ميدان ابتلاء وامتحان 

 إن الذرية نعمة، لذا حثنا الشرع على الاهتمام بأولادنا، فانتدبنا الله عز وجل إلى أن نأخذ بحجز أهلينا عن النار، فقال سبحانه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وقودُهَا النَّاسُ وَالحَجَارَة عَلَيْهَا مَلائكة غلاظ شدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (التحريم). كما بلغنا رسولنا الكريم هذا النبأ العظيم فقال: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته . رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وأحمد )

ومن هنا كانت تربية الأولاد أمانة في عنق الآباء والأمهات وهذا يعني أنهما محاسبان على أدنى تهاون أو تقصير في هذا الشأن. روى الترمذي وأحمد وغيرهما بإسناد صحيح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب فقال لها أتغطين زكاة هذا ؟ قالت: لا. قال: «أيَسُرُّك أن يُسوِّرك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار .. قال: فخلعتهما ، فألقتهما إلى النبي وقالت: هما لله عز وجل ولرسوله. والشاهد هنا هو أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن العقوبة على الأم وليست على البنت، ولعل هذا لإقرار الأم لبنتها على ما فعلت أو تسببها فيه. وأول ما يجب على الرجل لبناء هذه اللبنة اختيار الزوجة ذات الدين والخلق يقول الشاعر:

ترجي النساء لأربع في ذاتها*** فيها المناقب والمثالب والبلا

في الدين أولها تليه نضارة *** في الوجه أو مال وأصل في الملا

فإذا ابتغيت من الأنام حليلة *** فاظفر بذات الدين شرطاً أولا

تربية أولادنا ابتلاء لنا إن من أعظم مسؤوليات المسلم. بعد اختيار زوجته . تربية الأولاد التربية الصالحة، فهذا میدان ابتلاء وامتحان للعباد لا ينجح فيه إلا من وفقه الله تعالى وأراد به خيرا. يقول سبحانه: ﴿ إِنما أَمْوَالَكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فتنة والله عندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ (التغابن)؛ أي سبب امتحان آبائهم واختبارهم.

وفي حديث أم المؤمنين رضي الله عنها يقول النبي من ابتلي من هذه البنات بشيء، فأحسن إليهن كن له سترا من النار 

كيف ننجو من هذا الابتلاء؟

من أراد النجاة سلك سبلها، ومن سبلها الاقتداء بالنبي ، ولزوم هديه في العناية بالناشئين وتربيتهم. والتربية السليمة تبدأ من نعومة الأطفار فإذا أردت أن تنجو من الابتلاء وتلقى ربك وقد أديت الأمانة، فينبغي أن تعنى بالأولاد وهم لا يزالون صغاراً. يقول الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين

مما يحتاج إليه الطفل أشد الاحتياج الاعتناء بأمر خلقه، فإنه ينشأ على ما عوده المربي في صغره من حرد ، وغضب، ولجاج وعجلة وخفة، وهوى، وطيش، وحدة، وجشع فيصعب عليه في كبره تلافي ذلك، وتصير هذه الأخلاق صفات وهيئات راسخة له، فإن لم يتحرز منها غاية التحرز فضحته لا بد يوما ما، ولذلك نجد أكثر الناس منحرفة أخلاقهم وذلك من قبل التربية التي نشأ عليها .. ولله در الشاعر إذ يقول:

وينشأ ناشئ الفتيان منا *** على ما كـــان عــــــوده أبوه

وقد قيل: «العلم في الصغر كالنقش على الحجر، والعلم في الكبر كالغرز بالابر وقفات تربوية مع التربية النبوية هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تربية الأطفال معين مليء ثري فياض لا ينضب، وفيما يلي بعض مواقفه التربوية التي نتعلم منها. أولا : هديه في التعليم باللعب التعلم باللعب من أفعل طرق التعليم في الاتجاهات التربوية الحديثة الآن، وينسب كثير من التربويين الفضل في ذلك إلى علماء التربية المحدثين في الغرب، بيد أن هدي رسولنا صلى الله عليه وسلم في التربية والتعليم يؤكد أنه استخدم اللعب في تربية الأطفال وتعليمهم، ففي مداعبته لأبي عمير كر درس عظيم يرسم أسلوباً مؤثراً في تربية الأطفال وتعليمهم، فقد روى الشيخان وغيرهما من حديث أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خُلقاً، وكان لي أخ يقال له أبو عمير . قال أحسبه فطيما - وكان إذا جاء قال: «يا أبا عُمير ما فعل التغير»، وهو نغر كان يلعب به، وهو طير صغير كالعصافير حمر المناقير فصغره النبي وأسماه «النغير»، بقصد مداعبة الطفل الصغير ومشاركته لعبته في رفق ولين وحب وود وتشويق، ولذلك اهتم علماء التربية المسلمون بهذا الحديث أيما اهتمام.

قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في الفتح » « في هذا الحديث عدة فوائد جمعها أبو العباس الطبري المعروف بابن القا الفقيه الشافعي صاحب التصانيف في جزء مفرد، وذكر ابن القاص في أول كتابه أن بعض الناس عاب على أهل الحديث أنهم يروون أشياء لا فائدة فيها، ومثل ذلك التحديث بحديث أبي عمير هذا، وما أدري أن في هذا الحديث من وجوه الفقه وفنون الأدب والفائدة ستين وجها ساقها مبسوطة .. وروى النسائي بإسناد صحيح عن عبدالله بن شداد ما قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس إذ جاءه الحسين فركب عنقه وهو ساجد، فأطال السجود بين الناس حتى ظنوا أنه قد حدث أمر، فلما قضى صلاته سألوه عن ذلك فقال : إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته ..

ثانياً: تعويد الأبناء فعل الخير والطاعات

من ذلك ما رواه عبدالله بن مسعود ران أنه قال: «حافظوا على أبنائكم في الصلاة وعودوهم الخير فإن الخير عادة وروى ابن ماجة بإسناد صحيح، عن معاوية بن أبي سفيان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخير عادة، والشر لجاجة، ومن يرد الله به

خيرا يفقهه في الدين. وقد ورد في السنة ما يدل على مشروعية تعويد الصغار الصيام والصلاة واصطحابهم للحج صغاراً، ومن ذلك :

أ - في الصلاة

روى ابن خزيمة في صحيحه والترمذي وأبو داود بإسناد صحيح عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى طعام، فأكل منه، ثم قال: «قوموا فلنصل بكم». قال أنس فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس، فنضحته بالماء، فقام عليه رسول الله وصففت عليه أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا ، فصلى بنا ركعتين ثم انصرف . وليس المقصود بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم هنا صلاة الفرض، وإنما هي صلاة نافلة، فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم أمته على صلاة المسجد. ومما يروى عنه أنه كان يخفف في الصلاة بالمسلمين عندما يسمع صراخ الصبي الذي تصطحبه أمه في صلاتها بالمسجد ، فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه

 ب - في الصيام

روى الشيخان عن الربيع بنت معوذ قالت: أرسل النبي غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار «من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه ومن أصبح صائما فليصم». قالت: فكنا نصومه بعد، ونصوم صبياننا ، وتجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك، حتى يكون عند الإفطار. قال ابن حجر في الحديث حجة على مشروعية تمرين الصبيان على الصيام ... المسجد - إذن - محضن تربوي للصغير والكبير والمرأة والرجل فمن هدي رسولنا العظيم: « من جاء مسجدنا هذا يتعلم خيراً أو يعلمه، فهو كالمجاهد في سبيل الله. وهذا الحديث حسن بشواهده، أخرجه ابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك، وقال عنه هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا بجميع رواته. وهكذا كان المسجد الوسيط التربوي الثاني بعد الأسرة، فلم يقتصر دوره - في عهد رسولنا الكريم وسلفنا الصالح - على أداء العبادات فحسب، بل كان مدرسة تربوية وجامعة علمية تهذيبية، فلما قدم دوره واختزل في الصلاة فقط افتقدنا هذه المدرسة المؤثرة، ومن ثم أهملت التربية، وجفت منابع الخير، وتأخرت مجتمعاتنا، وتنكبت أمتنا. يقول ابن الحاج الفاسي رحمه الله في المدخل:

والمقصود بالتدريس إنما هو التبيين وارشاد الضال وتعليمه، ودلالة الخيرات وذلك موجود في المسجد أكثر من المدرسة ضرورة، وإذا كان المسجد أفضل، فينبغي أن يُبادر إلى الأفضل......

ج - في الحج

روی مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي لقي ركبا بالروحاء، فقال: «من القوم؟» فقالوا: المسلمون فقالوا: من أنت؟ قال رسول الله». فرفعت إليه امرأة صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر».

ثالثاً: التربية بالقصة: فالقصة تأثيرها التربوي في الكبار والصغار على السواء، ومن هنا كثر القصص

الحسن في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ من قبله من الغافلينَ ﴾ (يوسف).

وفي نهايات سورة يوسف بين الله عز وجل أثر هذا القصص والغاية منه، فقال تعالى: لقد كان في قصصهِمْ عِبْرَةٌ لأَوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتفصيل كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ   (يوسف). كما بين الله عز وجل أن القصص يؤدي إلى إعمال العقل والتفكير والتفكر، فقال عز وجل فاقصص الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (الأعراف).

ولقد كنا ونحن صغار ننتظر المساء على شوق، كي تحكي لنا جدتنا القصص المكررة التي كنا نسمعها كل ليلة ولا نملها، برغم ما كان يتخللها من محتويات تحتاج إلى تصويب. وقد يأتي الطفل ويلح على أبيه أن يحكي له قصة، ويكون الأب مشغولاً عنه بأمور أخرى، فيذهب إلى أمه عسى أن يجد لديها بغيته، فتصده هي الأخرى، فيحبط، وينام مكسور الخاطر، ويشعر بعدم اهتمام الأسرة به، وذلك يورثه مشكلات كبرى، ربما تلازمه طوال مسيرته في حياته !! ما أحوجنا إلى أن نعود إلى هدي حبيبنا في تربيته للنشء ورعايته له، لنقتبس من نور النبوة نوراً تربويا يضيء لنا طريقنا التربوي، ويصوب ممارساتنا التربوية مع أولادنا.

* أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

222

الثلاثاء 24-مارس-1970

كيف أعود ولدي الصلاة؟!

نشر في العدد 4

151

الثلاثاء 07-أبريل-1970

بريد الأسرة 4

نشر في العدد 7

148

الثلاثاء 28-أبريل-1970

عودة إلى الشباب المتهم