; الماركسيون أشَد أعداء الحرية | مجلة المجتمع

العنوان الماركسيون أشَد أعداء الحرية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-سبتمبر-1974

مشاهدات 85

نشر في العدد 219

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 24-سبتمبر-1974

من ناحية المبدأ: درج الماركسيون الذين يلقبون أنفسهم «باليسار» على تقسيم الناس إلى قسمين لا محيد عنهما: يمين ويسار.. وهم لم يحاولوا إطلاقًا أن يكونوا معتدلين أو معقولين في خصوماتهم أو نعوتهم، وإنما يتعاملون بأسلوب استبدادي يهدرون به کل حقوق الخصم.. وكل كرامة إنسانية له، وكل تصور في أن يكون مع هذا الخصم بعض الحق.. فإذا أضفنا إلى هذه المقدمة في «الوعي اليساري» الذي يتعامل مع الأمـــور، أن اليساريين في العالم كله إنما ينطلقون من نقطة «التزام» بكل تعليمات جهات لا تنتمي إلى بيئاتهم المحلية ولا إلى مصلحة هــذه البيئات، وأنهم يبررون هذه التعليمــات تبريرًا «أيديلوجياً»، ولا يملكون الشجاعة في مناقشة هذه التعليمات أو الوقفة الموضوعية منها.. وإذا أضفنا- أيضاً- أن المراكز الرئيسية « الأيديلوجية» التي تملي هذه التعليمات لا تدخل حساب الحرية في رصيدها، لا تلتزم هي «أيديلوجياً» أو «تطبيقيًا» بمفهوم الحرية، سواء علــى مستوى الفرد أو الحزب أو المجتمع كله.. إذا أضفنا هذا وذاك إلى طبيعة الوعي الماركسي، أو ما يمكن أن نسميه «بالرؤية الماركسية للحرية»- تبين لنا أن من الناحية المبدئية والفكرية لا يؤمن الماركسيون بالحرية ولا يلتزمون بها التزامًا أيديلوجياً.. لا حرية لأعداء الشعب لكن شعار الحرية- في غضون العقود الأخيرة من هذا القرن، وبعد أن ذاقت البشرية مر البلاء على يد طواغيت النازية والشيوعية والغاشية في ألمانيا الهتلرية وروسيا الستالينية وإيطاليا الموسولينية- قد أصبح مطلبًا جماهيرياً لا يمكن لأية حركة إنسانية أو إصلاحية أن تتجاهله. فماذا يفعل الماركسيون إزاء هذه الحقيقة التي فرضتها طبيعة المسيرة التاريخيــة في النصف الثاني للقرن العشرين- بخاصة-؟ لقد واجه الشيوعيون هذه الحقيقة بنظرية هازلة ينسحب عليها ما ينسحب على كل شعاراتهم المتناقضة اللولبيــــة الغامضة، وتتلخص هذه النظرية في أنه «لا حـــرية لأعداء الشعب». وتحت هذه القاعدة وضع الشيوعيــــون الشعب كله.. فالمثقفون بقايا برجوازية تحمل جراثيم طبقية تطلعية، وبالتـــــالي فهي لا تستحق الحرية.. بل تستحق السحق الفكري والاقتصادي والاجتماعي والنفسي.. وعلماء الدين عملاء للرجعية الدولية الممتازة مع الإقطاع ورأس المال، والقطاع الخاص- في سائر المجالات- من زراعية إلى تجارية إلى صناعية، لا يجوز مهادنتهم إلا مرحليـاً فقط، تمامًا كمهادنة «رجال الدين والمثقفين» وهكذا، وبدون محاولة للإحصاء المستوفي أدرج الشيوعيون كل طوائف الشعب المخالفة لهم تحت راية «لا حرية لأعداء الشعب» وبقوا في الميدان وحدهم.. هم الشعب، وهم طليعة الشعب، وهم ثوريو الشعب، وهم حماة مكاسبه الاشتراكية التقدمية.. إلى آخر هذا السيل من الكلمات الممجوجة الغثة.. وأما غيرهم.. فهم على النقيض من ذلك كله.. ولم يسأل الشيوعيون أنفسهم وهــــم يسيرون في هذا التيار الأناني الخانق للحرية.. لم يسألوا أنفسهم عدة أسئلة بديهية ضرورية أبرزها على سبيل المثال لا الحصر: • لماذا لا يكونون هم أيضاً من أعداء الشعب؟ • وكيف يسمحون لأنفسهم بأن يكونوا القاضي والخصم معًا؟ • ولماذا لم يتركوا الشعب نفسه يصنف طوائفه ويخرج الأعداء من صفوفه؟ • ولماذا لا يتركون الآراء المخالفة لهـم تظهر على السطح ويقتلونها بالحجة العقلية المنطقية بدل قتلها وتصنيفها تصنيفًا هازلًا وخنقها بالشعارات القاتلة التافهة فـكرياً والمنهارة تطبيقياً؟ • وألا يعطى هذا الشعار الشيــــــوعي «لا حرية لأعداء الشعب» مســــــوغًا لكل «ستالین» أو «فرعون» بأن يبرر استبداده بأنه استبداد لمصلحة الشعب، لأنه لا حرية الشعب؟ • وإلا يكون الشيوعيــــــــون قد نشروا الاستبداد وقننوه بواسطة شعارهم هذا؟ وبالتالي أليسوا مسئولين عن خلو المجتمعات الشيوعية والمجتمعات النامية «المتخلفة» من الحرية؟ تجربة شيوعية عربية • لا نريد هنا أن نتتبع عمليات «السحل والسحق والإبادة الجماعية» التي قام بها الشيوعيون في بعض الأقطار العربية المعروفة تمامًا، والتي لا زال بعضها قائمًا يتبجح إلى الآن، ويعيش عالة على مساعدات بعض الدول البترولية.. لا نريد هذا ولا نقصده!! • ولا نريد أيضًا أن نقوم بالحديث عــن المجتمعات الشيوعية الأصلية كالمجتمـــع الروسي أو الصيني، أو نتبع ما حدث فـي المجر التي أرادت- في لحظة زمنية ما- أن تتحرر، أو ما حدث في «تشيكوسلوفاكيا» حين خفق قلبها بنبضات الحرية.. لا نريد ذلك، وحسبنا ما أطلقه عليهــا الروسي الهارب من روسيا بعد وصوله إلى أرفع المناصب الحزبية «كرافتشنكو» حـين سمى كتابه الذي يحكي قصة حياته في ظـــل روسيا الشيوعية وهروبه منها- «أثـــرت الحرية» وحسبنا اللقب الذي أطلقه عائد من البلاد الشيوعية على كتابه الذي يحكي قصة الزيارة والعودة: «عائد من الجحيم».. حسبنا هذا لنقول بأننا لا نريد دراسة هذه المجتمعات، فهي أشهر من أن تدرس، وهي نفسها لا تدعي إيمانها بالحرية، ولم نسمع بأن فكرًا مضادًا للفكرة الشيوعيــــة قد ظهر في أي بلد شيوعي.. ومن الصعب الاقتناع بأن الناس- كل الناس- في هذه البلدان قد أصبحوا قوالب مؤمنة جامــدة لا يند منها قالب واحد يرفع صوته بــرأي مضاد.. • وإنما نريد هنا تقديم أبرز نمـــوذج شيوعي ظهر في أكبر بلد عربي- وهو مصر- حين سيطر عليها الشيوعيون في السنـــوات الكئيبة الممتدة بين «١٩٦٥- ١٩٦٨م». وتبدأ قصة هذه السنوات الكئيبة في أواخر عام ١٩٦٤حين رأت السلطة في مصر تحــــت ظروف فضيحة اليمين، وما تكبدته في هذه المغامرة الخاسرة من هزائم وفضائح، وتحت ظروف «عربية وإسلامية» أخرى- وأيضاً- تحت ظروف خجلها من إفراجهــــــا عن الشيوعيين جميعاً تحت ضغط زيارة خروشوف وشروطه التي أملاها على السلطة الحاكمة آنذاك.. تحت تأثير هذه الظروف وغيرها أفرجت السلطة عن بعض المسجونين السياسيين في مصر، وهي تنوي- في الحقيقة- إجراء عاجلًا سيئًا لم يلبث أن ظهرت نتائجه بعد شهور. ومع أن الأمر لم يعد عدة شهور، فقد بدا واضحًا إفلاس الفكر الماركسي والشيوعي، وبدا واضحاً أن الثورة الاشتراكية التي بدأت في يولية ١٩٦١، في الخطاب السيــــــــاسي الدوري الذي يلقى في هذه المناسبة– قـــد باءت بالفشل- فكرياً وعملياً- وقد ظهر أن «الحرية» ولو لعدة شهور، ولو في ظروف سيطرة الشيوعية على الصحــــــافة والإذاعة والتلفاز والشئون السياسية الحزبية.. ظهر أن هذه «الحرية» التي لا يتمتع فيها الفكر الإسلامي بأي نصيب في السلطة أو أي إمكانات مادية أو معنوية.. ظهر أن هذه الحرية قد أظهرت سمو الفكر الإسلامي وأصالته والتحامه بعقلية الأمة وضميرها.. ولسنا هنا في مقام تأكيد ذلك بالأرقام، فإن «الكتاب الإسلامي» المكافح- كما ذكرت تقارير المخابرات المصرية- هو الكتاب المكتسح المتداول الذي تتلقفــــــه الجماهير، وقد طبعت بعض الكتب الإسلامية التي صدرت عدة طبعات في أسابيع معدودة، بينما كانت مجلة «الطليعة» تباع في أسبوع صدورها نفسه «بالاقة» وفي محلات الأوراق القديمة، وعلى أسوار الكتب المهملة في الأزبكية والسيدة زينب بالقاهرة، ولا يحسب المباع منها إلا النسخ المهداة أو النسخ التي تفرض على المكاتب السياسية، ودعك من المجلات الشيوعية الأخرى «كالكاتب» التي قادها أحمد عباس صالح، والسياسة الدولية، ومجلة «الشباب الاشتراكي» التي قادها الدكتور «مفيد شهاب» «الذي كان له الموقف المعروف في مؤتمر كان الدولي، والذي كشف حقيقة القيادات السياسيـــة أخلاقياً في مصر» . دعك من هذه المجلات كلها فالحق أن مكانها معروف في المكاتب الرسميــــة والهـــدايا والاشتراكات الإجبارية!! ولم يتحمل الشيوعيون هذه الاشهــــــر القليلة، ليتركوا الفكر الإسلامي يعيش خارج المعتقلات والسجون، فلم تلبث العاصمــــة الدولية للشيوعية أن تحركت- وتواطأت مع الرغبة الأمريكية- ومن موسكو نفسها أعلن إعادة المعتقلات والسجون والقبض على كـل الإسلاميين ومصادرة الفكر الاسلامي، وحرقه وإدخال الناس المعتقلات لوجود بعض الكتب الإسلامية في بيوتهم)!! قمة المأساة وتبع ذلك سيل من الإجراءات التي تمثل وصمة عار في جبين الثورية المصرية والعربية كلها، فقد استعدى الشيوعيــون السلطـــة على المجلات التي يتاح فيها للفكر العربي والإسلامي أن يتنفس، وبينما كان الشيوعي الصليبي «لويس عوض» يتربع فوق عرش الأهرام أغلق الشيوعيون المجلات المحدودة التي يتنفس فيها الشعب «كالرسالة» و«الثقافة» و «الشعر»، ولم يبق في الميدان إلا «لويس عوض» ومحمد سیــــد أحمد، ولطفي الخولي ومحمد عــــودة، وأحمد عباس صالح، وكمال الملاخ، ومحمود السعدني، وموسى صبري جــــــرجس، وغيرهم من الشيوعيين الخالصين أو الشيوعيين الممزوجين بالصليبية، أو الصليبيـــين الخلص. ولم يكن استبداد الشيوعيين الفـكري منحصرًا في الصحافة والإذاعة والتلفاز، وبقية وسائل الإعلام الرسمية التي سيطروا عليها سيطرة كاملة، وحرموا غيرهم مــن أبسط حقوق الإنسان، وهو حق التفــكير والكلام.. لم يقف أمر هؤلاء عند هذا الحد، بل إنهم خطوا خطوة خطيرة تدينهم في الحقيقة- لذا كانوا عقائديين حقاً- وتنفي عنهم صفة «الأيديلوجية الملتزمة» والاحترام للمبدأ أو العقل.. لقد أعلنوا على رءوس الأشهاد عام ١٩٦٥حلهم لحزبهم الشيوعي في مصر، وقد حاولوا بكل الطرق إذاعة هذا القرار، تضخيماً لكيانهم الهزيل من جانب، وفتحاً لمجال التعاون مع مراكز القوة الفاشستية الإرهابية من جانب آخر. أقول: مع أن هذه المراكز كانت غير عقائدية بالمرة، فقد تعاون الشيوعيون مع هذه المراكز، وقد كان معظمهم من قــادة وأعضاء الخلايا السرية، ومن أصحـــــاب المخصصات السرية في البنوك التــــي تعطي أصحابها منحاً مالية باهظة- غير محدودة – على حساب الشعب المصري «وحـــــــكاية الشيوعي محمود السعدني وعلى صبـــــري وجماعة جريدة الجمهورية خير دليل علــى ذلك» وفي هاتين السنتين الحالكتين في تاريخ مصر القديم والحــــــديث على الســـــواء « ١٩٦5- ١٩٦٦» قاد الشيوعيون التنظيم الاشتراكي، وأعطوه صبغة الحزب الشيوعي الروسي، حتى أصبح الاتحــــاد الاشتراكي استعماراً طبقياً لا يقل طغيانًا عن الاستعمار الإنجليزي . وقد كان الموجهون السياسيون جميعاً شيوعيين، وكانوا يلقنون بالقوة والإكراه طلبة الجامعة والفلاحين والعمال مبادئ کارل ماركس وآراء الفوضــــوي الاشتراكي برودین والفرق بين مثالية هيجل وواقعية مارکس «وانجلز»!! ومع أن حس الشعب لم يكن يطيق هـــذه الأفكار النابية فقد فرضها الشيوعيــون- كمسلمات- فرضاً قهرياً لا رحمة فيه. وقد أضاعوا مستقبل كل شاب نابه حاول الحوار والمناقشة، وحرموه- ليس فقط من حقوقه السياسية والفكرية- بل من حقوقه الإنسانية أيضاً-. وتدلنا أدنى مطالعة لثقافة هؤلاء الموجهين السياسيين إلى أنهم من خريجي كلية الاقتصاد والعلوم السياسية التي جعلها الشيوعيون في مصر مركز الفكر الشيوعي طيلة هـــــذه السنوات، كما تدلنا على أن هؤلاء الموجهين كانت لهم دورات تدريبية فكرية في معاهـــد موسكو الخاصة بتخريج دعاة شيوعيين في البلاد النامية «آسيا وأفريقيا». • لقد عرف كل شاب في مصر أنه- في ظل سيطرة هؤلاء الشيوعيين على الأجهـــزة السياسية- لا بد من أن يكون منافقاً وجباناً.. وكان ما كان من أمر١٩٦٧م • ولقد عرف كل شاب في مصر أن أدنى كلمة حرة ثمنها مستقبله ومستقبل أسرته، فعاش المسكين- إلى أن أنقذته النكسة- يتكلم مع السلطة بلغة، ويتكلم مع نفسه وأصدقائه بلغة أخرى!! ولم يكتف الشيوعيون في مصر بالإسهام في استيراد أبشع وسائل التعذيب- من موسكو- لتعذيب أبناء وطنهم بوسائل لم يعرفها تاريخ الإسلام ولا العروبة.. لم يكتفوا بهذا، بل إنهم قاموا بمظاهرات يؤيدون فيها مراكز القـــوى، ويهتفون بشعارات حاقدة غريبة، على رأس هــــذه الشعارات: «اذبح، اذبح، يا جمال» و «لا عدالة ولا قانون مع أعداء الشعب». • • • وعندما تجرأ شاب في «ليسانس حقوق القاهرة» سنة ١٩٦٦ كان لا يزال يؤمن بأن القانون الذي يتعلمه يجب أن يسود.. عندما تجرأ هذا الشاب المسكين فوجه مجرد سؤال في منظمة الشباب قائلاً: - «ألا يمكن- فرضاً ونظرياً- أن يكون واحد- ولو واحد فقط- من بين الخمسين ألف معتقل الذين ينكل بهم في السجن الحربي وأبي زعبل وطره- بريئاً؟- وإذا كان ذلك جائزاً فلماذا لم تسمح السلطة الحاكمة- بعد عشرين شهراً في السجون بإخراج معتقل واحد ؟ ولماذا - وهو الأهم- لم يسمح الشيوعيون المسيطرون على أبواق الدعاية بترك مسجون واحد يرفع شكواه متظلمًا؟؟؟ - عندما تجرأ هذا الشاب القــــانوني المسكين على توجيه هذا السؤال المنطقــي البرئ.. لم يعرف لهذا الشاب أثر بعد انتهاء الدورة السياسية!! ولعل المسكين قتل في أثناء التعذيب، وكتب أمام اسمه: «إنه هارب»!! نريد شيئاً من الخجل - إنه لأمر مضحك أن تتشـــــدق دولة شيوعية بشعار الحرية!! - وإنه لأمر مضحك أن يتشدق شيوعي يرمي الناس كلهم بأقبح الألفاظ وينادي ضد كل الناس «بالعنف الثوري»- بالحرية! - وإنه لأمر أشد استهزاء بالعقل وسخرية أن يكتب شيوعي مصري أذاق مواطنيه أبشع صور الهوان والذل- كما عرف العالم كله الآن- أن يكتب، فيزعم- دون خجل أو احترام للمعقولية المجردة بأن الشيوعية المصرية كانت حامية الحرية، وبأن «لطفي الخولي»- مثلاً- كان يفتح صفحــــــــات «الطليعة» للإسلاميين أو للمخالفين للفكر الماركسي عمومًا، أو أن الاتحاد الاشتراكي- كالحزب الشيوعي في روسيا- كان يدعو إلى تعدد الأحزاب والآراء، ويؤمن أعضاؤه بأن الزبد يذهب جفاء وأن ما ينفع الناس هو الذي يمكث في الأرض. ولا نامت أعين سارقي المناصب والشعارات

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

193

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟

نشر في العدد 14

123

الثلاثاء 16-يونيو-1970

مفهومات خاطئة 4