العنوان الماسونية وانقلاب ٢٣ يوليو
الكاتب العقيد/ محمد كامل إبراهيم
تاريخ النشر الثلاثاء 06-ديسمبر-1983
مشاهدات 75
نشر في العدد 648
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 06-ديسمبر-1983
النشاط الماسوني في مصر (7)
بقلم العقيد: محمد كامل إبراهيم
الماسونية وانقلاب ٢٣ يوليو
وزاد الطين بلة.. إصدار جمال عبد الناصر في ١٩ يوليو ١٩٦١ بما سمي فيما بعد بقوانين يوليو الاشتراكية.. وتعتبر هذه القوانين الفاشلة هي إحدى النكبات التي نكبت بها مصر.. لكنها بالنسبة للماسونيين كانت مدروسة ومتقنة ومخططًا لها لكي تكون سببًا في ترسيخ جذور الفساد والفوضى واللامبالاة والاستهتار في كل أنحاء مصر.. ولقد دافع عنها الماسونيون على أنها تعطي للعامل حقه وأنها كذا وكذا... وهللت الصحافة الماسونية لهذه القوانين وواصلت تضليل المواطنين وخداعهم وطمس الحقائق المؤلمة التي سوف تنتج من هذه القوانين، لقد تعمد واضعو هذه القوانين نسيان حق الدولة تمامًا سواء من العمال أو من الموظفين.. وقللوا من شأن الرئاسات في توقيع الجزاءات على العاملين إلا عن طريق مجلس تحقيق ثم ألغوا الرفت.. الذي أطلقوا عليه الرفت التعسفي.. وغير ذلك.. فحدث التسيب وزادت الفجوة بين الرئيس والمرءوس وأعطيت حرية كاملة للعاملين في الدولة وضعفت قوة السيطرة للرؤساء، فسادت روح من الفوضى بين العاملين في جميع أنحاء البلاد.
وانتشرت اللامبالاة بين الجميع سواء كان رئيسًا أو مرؤوسًا.. وكثرت السرقات من كبار رجال الدولة المسؤولين وأكثرهم من أعضاء أندية الروتاري والليونز والإينرهويل الذين أصبحوا أعضاء في الاتحاد الاشتراكي والذين وجدوا الأجواء المناسبة لإشباع نهمهم ورغباتهم... وظهرت الرشاوي في جميع مصالح الدولة الحكومية وغير الحكومية وانتهز المختلسون حالة التسيب التي عمت البلاد وبدأوا يتلاعبون بمصالح الشعب وينهبون أموال الدولة، وفقدت الحكومة السيطرة عليهم.. وانطلقت وسائل الإعلام الماسونية في مصر تغرق المجتمع المصري بوسائل اللهو والمجون والترف، وبرعوا في إقامة الحفلات الغنائية الرائعة.. والسهرات الترفيهية وفتحت بيوت اللهو وصالات الرقص والشرب والقمار والأندية الليلية، وتولى التلفزيون إسكار الناس وتتويههم عن حقائق الأمور التي تدور حولهم فتارة بالمسلسلات والمسرحيات والتمثيليات، وتارة أخرى بالمسرحيات الفكاهية التي أنشئت لها مسارح مخصوصة.. ثم تولت دور الصحف الماسونية إصدار الكتب الجنسية الرخيصة تحت اسم الثقافة الجنسية، وطبعت الروايات العاطفية والغرامية.. وهكذا.
