; محاربة «الإرهاب» حصان طروادة لتحقيق مكاسب سياسية | مجلة المجتمع

العنوان محاربة «الإرهاب» حصان طروادة لتحقيق مكاسب سياسية

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الأربعاء 08-مايو-2002

مشاهدات 55

نشر في العدد 1504

نشر في الصفحة 34

الأربعاء 08-مايو-2002

• حرص بوش على تذكير الأوروبيين بتضحيات أمريكا من أجل أوروبا طلبا لدعمها في ضد ما يسميه بالإرهاب.

قام الرئيس الأمريكي بجولة أوروبية كان من أهم نتائجها عقد اتفاقية الحد من الأسلحة النووية الروسية الأمريكية واجتماع حلف الأطلسي مع روسيا، وقد شد التقارب الروسي الأمريكي اهتمام المراقبين الذين أدرجوا هذا التوجه الجديد في إطار تشديد الحملة على الإرهاب، التي يتزعمها بوش ورغم ما توحيه هذه الجولة من استمرار الهيمنة الأمريكية على صناعة القرار في العالم فإنها تعكس في الواقع عمق التحديات التي تواجهها السياسة الأمريكية منذ أحداث سبتمبر.

وقد سعى بوش لتوظيف كل محطة في جولته الأوروبية من أجل تحقيق مكاسب سياسية، وعلى رأسها تحريك التأييد الخارجي والداخلي لسياسته فيما يسميه بمحاربة الإرهاب بعد تسجيل ترهل في السند والتعاطف الشعبي الأمريكي مقارنة بالأشهر الأولى عقب الأحداث وتصاعد الانتقادات لهذه السياسة وتداعياتها الخطيرة على الأمن العالمي وعلى حقوق الإنسان الأمر الذي يفسر نزول بوش بثقله للتصدي لكل مظاهر التصدع الأوروبي الأمريكي، وتحقيق مكاسب سياسية داخلية وخارجية.

المحطة الفرنسية

ولعل المحطة الفرنسية- التي قلل المراقبون من شأنها- تخدم هذه الأغراض باعتبار وزن فرنسا أوروبيًّا، ودورها الدبلوماسي والسياسي في القضايا ذات الصلة بالاهتمامات الأمريكية في المنطقة العربية الإسلامية والعلاقات الفرنسية العربية التاريخية والخصوصية الفرنسية في فهم أغوار المنطقة وعقليات شعوبها، واحتضان فرنسا لأكبر جالية مسلمة في أوروبا من هذا المنطلق، لا تقل زيارة بوش لفرنسا أهمية عن المحطات الأخرى من حيث تحقيقها مكاسب سياسية لا للرئيس الأمريكي فحسب، وإنما أيضًا للرئيس الفرنسي الذي تستعد حكومته لخوض انتخابات تشريعية حاسمة.

فرنسيًا، فإن توقيت زيارة بوش مهم؛ لأنها تأتي بين محطتين انتخابيتين رئاسية وتشريعية، وقد خرج شيراك منتصرًا في الدورة الثانية للرئاسة، لكنه انتصار محاط بالألغام والأخطار بعد زلزال الدورة الأولى الذي خلط الأوراق السياسية من حيث تراجع الأحزاب التقليدية وعودة تيار أقصى اليمين إلى صدارة الأحداث، وإزاحة التيار اليساري، وطرح المسالة الأمنية على رأس أولويات الاهتمامات السياسية.

وفي الوقت الذي تستعد فيه فرنسا لانتخابات تشريعية حاسمة في ٩ و ١٦ يونيو الجاري، يحتاج الرئيس الفرنسي إلى إرسال إشارات واضحة للرأي العام الفرنسي بإصراره على اتباع سياسة حازمة في محاربة كل أشكال العنف والجريمة، وتعتبر زيارة بوش فرصة ثمينة لتوظيفها سياسيًّا؛ حيث أشار شيراك- في المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس الأمريكي- إلى أنه يشارك بوش المفهوم والعزم نفسيهما في شأن اقتلاع الإرهاب والتهديد المستمر الناجم عنه، ولم يتردد بوش في تقديم السند المعنوي لشيراك؛ حيث أكد في نفس المؤتمر الصحفي أن فرنسا تلعب دورًا طليعيًّا في أوروبا وأن رئيسها كان أول من زاره عقب هجمات سبتمبر، وأن هناك تعاونًا أمريكيًّا- فرنسيًّا وثيقًا على صعيد الاستخبارات وهذا مهم جدًّا في الحرب ضد الإرهاب ومن أجل حماية مواطنينا، فليس هناك حليف أوثق من جاك شيراك.

وقام الرئيسان بزيارة رمزية لمقبرة الجنود الأمريكيين في منطقة النورماندي بشمال فرنسا ٩٤٠٠ عسكريًّا قتلوا في أثناء المعارك تضم هناك في يونيو/ حزيران عام ١٩٤٤ خلال الحرب العالمية الثانية، ويأتي هذا بالتزامن مع الاحتفال الأمريكي السنوي بذكرى نزول القوات الأمريكية إلى شمال فرنسا.

وفي كلمة للرئيس الفرنسي هناك شبه القتال من أجل الحصول على الحرية بالحرب على الإرهاب التي تدور رحاها اليوم وهي حرب قال: إن فرنسا ستخوضها جنبًا إلى جنب مع الولايات المتحدة، وتحدث بوش عن الحرب التي تقودها بلاده ضد الإرهاب، وقال: إنها تتطلب القدر نفسه من التضحيات التي قدمت ضد ألمانيا النازية، وقال: إن تذكر ضحايا الحرب الثانية يأتي بسبب الدفاع عن الحرية بوجه الذين يعادونها، وهي رسالة موجهة إلى الحلفاء الأوروبيين أساسًا وتذكيرهم بالتضحيات التي بذلتها الولايات المتحدة خلال الحرب وإلى الرأي العام الأمريكي؛ حيث بدأت ترتفع الأصوات المنتقدة لسياسة بوش التي تسير في اتجاه التضييق على الحريات باسم محاربة الإرهاب.

مجاملات ورفع حرج: وقد وجد الطرفان في التأكيد على محاربة الإرهاب حصان طروادة لمكاسبهما السياسية، ولهذا كان يغلب على جولة بوش الأوروبية طابع المجاملات، وفي فرنسا، استهل شيراك الأمر بتأكيد أن حواره مع بوش كان مكثفًا وصريحًا ووديًا، واندرج في صلب الحوار الذي نشأ بينناه منذ توليه لمنصبه، وقال شيراك: إن العلاقات الثنائية وأيضًا العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي جيدة سياسيًّا وضرورية لتوازن العالم وأساسية على صعيد الاقتصاد العالمي.

وهذا الخطاب المجاملاتي من شأنه رفع الحرج أمام الخلافات العميقة حول بعض القضايا الاقتصادية والمواقف السياسية فيما يتعلق بالوضع في الشرق الأوسط والعراق وقدسعى الطرفان للتقليل من حجم هذه الخلافات - والحديث عن أوجه التباين بين البلدين، ومن ضمنها القضايا التجارية والبيئية ومنها اتفاق كيوتو، حيث شدد الطرف الفرنسي على خطورة استهلاك أكثر مما يمكن لكوكبنا أن ينتجه.

وقد تجاوز رفع الحرج إلى تحجيم موجة الاحتجاج على السياسة الأمريكية؛ حيث أعتبر شيراك المظاهرات المناهضة للعولمة طبيعية ووسيلة تعبير وحقًّا ديمقراطيًّا، وأن المشاركين فيها هم عمليًّا أقلية، لكنه لفت إلى أن العولمة التي أكدت أهميتها وفوائدها تتطلب السيطرة على جوانبها الاجتماعية وضمان المساواة في إطارها، ومعلوم أن جولة بوش الأوروبية تمت تحت حراسة أمنية مشددة، حيث قوبلت بمظاهرات احتجاجية في كل محطة وخلال زيارته لفرنسا، شهدت باريس مظاهرتين، دعت إلى إحداهما منظمة «معًا ضد عقوبة الإعدام»، ورفع المشاركون فيها ١٥٢ دمية من الكرتون ترمز إلى الـ ١٥٢ شخصًا الذين أعدموا في ولاية تكساس عندما كان بوش حاكمًا للولاية، كما شهدت باريس مظاهرة أخرى ضمت أنصار الحركات السلمية والمنظمات المناهضة للعولمة، ورفعت خلالها شعارات تندد ببوش والحرب، وتدعو لوقف اغتيال الكرة الأرضية، ورفع التأييد الأمريكي عن السياسة الإسرائيلية والتنديد بالمجازر التي ارتكبها شارون في فلسطين المحتلة بأسلحة أمريكية. وفي مدينة «كان» في نورماندي تظاهر حوالي ١٥٠٠ شخص من بينهم رئيس «الكونفدرالية الفلاحية» جوزي بوفيه للتنديد بسياسة بوش والعولمة.

وهكذا فإن الطابع البارز لزيارة بوش إلى فرنسا تمثل في سياسة التقليل من حجم موجة الاحتجاج أوروبيًّا على سياسة بوش ومن حجم الخلافات الأمريكية الأوروبية مقابل المبالغة في التأكيد على الالتقاء في خندق واحد لمحاربة الإرهاب، بما من شأنه خدمة المصالح السياسية للطرفين، الأمر الذي يعطي للمحطة الفرنسية أهمية خاصة في جولة الرئيس الأمريكي.

الرابط المختصر :