; حصان طروادة لتنفيذ سياسة الشرق الأوسط.. الليبراليون الجدد.. في حقبة. تحت الحداثة! | مجلة المجتمع

العنوان حصان طروادة لتنفيذ سياسة الشرق الأوسط.. الليبراليون الجدد.. في حقبة. تحت الحداثة!

الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني

تاريخ النشر السبت 12-فبراير-2005

مشاهدات 54

نشر في العدد 1638

نشر في الصفحة 37

السبت 12-فبراير-2005

مانفستو يدعو إلى محاربة الإسلام والاستعانة بالقوى الأجنبية لفرض الديمقراطية 

فمصطلح الحداثة بتعبير بيتربروكر كان بناء على ما قامتْ أركانه بعد وقوع الحدث نفسه، فاستخدام اللفظ وشيوعه كان حديثاً ومحصوراً في الحقل الأدبي، فأصبحتْ تطلق على التجديد كأداة للإبداع الأدبي، والرؤى المبتكرة، ثم انسحبت أيضاً لتشمل المجالات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها فالحداثة وعي جديد، وهي شرط تمكَّن الغرب من تحقيقه وإنجازه وأحياناً تفاعل ضده من أجل تقويضه وإلغائه.

 والناظر في واقع الفكر الليبرالي الذي تبنى الحداثة بجميع أشكالها يجده حقق انتشاراً واسعاً في العالم كله خلال العقود الماضية، واخترق المعسكر الشيوعي، وضرب معوله في جدار برلين ليعلن السقوط الكلي للفكر الاشتراكي في الغرب.

 أما عالمنا العربي فنتيجة للامتداد الفكري والسياسي مع الغرب فقد تُبنَى كثيراً الليبرالية الرأسمالية والسياسة الديمقراطية على غرار بقية فريق الشمال الأبيض، ولم تكن هناك قناعة تامّة بهذا الانتماء الفكري للّيبرالية عند كثير من أبناء تلك الشعوب بعكس القليل من النخب المثقفة فيها .

 وتمتْ من أجل ذلك محاولات كثيرة المسخ الهوية الدينية والقومية وإرغام تلك المجتمعات على تبنِّي ثقافة الحداثة على النمط الغربي، وتسييسها بالفكر الديمقراطي، مما أنتج  تراكمات الزمن وتسلط المستعمر أشكالاً متطرفة من الأصولية القومية إلى الليبرالية المتطرفة إلى العنف الإسلامي مما كلف الأمة المزيد من المعانات والويلات الطويلة والمؤلمة جراء ذلك الانفصام النَّكد لشخصية الأمة وموروثها الديني والذي مازلنا نعاني من إفرازاته السلبية إلى وقتنا المعاصر.

. ومع أنَّ استيعاب نخبنا المثقفة للفكر الحداثي كان بطيئاً ومُتأخرا، فإنّها لم تكَد تضع أقدامها على درجته حتى أضحى العالم الغربي ينقد فكره الليبرالي ويودع حداثته التقليدية وينسلخ منها إلى ما اصطلح عليه فلسفياً بما بعد الحداثة.. 

وعوداً إلى عنوان المقال الذي أخُّص فيه الليبراليين العرب الجدد كتيار حديث ظهر مع  بداية عقد التسعينات الميلادية كتوجه جديد برز على السَّاحة السياسية والاقتصادية والفكرية متزامناً مع أزمات المنطقة والتدخل الأجنبي في شؤونها، فقد أخذ بعد ذلك أهمية قصوى في الدوائر السياسية الغربية خصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م.

 إنّ النشأة الفكرية لهذا التيار تكونت اثناء - السجال الأيديولوجي بين فلاسفة الحداثة وما بعد الحداثة، بينما يصف برهان غليون الحالة المعاصرة لمجتمعاتنا العربية وسياساتها الحداثية أنّها أشبه إلى كونها مجتمعات ما تحت الحداثة) لا (ما بعد الحداثة) يقول في هذا الصدد: إنَّ ما تحت الحداثة لا تعني الخروج من الحداثة، ولكن فقط الانحطاط في هذه الحداثه، فكما تدفع أزمة الحداثة المجتمعات النامية أوالمهمشة إلى نكوص لأفرادها نحو قيم وتقاليد وأنماط من التفكير وأساليب من العمل تكاد تكون ما قبل حداثية أي سابقة على الثورات الأساسية التي شكلت قيم الحداثة، تدفع الأزمة ذاتها الأفراد في المجتمعات التي لا تزال أمامها آفاق مفتوحة إلى التطلع إلى تحقيق حريات وحقوق ومنع تجاوز ما أتاحته حتى الآن قيم الحداثة الكلاسيكية. 