▪ الانهيار والتسيب
ونتيجة لذلك بدأت تظهر بوادر الانهيار في جميع مرافق الدولة بطريقة لم يشهدها المجتمع المصري في أي عهد من العهود فتدهورت المرافق العامة، وازدادت الأزمات، وشملت الإسكان والتعليم والكهرباء والمياه والمجاري والتليفونات والمواصلات والسكك الحديدية ووسائل النقل العام والخاص والري والزراعة والصناعة.. وبدأت القيادات الماسونية تخطط للتآمر على الشعب بخطة مدروسة بإتقان.. فمرة تحدث أزمة في اللحوم.. ولم نسمع أن في العالم كله أزمة لحوم.. ثم تظهر أزمة في البوتاجاز وليس في الدنيا كلها أزمة بوتاجاز... و يليها أزمة فراخ... ويتبعها أزمة الأرز.. ثم الصابون... ثم... ثم! وكانت مصر في هذه الفترة في عنفوان حماسها للصمود أمام الخطر الإسرائيلي الذي يهدد أمنها وأمن الدول العربية الشقيقة في نفس الوقت كانت أندية الروتاري والليونز والإينرهويل أيضًا في عنفوان نشاطها، كانت تعمل في الخفاء.. وكانت تدير خططها في الظلام.. كانت تتآـمر ضد مصر وضد شعب مصر.. كانت تخون وتغدر.. ولم نسمع في حياتنا عن نشاطها الخيري أو الاجتماعي التي تخدعنا به الآن ولم يعلن مرة في الصحف بافتتاح أقسام المرضى، وتقديم الهدايا والمساعدات للمحتاجين، وغير ذلك.
أما «المهندس» الماسوني الذي كان يتخير توقيت افتعال الأزمات الاقتصادية ضد الشعب المصري.. فالحق يقال إنه كان مهندسًا بارعًا سواء كان من أعضاء الروتاري الصهيوني أو الليونز أو الإينرهويل فكانت الأزمة تظهر في أعقاب الأزمة التي سبقتها، ثم يتولى زملاؤه في وزارة الإعلام والصحافة تعليل الأزمة الجديدة بأسباب عديدة وهمية أو كاذبة أو مضللة فتارة يقولون إن تكاليف الحرب هي السبب.. وتارة يطالبون الشعب بإصلاح نفسه بنفسه.. وتارة أخرى يدعون أن عدم تحديد النسل هو السبب و.. و.. أما التلفزيون، فإنه قلب الحياة في مصر إلى ليالي ألف ليلة وليلة وملأ الدنيا بهجة ومرحًا وتيهًا ولهوًا ومجونًا.. فالسهرة تليها سهرة أخرى.. والحفلات الغنائية تتوالى في أعقاب الحفلات الأخرى والمباريات تتعاقب وراءها مباريات والمسلسلات تنتج بكثرة، وبنجاح وبلا أزمات أو مشاكل طبعًا.
▪ عبد الناصر والإخوان
أذکر حدیثًا أدلى به موشي ديان عام ١٩٤٤ في أمريكا أي قبل حرب فلسطين بحوالي أربع سنوات حيث قال بالحرف الواحد أمام عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي «لقد ضمنّا قيام دولة «إسرائيل».. لأننا سنهزم الدول العربية... إلا أن قوة واحدة في مصر هي التي ستقف عقبة في طريقنا.. إنها الإخوان المسلمون... لكننا سنعرف كيف نسلط حكام مصر للقضاء عليها»!!
وكان جمال عبد الناصر هو حاكم مصر الذي أدى هذا الواجب، ولكن كيف يدبر حاكم مصر مؤامرة للقضاء على «الإخوان المسلمين»؟ لقد بدأت المؤامرة يوم الثلاثاء ٢٦ أكتوبر ١٩٥٤ حيث وقف شاب يدعى محمود عبد اللطيف في میدان المنشية بالإسكندرية وصوب مسدسه على جمال عبد الناصر أثناء إلقائه خطابه ثم سمع الجمهور إطلاق ٦ رصاصات.. ولقد ثبت تمامًا بأن هذه العملية كانت مدبرة ولا دخل للإخوان المسلمين فيها حتى أن المسدس الذي كان مع محمود عبد اللطيف لم تنطلق منه أي رصاصة، مما يدل على أن هنالك شخصًا آخر هو الذي أطلق الرصاص، ويقول الرئيس السابق محمد نجيب بالحرف الواحد: «أقسم بشرفي العسكري وشرفي كإنسان أن مؤامرة إطلاق الرصاص على عبد الناصر كانت مؤامرة وهمية من أولها لآخرها» وكانت مرتبة بواسطة رجل من أجهزة المباحث في مصر، كوفئ على ذلك فيما بعد بمنصب من المناصب الحساسة، وأنا أشهد بذلك لأن تفاصيل هذه المؤامرة تناهت إليَّ قبل وقوعها نقلًا عن طريق بعض رجالي، ولقد استؤجر في هذه المؤامرة شاب مصاب بجنون العظمة، أغروه بأنه لو قتل عبد الناصر فسيكافأ مكافاة ضخمة وييسر له سبيل الهروب إلى البرازيل. ولكن كانت مكافأته الوحيدة التي تلقاها هي إعدامه بدلًا من تهريبه كما وعدوه حتى يموت..
و يموت معه سره! وبعد ساعات من هذه التمثيلية تم القبض على (۱۸) ألف شاب من شباب الإخوان المسلمين.
• الشهيد سيد قطب... أعدم بتهمة ملفقة.
▪ الإعدام ظلمًا وعدوانًا
وبعد أسبوعين من المؤامرة قدم محمود عبد اللطيف ومعه ستة من كبار زعماء الإخوان من بينهم المرشد العام للمحاكمة.
وحكم عليهم بالإعدام بواسطة محكمة كان يرأسها جمال سالم وعضوان من مجلس الثورة هما أنور السادات وحسين الشافعي.. ولكن خفف الحكم على المرشد العام إلى الأشغال الشاقة المؤبدة.
وتلا ذلك عمليات تعذيب في السجون غريبة من نوعها على بني الإنسان ولا مثيل في التاريخ الإسلامي بل ولا في التاريخ البشري لها، وكان يشرف على عمليات التعذيب خبير ألماني استدعاه عبد الناصر من ألمانيا ويدعى «زيجلر» وتشكلت على يديه صور من ألوان العذاب هي أقصى ما وصلت إليه العقول الشيطانية على طول التاريخ وعرضه، وما حدث في مصر في عهد عبد الناصر فاق حدود الخيال.. وما شاهده الشعب من عمليات الإرهاب والتعذيب في هذه الفترة لم يشهد مثله شعب آخر في العالم أجمع.
وكرر عبد الناصر نفس هذا الأسلوب الإجرامي عام ١٩٦٤ وقبض على ٢٤ ألف شاب من خيرة شباب مصر ذاقوا من الأهوال والتعذيب ما لم يتصوره عقل بشري وأعدم الشهيد سيد قطب بتهمة ملفقة لقلب نظام الحكم.
وبذلك قضى عبد الناصر على الإخوان المسلمين وحقق أمنية غالية كان يحلم بها موشي دیان الذي أصبح فيما بعد وزيرًا للدفاع الإسرائيلي، كما أنه أزاح أكبر عقبة كانت تقف أمام الماسونيين من أعضاء الروتاري أو الليونز في مصر.
▪ جمال عبد الناصر والسد العالي
وكان عبد الناصر قد أراد أن يبني السد العالي في عام ١٩٥٤ فأمم القناة.. وحدث العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦، وارتمى في أحضان روسيا التي وافقت على تقديم المساعدات الفنية والمادية لبناء السد العالي، وفكرة بناء السد هي فكرة قديمة.. عرضت على كثير من مجالس الوزارات السابقة منذ أكثر من ٢٠ عامًا قبل قيام ثورة ١٩٥٢ ولكنها رفضت في جميع المجالس وبجميع الآراء... على أساس أن السد سوف يكون خطرًا على مصر.. ولو أن أي تصدع أو انهيار حدث للسد فسوف يؤدي إلى إبادة أكثر من نصف سكان مصر ومحو منطقة الصعيد بأكملها من الوجود معنى ذلك أن بناء السد العالي سوف يكون بمثابة سيف موضوع على رقبة مصر يمكن لأي عدو بعد ذلك أن يهدد أمن مصر ومستقبل شعبها به، ويفضل في هذه الحالة أن يبنى خزان واحد مثل خزان أسوان.. أو إذا استدعى الحال بناء خزانين بدلًا من خزان واحد فيكون أفضل من بناء السد وبأقل تكلفة، بالإضافة إلى أن السد العالي سوف يمنع الطمي تمامًا من الوصول إلى الأراضي الزراعية ومعنى هذا عدم اتساع أو استصلاح أي مناطق زراعية مطلقًا بعد بنائه.. فالطمي بالنسبة لشعب مصر في منزلة الهواء والماء.. فالمعروف أن مصر صحراء ولكن بفضل الطمي الذي يحمله النيل أصبحت دولة زراعية.. فإذا ما توقف تدفق الطمي الذي وهبته الطبيعة لشعب مصر، فمعنى ذلك أن مستقبل الشعب المصري الآخذ في الازدياد سوف يكون في خطر.. ثم لماذا نخالف الطبيعة ونوقف تدفق الطمي ونحول المجرى الطبيعي للنيل؟ أضف إلى تلك الأخطار الجانبية الكثيرة التي سوف تظهر بعد بنائه مثل النخر في قواعد السدود والكباري و شواطئ ومجرى النهر وشواطئ الدلتا وتوقف عدد كبير من الصناعات وخاصة صناعة الطوب ومواد البناء، وانتشار الحشائش المائية وتأثر المياه الجوفية وهجرة أنواع من الأسماك وتغيير التركيبة الطبيعية لمياه النيل والآثار التي تحدث من المياه الجوفية على المباني والمنشآت في مصر.. وغيرها.
ولقد أوضح عدد من أساتذة الري بالجامعات المصرية هذه العيوب لجمال عبد الناصر.. وأكدوا له أن بناء السد العالي سوف يكون خطرًا على سلامة مصر ومستقبل شعبها وخصوصًا أن عدوًّا شرسًا خطيرًا، «كإسرائيل» يقف بالمرصاد للشعب المصري.. وأنه عدو مجرم لا يتوانى في ارتكاب أي جريمة بشعة ضد مصر. كضرب السد العالي بقنبلة سدود أو قنبلة ذرية فلماذا نضع حياة مصر ورقبتها تحت السيف الإسرائيلي؟
وأصر جمال عبد الناصر على بناء السد العالي، ونفى عددًا من هؤلاء الأساتذة إلى إنجلترا وأسكت كل صوت يعارضه.
▪ «إسرائيل» وخزان أسوان
وكانت «إسرائيل» قد صنعت قنابل سدود زنة ۲۲,۰۰۰ رطل عام ١٩٥٨ وذلك لضرب خزان أسوان بالذات وهي تعلم أن ذلك سوف يؤدي إلى تدمير السدود والكباري المصرية المقامة على نهر النيل، بالإضافة إلى إغراق ملايين الأفدنة الزراعية بالمياه.. وكان كل طيار إسرائيلي يتخرج من كلية الطيران الإسرائيلية يقسم بأنه سوف يضحي بحياته في سبيل ضرب خزان أسوان إذا استدعت الظروف ذلك.. لأن «إسرائيل» في ذلك الوقت لم تكن تملك طائرات قاذفة بعيدة المدى فكان لابد من القيام بعمليات انتحارية، لضرب خزان أسوان لإحداث هذه الخسائر الجسيمة لمصر.. وخزان أسوان هذا ترتفع فيه مياه النيل ۱۲ مترًا فقط.. أما السد العالي فإن منسوب مياه النيل فيه يصل إلى ٨٠ مترًا وخلفه بحيرة ناصر طولها حوالي ٥٠٠ كيلومتر.. وسعة الخزان 130,000 مليون متر مكعب.
ورغم ذلك كله فإن عبد الناصر كان يصر إصرارًا على بناء السد العالي... وهاجت الصحف الماسونية في مصر تخدع الشعب وتضلله كالعادة وتقول إن الكهرباء التي ستتولد من السد العالي سوف تجعل ثمن الكيلووات في مصر مليمًا واحدًا.. وأن عهد الرخاء سوف يبدأ بعد بنائه... وأن ملايين الأفدنة سوف تستصلح لأن مصنعًا كيماويًّا أطلق عليه اسم مصنع كيما سوف ينتج كيماويات زراعية تعوض مصر عن طمي النيل.. وأن كذا... وكذا.
ومنذ بناء السد العالي لم يستصلح فدان واحد في مصر... وإن حال البلاد قد ازداد سوءًا على سوء.. والكهرباء كان يمكن أن تتولد من أي خزان مياه آخر.. أو من مشروع منخفض القطارة الذي رفضه جمال عبد الناصر، أما تحويل ري الحياض إلى ري مستديم فكان يمكن أن يحدث لو بُني خزان صغير أو خزانان مثل خزان أسوان وبذلك تتجنب مصر كل هذه الأخطار الجسيمة.
ولكن بني السد.. ووضع السيف على رقبة مصر..
يتبع
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل