; المؤامرة على الشعر | مجلة المجتمع

العنوان المؤامرة على الشعر

الكاتب الأستاذ أنور الجندي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1982

مشاهدات 60

نشر في العدد 557

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 19-يناير-1982

لما كان الشعر هو ديوان العرب، ولما كان عمود الشعر هر ركيزة أساسية في بناء القصيدة فقد بدأت المؤامرة أولًا على مضمون الشعر ثم ثنت على أسلوب الأداء. بدأت يوم أخرج من رسالته الحقة لتصوير المشاعر الخاصة و وصف الشعر الاجتماعي والسياسي كله بأنه شعر مناسبات، و علت الصيحة بأن مجال الشعر هو التعبير عن الذات.

كان هذا هو أخطر تحول حدث بالنسبة للشعر: ذلك هو القضاء على دوره التاريخي الخطير الذي سجل به أحداث الأمة و مواقفها إزاء الأحداث الجلى و استجابته إزاء الأزمات، و أخطرها موقفه من الغزوتين الصليبية و التتارية ومن الاستعمار الحديث.

وذلك الدور الضخم الذي قام به خلال العصر الحديث في الدفاع عن الوطن واللغة العربية والعقيدة ونقد المجتمع وحماية الخلافة والدفاع عن البلاد من أخطار الغزو الغربي و دفاعه عن الوحدة الإسلامية، و ذلك التنادي الواضح العميق الذي كان يهز به القلوب من بغداد إلى مَرَاكِش إذا ما ألمت بها الحادثات هنا أو هناك كما عبر عن ذلك شوقي و حافظ في عديد من قصائدهما.

و لقد كان هذا أخطر ما واجه النفوذ الأجنبي الذي استطاع عن طريق ذلك الجيل من اتباعه المتغربين ومن القناطر التي كانت تخاصم الاستعمار سياسيًا و تستجيب لفنونه و آدابه و أساليبه في التعبير و الأداء وتأخذ مذاهبه في نقد الأدب، هذه القوى التي لم تلبث أن حملت على هذا الشعر السياسي و الاجتماعي حملة شعراء في دعوة عريضة مُضادة إلى الشعر الذاتي و التعبير النفسي الخاص، و بذلك تبعد ذلك الصوت الضخم القوى الأداء الذي آزر الحركات الوطنية والإسلامية و واجه الاستعمار والنفوذ الغربي والصهيونية.

هذه هي الضربة الأولى التي وجهت إلى ديوان الشعر، ثم جاءت مرحلة أشد خطرًا هي مرحلة الشعر المنشور أو قصيدة النثر تلك الدعوى المسمومة التي حمل لواءها الماركسيون والشعوبيون لإخراج الأدب العربي من عامود الشعر ومن كل الآثار القوية الضخمة التي أثر بها محيط الإسلام ومجتمع المسلمين.

وقد وصف شاعر عربي أصيل معاصر هو عمر أبو ريشة هذه الظاهرة بأنها موجة مُنحسرة و ظاهرة مرضية، و أنها صناعة وافدة، و أن الصهيونية حتمًا وراء هذا الشعر، فالصهيونية هي مبتكرة البدع و الهرطقات في هذا المضمار أو ذاك لملء الفراغ عند الشباب و لمنعهم من العودة إلى التراث و الأصالة، وإذا كان كل الناس قرأوا التوراة و الإنجيل والقرآن فإنني أشك في أن الكثيرين قرءوا التلمود؛ اقرأ التلمود و ستجد فيه تفسيرًا لهذه الرخاوة وتجد أن اليهود وراء هذا النوع من الأدب.

ويقول الدكتور عبد المنعم خفاجي عندما تنظر إلى شعرنا العربي تجد أنه كان عموديًا طيلة حياته التي تمتد أكثر من ألفي عام، و أن كل التجديدات التي دخلت عليه في جميع العصور كانت تلتزم بهذه العمودية أو تسير في إطارها، و إن هذا الشعر العربي الذي أصبح صورة فكر و تراث و حضارة و أمة.

 قد جاءنا اليوم من يدعون إلى التخلي عن هذه العمودية كليًا لتسير على نظام التفعيلة وحدها والتبعد بالشعر عن أصول العمودية وعن موسيقاه الشعرية كذلك هناك من يدعون إلى تحطيم هذه العمودية ونبذ جميع شعرائها في القديم والحديث والنظر إليهم على أنهم متخلفون لا يصح أن تسير على منوالهم، و ليس وجود شعراء يكتبون شعرهم على التفعيلة الواحدة معناه إلغاء الشعر العمودي كله قديمه و حديثه، و نبذ هذا الشعر وتسفيه شعرائه و رميهم بالقصور والتخلف.

أما الدكتور محمد محمد حسین فإنه يفصل القول في هذه الظاهرة الخطيرة يقول: إن الشعر الحُر في أصل نشأته شعبة من اتجاه عام يدعو إلى تقليد الغرب في فكره و حضارته، فإطلاق الشعر من القافية التي ظل يلزمها طوال هذه القرون منذ عرفنا الشعر العربي دعوة تستمد حججها و مبرراتها من الشعر الغربي الذي لم يعرف القافية إلا في حدود ضيقة من آثار احتكاكه و تأثره بالأدب العربي في الأندلس، و لماذا الحرص على تسمية هذا النوع من الأدب شعرًا؟ إنه أدب نثري و لم يقل أحد أن الأدب النثري يخلو من التصوير ومن التأثر و التأثير العاطفي بل إنه حين يخلو منهما لا يصح أن تعتبره أدبًا على الإطلاق. إن هذا الحرص على تسميته شعرًا لم يجئ إلا من اعتباره شعرًا عند الغربيين وهو على كل حال أخذ في التراجع و التقلص و قد بدأت موجته في الانحصار بعد أن بلغت ذروتها في العقدين السابقين من هذا القرن.

وكان كل ما تركته من أثر هو ضعف هذا الجيل و عجز أكثره عن تذوق الشعر العربي الأصيل في تراثه الطويل، و كان مما فتن أصحابه أنهم تصوروا أنفسهم أنهم أصبحوا شعراء عالميين بعد أن تُرجم بعض شعرهم للغات الأوروبية كأنهم يكتبون للغرب ولا يكتبون لقومهم من العرب، و كأن شرطًا من شروط الأدب الجيد أن يكون مقبولًا عند غير أهله، و لعل هذه الترجمات كانت وجهًا من وجوه المُخطط الذي يغري بترويج هذا الاتجاه الذي ينتهي إن نجح إلى قطع ما بين حاضرنا الأدبي و بين تراثنا من صلات.

و لقد كان أصحاب هذا الاتجاه يدافعون عن مذهبهم بحجج أبرزها اثنتان:

- إنَّ القافية قيد يلتزم به الشاعر على حساب عناصر الشعر الأخرى من فكر و صور وعاطفة.

- و إنَّ إغلاق باب التجديد و تقييد حرية الفنان في ابتكار ما يناسبه من قوالب و أساليب يشل انطلاقته و ينتهي إلى حال من الركود و الجمود تخلف معها الشعر و تراجع.

و الرد على الحجتين سهل يسير: أما الحجة الأول فهي لقلة الضعفاء الذين يعجزون عن النهوض بأعباء الشعر من كل جوانبه وعناصره، و قد نهض بها الفحول من الأقدمين فما رأينا في شعرهم جورًا على الفكر و الصور بسبب التزام القافية.

وفن الشعر للقادرين عليه، و في النثر مُتسع لغير القادرين و البعد من ميدان الأدب جملة أولى بالعاجزين.

أما عن دعوى التجديد و حرية الفنان فقد توفرا دائمًا على مدار القرون و في مختلف العصور والبيئات. فجدد شعراء العرب و ابتكروا ما ابتكروا و أضافوا في حدود طبيعة الشعر العربي، و مع التزام مقوماته الأصلية فاختلفت ألوانه باختلاف العصور والبيئات. ومع ذلك فقد كان هذا الابتكار في أشكال الشعر و قوالبه و قوافيه قصير العمر، و لم يلبث الشعر أن عاد إلى النبع الأصيل ولا شك في أن دعوى الحرية بلا قيود في أي جانب من جوانب الحياة هي دعوى تقوم على سذاجة الداعي إليه أو سوء قصده؛ فليس هناك حرية مُطلقة للإنسان ولا لشيء من خلق الله و ليست الحرية المطلقة إلا الهوى.

ومن سنن الله الكبرى أن يكون الناس شعوبًا وأُممًا، و أن يكون لكل أمة لسانها الخاص و مزاجها و تقاليدها و الفنون على اختلافها انتماء قومي، و شرطها الأساسي أن تجمل عند قومها أولًا و قبل كل شيء، و ليس مُهمًا بعد ذلك أن تجمل أو تحسن عند غيرهم و الكلام عن الإنسانية في هذا المجال وعن العالمية ضار جدًا وهادم لأسباب النهضة عند الأمم الضعيفة بنوع خاص؛ لأنها لا تقوم لها نهضة إلا على مغارسها و أصولها الأولى، و النهضة على غير هذا الأساس فناء لذات العنصر الأضعف في العنصر الأقوى.

هذا وقد حمل معه الشعر الحر جميع سموم الفِكر الغربي من تشكيك و لاأدرية و انحلال ومعاني مرتجلة ساذجة، و حاول ابتعاث تراث قديم من الأساطير الذي جاء الإسلام للقضاء عليها و إعلان أنها من مخلفات عصر طفولة البشرية و حاملة كل ميكروبات الوثنية والمادية والتعدد والإباحية وهذه ما يسمونه الحاجات في المستحدثة أو حاجيات الحياة المعاصرة، و لقد نشأ هذا التيار و نما قليلًا في مرحلة الضعف والهزيمة والنكسة وجيل الضياع الذي صنعته مفاهيم الماركسية و الوجودية و الفكر المادي،  وكان القادة الذين قلدهم العرب هم كافكا و بودلير و نيتشة، و كلهم من نتاج النظرية الفردوية الجنسية واليهودية الماركسية الكارهة للعالم المحتقرة للإنسان، الرامية إياه بصفات الحيوان والمادة والرافضة لكل قيم الإنسانية والأخلاق والرحمة والجمال، ويقول الأستاذ نزيه ضاحي إن الدعوى التي يحملها أهل

هذا الشعر إنما ترمي في صميمها إلى هدم قواعد الأدب العربي و البلاغة العربية و ذلك عن طريق هدم عمادها اللغوي، وما استعمال شعارات التقدمية و الثورية و الطليعة إلا مجرد ستار لأشكال شاذة و مضامين منحرفة، و إن الشعر الجديد حافل بالصور الملحدة والتفاهات والتقاليع التي تركب كل موجة يدفع بها الغرب إلى شاطئ العرب، و إن رواده الذين يرفعون في مسيرتهم الشعرية هذه بنود التحرر إنما يقومون من تحتها بمهاجمة الإسلام، و قد اتخذه الشعوبيون و المنحرفون عن الخط الإسلامي العربي مَطيَّة لتحقيق أغراضهم المشبوهة، ولا ريب أنه حرب صليبية تعتمد على الاستعمار الجديد الذي يشجع الإباحية والفوضى و الانفلات من كل القيود والقيم و المُثُل الأخلاقية والقومية، وهو في الأساس دعوة هَدَّامة خطيرة ترمي إلى إفسادالبناء الشعري للشعر العربي كمقدمة للقضاء على مقومات اللغة العربية باسم الثورة والتجديد والانطلاق، و إن الذين يكتبون هذا النوع من الشعر لا يكتبونه عن اقتناع حقيقي بجدواه وتفوقه على الشعر العمودي القديم و إنما لعجزهم عن امتلاك القدرة على النظم بالشكل التقليدي.

 الشعر الجديد ليس شعرًا جيدًا أو رديئًا و إنما لا يُعد من الشعر على الإطلاق! و ذلك لخروجه التام على الصورة التقليدية للقصيدة العربية و الغموض صفة أساسية فيه و هي غاية في حد ذاتها، ومعظم أفكاره مبهمة لا معنى محددًا لها و لا تتجاوز كونها ترهات لا فائدة منها، و طلسمات لا يعرف أحد لها حلًا.   وإن الشكل الجديد لهذا الشعر يهدم الموسيقى الشعرية للقصيدة العربية و يعيث فسادًا في أصول اللغة من اشتقاق و إعراب، و يحول الشعر إلى نثر حقيقي عن طريق اعتماده على الإيقاع الموسيقي فقط لا الوزن العروضي كما هو مفروض، ولا شك أن الأذن العربية تنفر من الإلغاء العام للقافية، و ترفض الخلط في البحور في القصيدة الواحدة فضلًا عن الاتهام الوارد بالتصنع و الميوعة و الإسفاف...

وقد عادت نازك الملائكة فحملت على الشعر الحر حملة شديدة و قالت إنه مشحون بالأخطاء الوزنية و العَروضية، وهو يفقد بإلغائه للقافية الواحدة من الأبيات رنينه و موسيقاه و تدفقه الشعري الرقيق، و يضع في طريق التدفق الجنادل و الصخور التي تعكر صفوه ونقاءه.

وقد قامت محاولات مُضلة قادها طه حسين و النويهي و لويس عوض وغالي شكري لتأييد هذا الاتجاه و تبين فساد ما ذهبوا إليه من دعوى عريضة بأن الشعر الجديد ينقذ الشعر العربي من العقم و الإجداب، و يفتح أمامه ميادين واسعة من النمو و التطور.

 وها نحن اليوم نستطيع أن نكتشف عصارة المحاولة التي كانت مصدرًا حقيقيًا للإجداب و العقم، و أن هذه العناصر الأجنبية لم تقدم شيئًا ذا بال في الشكل أو المضمون، و لم يبق الآن يحكم عليهم النقد العربي الأصيل بأن هؤلاء الشعراء يهملون الصباغة الفنية للشعر العربي و يبالغون في تقليد الشعراء الغربيين و يهجرون الأساليب العربية الأصيلة.

وقد أثبتت الدراسة التي أصدرتها جامعة هارفارد في الأدب المُقارن أن شعراء التفعيلة و منهم صلاح عبد الصبور وغيره مُتأثرون بالتيارات الأوروبية في شعرهم ومسرحهم و أبرزه الإغراق في الغموض و الجري وراء مفاهيم الفلسفات الباطنية، و إذا راجعنا الشعر الحر اليوم بعد ثلاثين عامًا وجدناه شيئًا لا قيمة له في مقاييس تاريخ الأدب إلا أنه آخر النهضة الحقيقية للشعر العمودي الأصيل.

الرابط المختصر :