إنّ هذه الحالة الرثَّة من الحداثة كما يقول غليون: تعود بنا إلى استخدام أدوات تفكير القرون الوسطى من أجل تنظيم مجتمع حديث أو يعيش على الأقل في العصر الحديث (٤) 

فالأصوات بدأتْ تعلو بشكل كبير في نقد الحداثة الغربية وتهميش ذلك الإله المزعوم. الحداثة - الذي قُدِّس في كثير من مجتمعات العالم. بعد أنْ اشتعلت جذوة النقد من كبار فلاسفة الغرب، أمثال: الفيلسوف الفرنسي (ليونار) في كتابه الشهير (الظرف ما بعد الحداثي) حيث قدم نقداً عنيفاً لمشروع الحداثة الغربي. غير أنّ الفيلسوف الألماني (هابرماس) ذهب إلى أبعد من ذلك بزعمه أنّ الحداثة نفسها لم يكتمل مشروعها بعد، وعزّز هذا النقد للحداثة الغربية وأجنحتها السياسية والعسكرية ما كتبة (جاك دريدا) (وميشيل فوكو) وغيرهما في بيان مهازل الديمقراطية وتناقضاتها الكثيرة.

. إن الليبراليين العرب الجدد أمام هذا الجدل الواسع في مفاهيم الحداثة والليبرالية لم يحصل لهم تغير يذكر في جدوى القيم الفلسفية لنهضتهم الإصلاحية. لأنّ غلبة الشعارات الدعائية على مجمل أُطروحاتهم لا يعنيهم مصداقيتها في أرض الواقع أو السعيّ لتحقيقها في المستقبل مادامتْ القبلة والوجهة والمصلحة غربية المصدر والمال.

 المانفستو الليبرالي 

ومع كل هذا الإخلاص والتفاني في الليبرالية والحداثة الغربية - حتى ما أصبح منها بالياً  ومتهالكا - وقعتْ الكثير من الصور والحالات المتناقضة والمتباينة لأولئك الليبراليين أمام محك الأحداث الكبرى التي تمر بها المنطقة العربية، والمتأمل لدورهم في المرحلة القادمة يجد أنّ هناك خطوطاً مشتركة تقوم عليها سياستهم المقبلة، لخصَّها د شاكر النابلسي في خمس  وعشرين قاعدة كما جاء في مقال له بعنوان: «من هم الليبراليون العرب الجدد، وما خطابهم؟، وقد بيَّن أن هذا الجيل الجديد من الليبراليين هم امتداد لأفكار التنوير التي جاءوا في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وأبناء الفكر الليبرالي الذين جاءوا في النصف الثاني من القرن العشرين، ثم وضع مبادئ هذا الجيل التنويري بما أسماه مُسًوَّدة أولى لمانفستو الليبراليين الجدد.

  ومن خلال التأمل في هذه المبادئ الخمسة والعشرين وتحليلها نجد أنّ أغلبها مرتكز على موقف عدائي من الدين والتراث والتاريخ الماضي للأمة، فمن المبدأ الأول حتى الحادي عشر ومن الخامس عشر حتى التاسع عشر تركزتْ مبادئ تلك العريضة على الدعوة إلى محاربة الإرهاب الديني والقومي والمطالبة بإصرار الإصلاح التعليم الاستعانة الديني الظلامي، والتأكيد على إخضاع المقدس والتراث للنقد العقلي والعلمي وعدم مطلقاً بالمواقف الدينية التي جاءت في الكتاب المقدَّس تجاه الآخرين، واعتبار الأحكام الشرعية خاصة بزمانها ومكانها، وأنّ الفكر الديني حجر عثرة أمام الفكر الحر وتطوره، والتأكيد على نبذ الولاء للماضي أو الانغلاق عليه وأنّه السبب الحقيقي لضعفنا وانحطاطنا، كما ينبغي الاحتكام إلى القوانين المعاصرة لا إلى التخيلات الماضية أو الأساطير الظلامية؟

 كما نصَّتْ المبادئ الأخرى الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر على ضرورة سيادة العقل وطرح الأسئلة على كافَّة المستويات، كما طرحها تنويريو القرن الماضي، وتبني الحداثة العربية تبنياً كاملاً باعتبارها هي التي تقود إلى الحرية.

 أمّا بقية المبادئ الأخرى من العشرين حتى الخامس والعشرين، فقد ركَّزت على قضايا السياسة والمجتمع وذلك بالتأكيد على عدم الحرج من الاستعانة بالقوى الخارجية لدحر الديكتاتوريات العاتية واستئصال جرثومة الاستبداد وتطبيق الديمقراطية العربية، كما لا يمنع أن يأتي الإصلاح من الخارج ولو على ظهر دبابة بريطانية أو بارجة امريكية أو غوّاصة فرنسية مع تأكيدهم بأن يأتي بالطرق الدبلوماسية؟!!.

 كما ذكرتْ المسودة ضرورة التطبيع السياسي والثقافي مع الأعداء، ولا حلّ للصراع العربي مع الآخرين إلّا بالمفاوضات السِّلمية مع التأكيد على الوقوف إلى جانب العولمة وتأييدها كما ختم البيان الليبرالي بالمطالبة بمساواة المرأة مع الرجل مساواة تامة في الحقوق والواجبات والعمل والتعليم والإرث والشهادة، وبعد هذا العرض لمقالة الدكتور شاكر النابلسي أحد التوافق الكبير بين أطروحات ومقالات رموز هذا التيار وما جاء في عريضة المبادئ الليبرالية التي سطّرها الدكتور النابلسي.

. حصان طروادة 

ولعل التسارع في أحداث الشرق الأوسط بعد الحادي عشر من سبتمبر جعلتْ الكثير من الدوائر السياسية والفكرية الغربية تعتمد على هذا التيار وتعبئه للهجوم على المعتقد الديني والثوابت الشّرعية لشعوب المنطقة بحجة محاربة الإرهاب، ومحاولة الإصلاح الديمقراطي للأنظمة والحكومات العربية.

 وفي هذه الأثناء أصدر الليبراليون العرب الجدد البيان الأمَمِي ضدَّ الإرهاب والذي أعدَّه نخبة من الليبراليين العرب هم: العفيف الأخضر، وجواد هاشم،  وشاكر النابلسي، وفيه حثَّ  للأمم المتحدة على تفعيل قرار مجلس الأمن رقم (۱٥٦٦) حول التدابير العملية للقضاء على الإرهاب وذلك بضرورة الإسراع في إنشاء محكمة دولية تختص بمحاكمة الإرهابيين من أفراد

 «بوش الابن» عيَّن مساعداً له تجول في الكنائس، مؤكداً أنَّ فصل الدين عن الدولة خرافة

 وجماعات وتنظيمات بما في ذلك الأفراد الذين يشجعون على الإرهاب بإصدار الفتاوى باسم الدين

 في حين يعدهم البعض (حصان طروادة) لتنفيذ سياسة الشرق الأوسط الكبير الذي تروج له الإدارة الأمريكية في المنطقة والذي يتقاطع بشكل كبير مع مطالبات ومبادرات الليبراليين الجدد كتشجيع الديمقراطية الغربية في المنطقة وتوسيع الفرص الاقتصادية، وإصلاح النظم التعليمية وغيرها

 ومع أهميّة تنفيذ هذا المشروع من خلال الاجتماعات الرسمية والمنتديات العالمية كالّذي حصل في المغرب مؤخراً بما سُمِيَ منتدى المستقبل للإصلاح العربي في ۱۰ ديسمبر، فإنّ التخوف كبير من هذا المشروع الذي سيلغي خصوصية المنطقة قومياً ودينياً ويترك أهم قضايا المنطقة والمتمثلة في الصراع العربي - الصهيوني من غير حلٍّ مع الاهتمام المتزايد بأمن (إسرائيل) وحماية حدودها الإقليمية.

 نتائج عكسية

 هذه الإشكاليات التاريخية والدينية والمعرفية التي يسعى الليبراليون الجدد وحلفاؤهم إلى تحقيقها، واختراق شعوب المنطقة بها بغض النظر عن التداعيات الخطيرة للاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان وإفرازاته الاقتصادية والسياسية سوف يؤدي إلى نتائج عكسية، ويُصلِي المنطقة المزيد من الانفجار والتشظي المحموم بين طوائف المجتمع، وترسيخ هوة الكراهية والصدام بين حضارات الأمم والشعوب. في حين أنّ الإدارة الأمريكية الحالية لا تُخفي توجهها الديني المسيحي البروتستانتي المتشدد الذي ساهم في حشد تأييد ولايات حزام الإنجيل المتدينة، بل ولا يُخفي بوش الابن أثناء حملته الانتخابية أن يعيِّن مساعداً له هو (ديفيد بارتون) ليتجول في مئات الكنائس ويقول فيها: 

إنّ فصل الدين عن الدولة هو مجرد خرافة.

 إنّ الليبراليين العرب الجدد والذين يدعون أنّهم يشكلون تيّاراً جماهيرياً صامتاً لا يستطيع أحد أنْ يقبل بذلك الادعاء إلّا من خلال أدلَّة تثبت هذا الوجود، فالحالة الفريدة التي تشكل فكرهم عليها جاءتْ متأخرة، وما استأسدت هذه الأصوات النشاز التي ظلّتْ في جحورها كامنة عقوداً من الزمن إلّا مع قوة المحتل الأمريكي وسياسته التعسفية في المنطقة التي جاءت في أحرج زمن مر على الأمة.

 ولم يعبأ هذا التيار بكل الظروف المحيطة، بل انتهز كل فرصة سنحت له للانتقام من كل التيارات الأخرى وكل الخصوم التقليديين ومع هبوب رياح التغيير في المنطقة تمكنتْ أكثر من بعض المواقع الإعلامية والمنابر الفكرية لتصادر ما بقي لها من شعارات التسامح والحرية والدعوة إلى الإنسانية، واستبدلتها بتأكيد خيار القَّوة والسلاح ومن أجل الإصلاح، والاستعداء على كل دولة حاضنة للإرهاب – بمفهوم المحافظين الجدد- والقضاء على منابعه الفكرية بتغيير كل ماله علاقة بالتّعليم الديني، والدعوة الدائمة للقضاء الحتمي على الحركات الإسلامية المعاصرة كونها منبع كل شر وعنف وإرهاب !! لقد رفعت الحداثة الليبرالية قاعدة التخلف أمام جماهير الأمة:

 (إما الاندماج في الآخر أو التحلل الذاتي والذوبان).

 إن هذا الطرح لم يوجد له مثيل إلا في الفاشية الديكتاتورية التي ظهرتْ كثورة ضدّ الحداثة وقيم التنوير، لكن نراها تُذبَح الآن بأيدي الليبراليين المتحررين من خلال معايير متضاربة ومصالح شخصية براجماتية وسياسة ميكافيلية لتحقيق أهدافهم وتصفية حساباتهم مع خصومهم.

 لم أجد نقداً ألبسوه الإسلاميين إلّا وتقمصوه بكل عنف ونفعية. لقد أفتى الليبراليون بتحريم السيّاسة على علماء الدين ودُعاته وجنّدوا لذلك النُّصوص والفتاوى، وأدلجوا مواقفهم الحزبية من أجل دحض آراء خصومهم الإسلاميين، ولم يعتبروا حينها أي! مبدأ للحوار معهم أو إعمال للعقل في الحكم عليهم وهم دعاة الحوار و العقلنة ليلاً ونهاراً؟ 

إنّ ما نطالعه اليوم من مقالات وخطابات لذلك التيار الجديد لهي سعي لإجهاض مؤشرات العافية وركائز الإجماع الوطني على كثير من المبادئ والقيم الحضارية، طفتْ هذه الأطروحات المؤدلجة غرباً على سطح خطابنا الإعلامي من خارج صفّنا الوطني في مرحلة الجزر والانحسار مما يستلزم التحسُّب لعمق جبهة المواجهة، واتساع أفق الغارة التي تستهدف الوطن والأمة.

 إنّ ما يجري في الغرب من مراجعات فكرية ونقد منهجي لفلسفة الحضارة الراهنة، ينبغي أن تحفز أهل العقل والمعرفة من رموز التيار الليبرالي القديم والحديث إلى البحث في مرفأ النّقد والمراجعة لحقيقة الأزمة المعاصرة، فعصور التبعية والتقليد الأعمى والسير في ركب الغرب من غير تتجرد وتفكيك ليس شأن النخب المثقفة الواعية. بل الذي ينتظر من هذه النخب أن يتجردوا من مصالحهما الشخصية بنقد الذات وفق معطيات الحاضر واستشرافات المستقبل.

 إن بناء أي نهضة حضارية لا يستلزم تدمير كل الأبنية الماضية وسحقها للزوال ولو كانتْ حضارات أمَم وشعوب عريقة كما يفعل بعض الليبراليين الجدد. ولا أعتقد أنّ هذه المشاريع التي يريد الليبراليون الجدد تسويقها في المنطقة إلا ظواهر صوتية في فلاة الوهم والتخيلات ولو فكروا بشكل جاداً في تقديم مشاريع إصلاحية للمجتمع بدلاً من توجيه التُّهم ونقد من في القبور والسعي فقط في استيراد مشاريع الاحتلال الغربي دون تقديم مشروع حقيقي ينهض بالمجتمع، ويعالج مشكلاته ويقترب من همومه لتصبح هذه المشاريع ظواهر صوتية في فلاة الوهم والتخيلات.

الرابط المختصر :