العنوان اللوبي الإسلامي.. تفكير بصوت مسموع في أفكار محظورة
الكاتب خضير جعفر
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1999
مشاهدات 59
نشر في العدد 1340
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 02-مارس-1999
في عالم تعصف فيه أعاصير الخلاف وتشخص بوصلة التخاصم في محيطاته كل الأهداف وتمتاز في عرصاته معسكرات الهدى عن ثكنات الضلال لم يعد لوجود البراقع والأستار من ضرورات.. ولذلك جاهر الكفر العالمي بعدوانيته ضدنا فأحدقت بعالمنا الإسلامي جيوش عداء مشترك تظاهرت فيه أسلحة الجهل والأحقاد والعقد التاريخية والخوف على مصالح الحاضر والمستقبل لتكتمل تشكيلة الكارتيلات المعادية من قوى الوثنية والصليبية والصهيونية تحت راية الكفر العالمي، مستخدمة كافة أسلحة «الدمار الشامل» ضد كل ما هو إسلامي- أنظمة وتنظيمات وفرسان وعي وجماهير تنتسب للإسلام ولو بالهوية- لأن الجميع في قاموسهم أعداء إما بالقوة أو بالفعل، ولذلك فهم يحاربون حتى الأجنة والنطف في أصلاب المسلمين وأرحام نسائهم.
وقد شهدنا كيف ألقى الصهاينة عقاقير العقم في مستودعات مياه الشرب لطالبات المدارس الثانوية في الأرض المحتلة كي لا يلدن مستقبلًا؟ وكيف يبقر الجنود الصرب بطون الحوامل البوسنيات كي لا يضعن مسلمًا يزيد من الكم البشري لهذه الأمة، هذا فضلًا عن وأد فرص التقدم لأي من بلدان عالمنا الإسلامي وعدم التردد في تدمير البنى «التحتية وأركان الاقتصاد وأخلاق العباد ووحدة البلاد».
وفي حرب مدمرة كهذه التي تعصف بالهوية والوجود والحدود لابد لعالمنا الإسلامي المستهدف - والخطاب موجه بالضرورة لمثقفيه - من التفكير الجاد والسعي والاجتهاد لإيجاد «لوبي إسلامي» يشكل قوى ضغط إسلامية لمواجهة التحديات ولتحصين الذات والوجود عبر فتح أكثر من ثغرة في جدار العدو واختراق دفاعاته لنبدأ العمل- من هناك وخلف خطوط النار- لتغيير ما يمكن تغييره من آثار درء ما يمكن درؤه من أخطار.
والقراءة الواعية للمخاطر المحدقة بنا أولًا وتوافر العناصر الأولية لتشكل اللوبي الإسلامي ثانيًا تحض حملة الهم الإسلامي على التفكير الجاد للمبادرة بإرساء قواعد هذا المشروع الطموح الذي سوف تبرز أثاره الإيجابية جلية ولو بعد حين وتؤكد بأن التردد في المضي قدمًا بهذا الاتجاه سوف يضيع من عمر الأمة الإسلامية أحقابًا أخرى تضاف إلى سجلات الضياع المكدسة فوق رفوف التاريخ وبين تضاريس الذاكرة فيما ينشط اللوبي الصهيوني وقوى الضغط الدولية لرسم معالم خارطة جديدة للعالم مصممة وفق مقاساتهم وكما يحلو لهم وتسيير الأحداث والوقائع بما يحقق أغراضهم وأهدافهم التوسعية التي لا تعرف الحدود ولا تعترف بها.
ويقيني أن أمتنا الإسلامية تمتلك من المواد الخام القابلة للتصنيع ما يكفي لتوليد لوبي إسلامي مقتدر ومؤثر لكنها بحاجة إلى رجال أكفاء يحملون الهم ويثيرون الاهتمام ويتمتعون بالحكمة والأناة وطول النفس لينظموا من حبات المسبحة المتناثرة عقدًا رائعًا في خيط الوعي، ومن ثم عقده على بركة كي يؤتي أكله كل حين، لأن في خمائر اللوبي الجاهزة ما يسهل المهمة على فرسان الوعي حينما يجدون في إعداد طبختهم على نار هادئة تنضح فيها تلك الخمائر بصبر ولا تحرقها بلهب الانفعال أو الاستعجال ومن أهم تلك الخمائر:
- كم بشري هائل متمثل بأكثر من مليار مسلم، لو قدر للعاملين المخلصين استثمار طاقاته ليصيروا من حشوده المغيبة المضيعة جحافل هدى تستسهل الصعاب والأهوال وتلتذ بالتضحية والاستبسال دفاعًا عن الإسلام المهدد المستهدف والتصدي لكيد الذين يضمرون لأمتنا السوء أو يعلنون.
- المال الإسلامي الوفير الذي يغرق السوق العالمية ومصارف الدنيا بسيولته، ولو قدر للأكف الكفوءة المتوضئة أن توظفه لصالح أصحابه ولخير أمتهم لغير مسار الأحداث ولأفرز قوة ضغط هائلة بإمكانها إيجاد زلزال اقتصادي يقلب موازين القوى لصالح الإسلام وأهله، وقد يخطئ من يظن أن تحقيق هكذا مشروع تنموي هادف أمر مستحيل وخاصة أن الحروب الخفية والمعلنة ضد رأس المال الإسلامي قد دمرت الكثير من اقتصادات الدول والمؤسسات الإسلامية لتعلن إفلاسها أو تكاد، على أيدي المضاربين الصهاينة وشركائهم الحاقدين، ولذلك فإن تشكيل كارتيلات مالية واقتصادية إسلامية من شأنها أن توفر الضمانة الكافية لسلامة رأس المال الإسلامي من جهة وتحقيق أهداف الأمة في دفاعها المشروع عن الهوية والذات والوجود وقيم الحياة من جهة ثانية.
- العقل الإسلامي المبدع، حيث تحتضن أمتنا من الكفاءات والتخصصات، ما من شأنه أن يشكل جيشًا من المبدعين في أكثر من اختصاص وفن، وهذا بحد ذاته رصيد رائع لمشروع حماية الذات من مخاطر الاستلاب والهيمنة والاحتواء لكونها أذرع دفاع واعية تمتلك القدرة على التشخيص المبكر لما هو عليه حال الأمة من خلل، وما ينتاب واقعها من شلل، وما عليه خصومها من كيد وأحابيل وحيل.
- الحركات والفاعليات والمنظمات والجمعيات الإسلامية التي يخلق لقاؤها على المشتركات وتفاهمها على مواجهة التحديات نسيجًا متجانس الأوصال في «موزاييك» التنوع وأرضية التعددية والانسجام وبما يؤهلها لدفع حركة التحصين الذاتي نحو التكامل فوق سكة الواقع باتجاه الأهداف المرسومة وبالسرعة المطلوبة، يعضد ذلك كله تيار الصحوة الإسلامية الهادر ومتغيرات الوضع الدولي الراهن الذي تتسابق في سوح معتركاته الأمم على تثبيت المواقع في ساحات التدافع وعمليات إثبات الوجود.
وقد يقول قائل: لماذا مثل هذا التفكير بصوت عال في مشروع خطير يفترض أن تختمر أفكاره بصمت ويستحسن أن تجري حوله الحوارات همسًا في قاعات مغلقة وداخل أقبية مجهولة العناوين؟ ونحن هنا لا نكابر في إنكار هذا الإشكال ولا نشك في صحة مضامينه، لكننا نعتقد أن سبات العالم الإسلامي بحاجة إلى أصوات انفجارات مدوية في باحة الفكر ليصحو الغافون من قيلولة الخدر وليستيقظ من لم تهزه مدافع التحدي مؤثرًا إغفاءة المستسلم لقدر محتوم أمام أشقياء لا يرحمون فلا يرى في نفق اليأس بصيص أمل أو تباشير فجر جديد، لذلك أثرنا المجاهرة بأفكار محرمة في مكبرات الصوت إبراء للذمة، وحضًا على المبادرة، وإثارة للتفكير الجاد، وعندها فلا يمنع الغيارى العاملين أن يباشروا العمل بهدوء بلا ضجة أو ضجيج؟
ولذلك من حق أمتنا أن نصرخ فيها: إن اللوبي الإسلامي ضرورة ملحة يقتضيها منطق العقل وتداعيات العصر ومعطيات المتغيرات الكبرى والتحولات الهائلة وتدعو لها آليات التحدي الرهيب وآلاته التي لا ترحم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل