; المؤتمرات الدولية.. والخطوط الحمر.. وصراع القيم | مجلة المجتمع

العنوان المؤتمرات الدولية.. والخطوط الحمر.. وصراع القيم

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-2000

مشاهدات 61

نشر في العدد 1411

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 01-أغسطس-2000

  • قضايا الأسرة تقع في مقدمة الخصوصيات الفردية والوطنية والحضارية فلم تؤيدون الاعتداء عليها يا من تزعمون أنكم دعاة الحرية؟

  • عند اتخاذ موقف من المؤتمرات الدولية ينبغي التمييز بين شروط انعقاد كل مؤتمر على حدة، والقضايا المطروحة فيه وأهدافه القريبة والبعيدة وأساليبه ووسائله.

  • العلاقات الدولية اخترقت الخطوط الحمر بالسماح بالاعتداء على الممتلكات والثروات المعنوية من معتقدات وقيم وتصورات ومناهج وثوابت حضارية.

اللقاءات الدولية هي إحدى الساحات السياسية للعلاقات الدولية منذ نشأة الأمم المتحدة على الأقل، ورغم ذلك فمنذ مطلع التسعينيات الميلادية ومع نهاية الحرب الباردة، لا يخفى على أحد أن هذه الوسيلة التقليدية، لم تعد تقليدية محضة، بل اكتسبت عناصر إضافية جديدة وخطيرة، ويمكن القول إن هذا الجديد الطارئ هو الذي يثير القلق والجدل على نطاق واسع، ولاسيما في البلدان الإسلامية.

نحتاج إلى قدر كبير من الروية والتأمل لتحديد معالم صورة واضحة، يمكن التمييز فيها بين عناصر هذه الظاهرة، مما أصبحنا نعطيه أوصاف الضروري والمحظور، والإيجابي والسلبي، والنافع والضار والحسن والقبيح، وما يحقق المصلحة وما يتناقض معها.

وينبغي أن نخلص القضية من مفعول ما يثار مع كل مؤتمر دولي يعقد من ضجيج حقيقي أو مفتعل، حتى أصبحنا وكأن المقصود هو الضجيج في حد ذاته، مما يؤدي إلى الانشغال عن المضمون وعن التعامل الأصلح معه، استفزازات متواصلة أصبح مجرد الاشتغال بها يحقق الغرض منها، إذ يجعلنا بصفة دائمة في مرحلة إعداد لمعركة ماء حتى بات الانشغال بتشكيل الجبهات، وتعبئة الصفوف، وإعلان المواقف، يطغى على أصلالموضوع الذي انعقد مؤتمر ما من أجله.

وربما رأينا علاقة ما بين ذلك الغبار المثار والضجيج الدائب، وبين ما نرصده في الآونة الأخيرة من أننا نسجل أحيانًا إخفاق بعض المؤتمرات الدولية في تثبيت نصوص رفضناها وتصورات عارضناها، ومع ذلك يمضي المؤتمر ثم نرى رأي العين أن ما رفضناه وعارضناه ولم يقره المؤتمر أصلًا، أو لم يقر كثيرًا منه، يجد طريقه بصورة أو بأخرى إلى التنفيذ على المستويات الدولية والوطنية، وبما يشمل بعض بلداننا التي شاركت في الرفض والاعتراض، فأين الخلل؟ وأي معركة تلك التي يخوضها من يخوضها من منطلق إسلامي، حسبما يعلن على الأقل؟

 الانحراف في المؤتمرات الدولية: 

أول ما يلفت النظر عند التأمل الموضوعي في القضايا المطروحة في المؤتمرات العالمية الشاملة التي توصف أحيانا بالقمم الدولية، بغض النظر عن مستويات المشاركة فيها أن تلك القضايا تنقسم إلى ثلاث نوعيات مختلفة:

النوعية الأولى: قضايا عالمية مشتركة:

 بالفعل، مثل قضية البيئة التي طرحت أولًا في «قمة الأرض»، وكذلك التجارة الدولية التي أفضت مؤتمراتها القديمة والجديدة إلى إنشاء منظمة التجارة الدولية، ويسري ذلك أيضًا على المؤتمرات المتعلقة بالحد من التسلح كحظر الألغام الأرضية ضد الأفراد وحظر التجارب النووية.

في هذا الصنف من المؤتمرات يمكن أن نسجل إجحافًا كبيرًا يستند إلى تحكيم موازين القوى العالمية المختلة فيما يجري من مفاوضات، وما يتخذ من قرارات ومع ذلك تبقى القضية في حد ذاتها من القضايا التي يجب نقاشها عالميًا، وعندما تستقر الأوضاع على موازين جديدة عادلة، فسوف تكتسب تلك المؤتمرات طاقة جديدة وتوازنًا كافيًا لتحقيق مصالح بشرية مشتركة بالفعل. 

النوعية الثانية: قضايا قديمة نسبيًا، ولكنها تطرح حاليًا بمضامين وأساليب جديدة، وأبرزها حقوق الإنسان وحرياته كما طرحتها قمة فيينا العالمية، فقد كان القسط الأعظم من المضامين وفق ميثاق عام ١٩٤٨م متفقًا عليه وأساسا للتعامل الدولي بغض النظر عن درجات الالتزام به رغم إدراك سائر الأطراف أنه توجد في قضايا حقوق الإنسان وفق صياغتها في الميثاق الدولي عناصر مختلف عليها عالميًا، وأبرز الأمثلة عقوبة الإعدام، ولم يمنع وجود تلك العناصر الخلافية من التعامل الدولي فيما سواها، أما الآن فتطرح قضايا حقوق الإنسان في قالب من صنع العولمة، وبخاصة صنع الجانب المنحرف من مسيرتها، فأصبح المطلوب فرض التصورات الغربية عالميًا، مع أن تلك التصورات وتطبيقاتها تتبدل في الغرب جيلًا بعد جيل، على حساب ثوابت القيم المتآكلة تدريجيًا، فليس ما يسعى لتعميمه عبر المؤتمرات الدولية هو ثوابت الغرب في ميدان حقوق الإنسان وحرياته وفق ما بدأ يظهر منها قبل مائتين ونيف من السنين، إنما يراد تعميم حالة «الانفلات من الثوابت» التي اتخذت شكل معركة اجتماعية، داخل المجتمعات الغربية نفسها، يجري تحويلها إلى «معركة دولية» عبر القمم العالميةالعملاقة.

ونظرًا إلى أن الخلاف في بعض جوانب هذه القضايا -كما يظهر من مثال عقوبة الإعدام- خلاف صادر عن معطيات أولية ثابتة في كل مجتمع من المجتمعات على حدة، فقد أصبح محتمًا أن أسلوب الطرح الجديد الذي ارتدى في المؤتمرات الدولية الثوب الغربي للعولمة، يؤدي إلى نزاعات جديدة في ميادين حقوق الإنسان وحرياته، ولكن لا تصدر تلك النزاعات كما تصورها بعض الحملات الغوغائية، نتيجة وجود جبهتين متقابلتين إحداهما ترفض الحقوق والحريات الإنسانية، والأخرى تحتضنها وتدعو إليها، ففي مثل هذا القول مسخ يزور حقيقة الخلاف واختزال يشوه القضية بمجموعها، إنما يشهد الواقع وتؤكد الدراسات المنهجية، أن المشكلة كامنة في أشكال تطبيقية معينة مرفوضة، فبعضها ناجم عن انحراف في مسيرة القيم، كما في معظم أنحاء الغرب، حيث تنتشر حريات لا يستهان بقيمتها،ولكن يدفع الإنسان الغربي لها ثمنًا من إنسانيته لا يستهان به أيضًا وبعض التطبيقات المرفوضة الأخرى ناجم عن انحراف في التنكر للقيم نفسها، كما في معظم البلدان ذات الأنظمة الاستبدادية والشمولية، وبين هذين الانحرافين، لا يمكن للمؤتمرات الدولية حول القضايا القديمة الثابتة كحقوق الإنسان وحرياته أن تسلك طريقًا متوازنًا موصلًا إلى أهداف قويمة مادامت تخضع لمفعول الانحراف نفسه، سواء من جانب طرف واحد أو من جانب الطرفين معًا، بل لا بد من تحرير تلك المؤتمرات الدولية من سيطرة سائر أشكال الانحراف بما في ذلك الانحراف بمسيرة العولمة منذ بدء تحويلها من ظاهرة تطور تاريخي باتجاه تشابك العلاقات البشرية، إلى جزء من سياسة الهيمنة والسيطرة عبر تسويد كل ما هو غربي من عالم القيم وعالم المصالح وعالم المناهج على السواء.

النوعية الثالثة: قضايا جديدة مضمونا وهدفًا وأسلوبًا، وهو ما يثير النزاعات الشديدة أكثر من سواه، وهو ما كان إقحامه على جداول أعمال المؤتمرات الدولية خطأ، تسبب في أزمات محتمة وليس مكمن الخطأ في كون القضايا المطروحة جديدة،، بل في كونها لا تصلح للطرح على مستوى دولي، ولا يمكن تحويلها عن طريق مؤتمرات دولية ولا عبر اتفاقات ملزمة أو توصيات شبه ملزمة، إلى أرضية مشتركة للأسرة البشرية،، وتوجد أمثلة عديدة على هذه النوعية من القضايا وتكفي الإشارة هنا إلى أبرزها للعيان، وهو ما يتعلق بالأسرة وبالعلاقة بين الجنسين، والقول بعدم صلاحية هذه القضايا للمؤتمرات العالمية الشاملة يستند فيما يستند إلى مبادئ الحريات والحقوق الإنسانية الأساسية من المنطلق العلماني الوضعي.. فهي حجة على الذين يعطون الحرية المكانة الأولى في مقالاتهم، ويعلمون أن قضايا الأسرة في مقدمة الخصوصيات الفردية والوطنية والحضارية لأي أمة من الأمم ثم يريدون تعميم نمط معين من الفهم والذوق والسلوك على سواهم، ويسلكون لذلك مختلف سبل الإكراهوالضغوط والابتزاز.. إن المؤتمر الدولي يتحول قبل انعقاده وبدء المداولات فيه إلى ساحة اعتداء مباشر على الحريات الشخصية والاجتماعية التي يزعم الطرف المتعدي أنه يريد حمايتها.

من أي زاوية نظرنا إلى هذه النوعيات الثلاث من القضايا المطروحة، يظهر لنا زيف شعارات الدفاع عن الحقوق والحريات من جانب قطاع كبير ممن يتخذون من المؤتمرات الدولية الآن مدخلًا لفرض ما لديهم من أنماط للمعيشة - ولا نقول من قيم أو مناهج - على سواهم رغم ما يرافقها في مجتمعاتهم هم من أمراض وأوبئة اجتماعية معروفة،ولكن يجب بالمقابل التأكيد على أن هذا الزيف المرفوض لا يعطي الطرف الآخر، أو قطاعًا كبيرًا منه أي حجة أو مبرر، عندما يرفض الحقوق والحريات الأساسية ابتداء، وقد يجعل من رفض ميادين ذلك الاعتداء الخارجي على الخصوصيات الحضارية والثقافية، ذرائع لممارسة اعتداءاته على الإنسان، سواء في ميدان الأسرة والفرد، أو في الميادين العامة السياسية والاقتصادية والفكرية وسواها،

والحصيلة: لا يفيد ولا يصح التعامل مع سائر المؤتمرات الدولية، كما لو كانت نسخة طبق الأصل عن بعضها بعضًا، أو كما لو كانت القضايا المطروحة فيها تدور جميعًا على محور واحد، إنما ينبغي التمييز بين شروط انعقاد كل مؤتمر في حد ذاته، وبين القضايا المطروحة فيه، وكذلك التمييز بين ما هو من الأهداف البعيدة أو القريبة وما هو من الأساليب والوسائل.

تغريب «العولمة»:

تتناول المؤتمرات الدولية قضايا الفرد والأسرة والقيم الأساسية في حياة الإنسان بصورة مباشرة نظرًا إلى أنها تنعقد لهذا الغرض، كما كان مع مؤتمر المرأة الأخير في نيويورك، ومن قبل في بكين أو لغرض له علاقة فعلية مع قضايا الأسرة كما كان مع مؤتمر السكان الدولي في القاهرة أو تتناول تلك القضايا رغم عدم وجود علاقة مباشرة، وقد تستند إلى تشابك العلاقات البشرية ومجالات الحياة الإنسانية، وهي حجة كاذبة وليست واهية فقط، ويظهر أمرها في أي مؤتمر دولي عندما يرفض القائلون بهذه الحجة مناقشة بعض قضايا التمويل مثلًا، مطالبين بتحويله إلى الجهات المتخصصة في ذلك في إطار العلاقات الدولية کصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أي حيث تكون لهم الكلمة الفصل ولكن غالبًا ما يكون إدراج قضايا الأسرة والفرد من مستوى العلاقات بين الجنسين، في تلك المؤتمرات الاقتصادية والتقنية والبيئية والصحية وغيرها بأسلوب فتح الثغرات التي تحول القضايا الحيادية في الأصل ، إذا صح التعبير والمطروحة على بساط البحث كقضايا التنمية إلى قضايا خلافية فترهنمناقشتها والتوصل إلى اتفاقات ما بصددها، بتلك القضايا الأخرى ذات العلاقة المباشرة بالقيم الذاتية الفردية والاجتماعية كقضايا العلاقات بين الجنسين،وهذا ضرب من ضروب الابتزاز على مستوى دولي «رفيع»، وهو ما كان مرافقًا لمعظم المؤتمرات الدولية المعنية، وعلى وجه التخصيص تلك التي تتناول قضايا تهم البلدان النامية، بدءًا بمؤتمر قمة الأرض - أي مؤتمر البيئة والتنمية - في ريو دي جانيرو في مطلع التسعينيات الميلادية، وحتى المؤتمر الدولي الثاني للتنمية الاجتماعية في جنيف في منتصف عام ۲۰۰۰م،، آخر المؤتمرات العملاقة انعقادًا حتى كتابة هذه السطور.

هذا السلوك الدولي بأشكاله المتعددة تجاوز مستوى الاعتداء المتواصل على «الممتلكات والثروات المادية»، كما عرفته أشكال الاستعمار القديم والحديث، العسكرية والسياسية والاقتصادية، إلى مستوى الاعتداء المباشر على «الممتلكات والثروات المعنوية»، من معتقدات وقيم وتصورات ومناهج وثوابت حضارية، على اختلاف أشكالها وتعدد تنوعها البشري، وهذا بالذات ما يستحق وصفاختراق الخطوط الحمر في العلاقات الدولية.

وعلى الدوام عبر العصور التاريخية كان المساس بالخطوط الحمر في أي ميدان سببًا في نشوب الصراع محليًا ودوليًا، ومنذ تحركت المؤتمرات الدولية في تلك الساحات الجديدة واخترقت الخصوصيات ذات الصبغة الفردية والدينية والحضارية والوطنية، وحتى الجغرافية كان لا بد أن تزداد أسباب النزاع والصراع تأثيرًا على الساحة العالمية. 

ومنشأ المشكلة معروف، كامن في انحراف تقويم نهاية الحرب الباردة من جانب أصحاب الاتجاه الرأسمالي الذي يمثل مع الاتجاه الشيوعي المنهار الركيزتين الرئيستين في إطار الخصوصية الحضارية الغربية الواحدة،وكان الحدث في حد ذاته انتصارًا للمنهج الرأسمالي الوليد الأول للحضارة الغربية على المنهج الشيوعي، الوليد الثاني المتمرد على الرأسمالية من داخل نطاق الانتماء الحضاري المشترك وليس المتمرد ضد الانتماء نفسه كان الانتصار أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا وماليًا، أما أسبابه وما مهد له وأدى إليه فيمكن أن تتعدد فيه الاجتهادات والآراء، ومن هنا فإن أكبر الأخطاء المنهجية الغربية منذ مطلع التسعينيات، كان في اعتبار ذلك الانتصار أوسع نطاقًا مما هو عليه! لقد اعتبر الغرب الرأسمالي انتصاره على الشيوعية «انتصارًا عالميًا» فكريًا وجغرافيًا، وكما انساح الغرب عسكريًا باتجاه الشرق وورث- اقتصاديًا وماليًا- الهياكل الشيوعية المتفككة، بدأ بالانسياح عسكريًا واقتصاديًا وماليًا على المستوى العالمي، ويمكن القول إن نشوة الانتصار على الشيوعية - رغم أنه انتصار منهج على منهج في مدرسة واحدة - ساهمت في صياغة الانحراف الأكبر على صعيد تقويم الانتصار، إذ اعتبر انتصارًا للفكر والثقافة والقيم، وتعديا نوعيًا، يتجاوز ميادين المال والاقتصاد والأمن، كما كان اعتباره انتصارًا عالميًا شاملًا تعديًا جغرافيًا، أيضًا، ليشمل الكرة الأرضية، والأصل أنه انتصار محصور في نطاق ذلك الشريط الأرضي من شمال المعمورة ما بين كاليفورنيا وشرق سيبيريا .

ليس غريبًا في هذا الإطار أن تتحول المؤتمرات الدولية من وسيلة لطرح قضايا مشتركة في الساحة العالمية، إلى وسيلة لطرح تلك العلاقات من منظور غربي أولًا ، وبأسلوب الابتزاز والإكراه والضغوط ثانيًا، وعبر توظيف الانتصار على الشيوعية لتحقيق انتصار عالمي ثالثًا.

 والحصيلة:أن ما حمل عنوان العولمة منذ مطلع التسعينيات الميلادية، وكانت المؤتمرات الدولية أحد أشكاله، كان في الواقع منعطفًا آخر من منعطفات الانحراف بمسيرة ظاهرة العولمة إذا اعتبرناها اصطلاحًا ظاهرة وهو منعطف يشبه من حيث مفعوله ما سمي عصر «الاستكشافات الجغرافية» أول محاضن الحملات العسكرية الاستعمارية فآنذاك بدأ عنصر الهيمنة يغلب على عنصر التوازن والتبادل والتكافؤ بين أطراف العلاقات البشرية، والآن يتجلى مغزى المنعطف الشديد في أن استغلال سقوط الشيوعية وتزامنه مع ثورة الاتصالات الحديثة بات مدخلًا إلى تمكين الهيمنة -أو الاستبداد الدولي - من «صناعة الإنسان» نفسه فكرًا وثقافة وأخلاقًا وقيمًا ومعتقدات، بعد أن كانت متركزة على ممتلكاته وثرواته المادية من قبل. 

المرجعية في القيم الإنسانية:

من أشد المفارقات خطرًا في هذا الوضع الجديد، وفي المحاولات الغربية الدائبة للانسياح جنوبًا بمختلف الوسائل، ومنها المؤتمرات الدولية أن الصراع القائم مطروح، غالبًا كصراع «قيم»، وهو ما سلم به أيضًا كثير من المدافعين عن القيم غير الغربية عمومًا، والقيم الإسلامية على وجه التخصيص،بينما نواجه على أرض الواقع الغربي حقيقة ضمور سائر ما يرتبط بالقيم ومفعولها تحت وطأة سيطرة المصالح المادية في البنية الحضارية الغربية الراهنة، ويمكن وصف ما بقي منها على أنه القالب التقنيني لا المضمون الفعلي، مثل قوانين مكافحة انتهاك «حقوق الإنسان»،، بينما يستمر انتهاكها بصور عديدة وجديدة، ولا يعني ذلك إنكار الحاجة إلى التقنين ولكن المشكلة أن المرجعية في التقنين ليست مرجعية القيم التي تحدد حقوق الإنسان وحرياته، بل هي مرجعية المصالح المادية التي تتحكم في توجيه مرافق الحياة المختلفة، بدءًا بالدعاية الانتخابية بأسلوب الدعاية للبضائع وانتهاء بعملية التشريع القانوني عبر مراكز النفوذ وجماعات التأثير «اللوبي».

لقد فقد الغرب مفعول «منظومة القيم» وفقد بذلك الشرط الموضوعي، لأن يكون هو مرجعية القيم على الصعيد البشري الشامل، وباتت العوامل التي تتحكم في صناعة القرار يوميًا في مختلف ميادين العلاقات هي العوامل المادية التي لا تترك لسواها سوى مجال ضيق، يصح وصفه بورقة التوت الممزقة.

بقي من الحريات والحقوق هياكل مغرية،ولكن تعبئة تلك الهياكل بمضامين تحقق السعادة الفردية والجماعية أمر يخضع لمفهوم صناعة البضائع وترويجها، فإذا تعارض الهدف المادي مع قيمة من القيم، لم تكن النتيجة حظر تلك البضاعة بل تبديل القوانين بما يسمح بها، كما يشهد على ذلك مسار ما سمي في الغرب بالثورة الجنسية منذ أواخر الستينيات، إذ بدأت ببضائع محظورة وتمرد أقلية تتبناها، فنشأت عن ذلك سلسلة  من عمليات تغيير القوانين حتى وصلت إلى انضمام البلدان الغربية التي لم تكن قد انضمت من قبل إلى عملية تقنين المساواة بين علاقات الشذوذ الجنسي والمؤسسة الأسرية وهي لم تكن استجابة لمطالبة الغالبية بالتغيير، بل دفعت إليها أمور تتصل بالمصالح الصناعية والتجارية في ميادين الإباحية والدعارة، والمخدرات، والرقيق الأبيض، مما يبلغ حجم ميزانياته مئات المليارات سنويًا.

والحصيلة: لا يمكن مواجهة المشكلة القائمة في المؤتمرات الدولية بالحديث مثلًا عن أخطار الانحلال والإباحية في الغرب، إذ لا يمكن أصلًا التأثير بذلك على مجتمعات تعتبر تقنين الانحلال والإباحية إنجازًا جديدًا يستحق التعميم عالميًا، هناك «فراغ قيم» في المجتمع الغربي المهيمن على صناعة القرار الدولي والحديث عن وجود «فراغ قيم» يطرح تلقائيًا السؤال عن أسباب العجز عن ملئه، وينبغي  الإشارة أولًا إلى أن كلمة العجز هنا نسبية، فالواقع المشهود هو أنه حيثما توافر قدر من المعرفة ببعض جوانب الإسلام وقيمه الإنسانية داخل المجتمعات الغربية، ازداد الإقبال عليه ولاسيما في أوساط الشبيبة، على أن لهذا العجز  النسبي أسبابًا ذاتية لا يتسع المجال للخوض بالتفصيل فيها ولكن يمكن ذكر بعض الخواطر حولها في إطار عناوين موجزة:

 ۱- نشر منظومة القيم وبالتالي الضوابط اللازمة للتقدم المطلوب بمختلف أشكاله لا يتحقق تلقائيًا بل من خلال مفعول المعايشة لآثار تلك القيم، ومادامت مظاهر التقدم الحقيقي مفتقدة على صعيد المسلمين، لا يمكن أن يرى سواهم نموذجًا يعرفهم تعريفًا عمليًا بالمضامين التي تعتبر بديلة بالنسبة إلى ما نشأوا عليه.

۲- رغم وضوح موقع القيم في المصادر الإسلامية الحالية ولاسيما من حيث دفعها لعجلة التقدم بما يجلب المنفعة للإنسانبما فيها المنفعة الدنيوية، وما يدفع الضرر عنه في حياته الدنيوية أيضًا، كمدخل إلى الخير الخالد في الآخرة، فقد غلب على عرض منظومة القيم، عنصر التحريم والحظر على عنصر « البناء والعطاء» بصورة حجبت المزايا الإسلامية الكبرى من قبيل أن أصل الأشياء الإباحة، وأن: الحرج شرعًا مرفوع، وأن تحريم الحلال كتحليل الحرام،،، وغيرها.

3- لا يشكل المسلمون بمنظور عالمي وفي العلاقات الدولية المختلفة مجموعة بشرية متجانسة إلا على صعيد التخلف والتمزق، فالصراع - وهو سمة رئيسة من سمات بنية الحضارة الغربية - غلب على المسلمين في ديارهم، ولا يمكن دون العودة إلى الاجتهاد الإيجابي الناشط الفعال من جهة، وإلى تعايش الاجتهادات في أمة متجانسة من جهة أخرى، أن يمارس المسلمون بقيمهم تأثيرًا فعالًا على المستوى الدولي.

ويبدو كأننا هنا أمام معضلة تتمثل في عدم إمكان الدفاع عما لدينا ناهيك عن تبليغه، إلا بعد أن يأخذ مكانه داخل نطاقنا، وفي الوقت نفسه لا ينتظر تبدل الأوضاع الدولية ووقف هجمة الاستبداد الدولي تحت رداء العولمة، وقد وصلت أعماق بيوتنا، دون تبليغ ما لدينا والتأثير في الوسط الدولي القائم.

وهذه معضلة ظاهرية فقط،فاستقراء التاريخ يؤكد التكامل بين المهمتين واعتماد إحداهما على الأخرى، وما تحقق تغيير جذري في مسيرة الحضارات البشرية المتعاقبة إلا في ظروف ومنطلقات مشابهة،ليست المشكلة هل يمكننا النهوض بأمانة مسؤولية البناء أم مسؤولية التبليغ، بل هي في كيفية النهوض بهما معًا، وكيفية توظيف الإنجازات الممكنة في كل منهما للارتفاع بمستوى الإنجازات، ليتكامل ما يتحقق على الصعيد الذاتي من حيث التزام القيم وتحقيق المنجزات المادية مع ما يتحقق على صعيد العلاقات البشرية من حيث العودة إلى مرجعية القيم الإنسانية المشتركة ابتداء من الفرد والأسرة، وانتهاء بالدولة ودائرة الأسرة البشرية الواحدة.

الرابط المختصر :