العنوان المافيا الدولية.. نشأتها وخطرها على أمن العالم واقتصاده
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1997
مشاهدات 77
نشر في العدد 1240
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 04-مارس-1997
منذ عام 1978م يسقط حوالي 900 إيطالي سنويًا نتيجة الصراعات بين عصابات المافيا في صقلية بينهم مسؤولون حكوميون
على الرغم من أن المافيا العالمية ظلت منذ بداية هذا القرن تشكل مصدر خطر على الأمن الداخلي لكثير من الدول، إلا أنها منذ عهد قريب فقط وبالتحديد بعد سقوط النظام الشيوعي السوفييتي بدأت تشكل تهديدًا للنظام العالمي، وكان هذا التهديد هو ما دعا الأمم المتحدة لعقد مؤتمر دولي في نوفمبر «تشرين ثان» 1994م لوضع استراتيجيات لمكافحة الجريمة المنظمة التي بدأت تخترق حدود كثير من الدول.
وكان من أسباب تزايد هذا الخطر تفكك الاتحاد السوفييي في بداية هذا العقد والذي يعتبر مصدر تفريخ لعصابات الجريمة المنظمة، وتقدر بعض المصادر المهتمة عدد عصابات المافيا المنتشرة في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق بحوالي 5700 عصابة من بينها حوالي 150 عصابة كبيرة وذات امتدادات دولية، وساعد فتح الحدود بين الجمهوريات السوفييتية المستقلة ودول أوروبا الشرقية من جهة، والدول الغربية من جهة أخرى، على انتقال نشاط بعض العصابات إلى أوروبا الغربية والولايات المتحدة وإسرائيل، وفي دراسة سابقة نشرتها «المجتمع» «العدد 1210 - 30 يوليو 1996م» تطرقنا لموضوع المافيا الروسية، وفي هذا التقرير سنتناول نشأة المافيا وشيئًا من المعلومات عن عصاباتها المنظمة في إيطاليا والولايات المتحدة واليابان وغيرها.
نشأة المافيا
دخلت كلمة مافيا قواميس لغات العالم بهذا الاسم، ولا يعرف لها أصل، لتدل على عالم عصابات الجريمة المنظمة، وعلى الرغم من ذلك وجدت باحثًا أمريكيًا مغمورًا يزعم أنها كلمة عربية الأصل «مفيأ» أي الملاذ أو الملجأ! ويدعي هذا الباحث أن العرب المسلمين حينما فتحوا جزيرة صقلية في جنوب إيطاليا في القرن التاسع الميلادي اضطر كثير من أهالي الجزيرة إلى الهروب والاختباء في المناطق الجبلية من الجزيرة ثم شكلوا مجتمعًا سريًا على شكل عائلات وقبائل متماسكة فيما بينها ،وتكرر الحال عندما غزا النورمانديون الجزيرة في القرن الحادي عشر الميلادي حيث كان أهالي الجزيرة . يساقون إلى العمل في الأراضي والأملاك التي وضع الغزاة أيديهم عليها، ومرة أخرى هرب الناس إلى أعالي الجبال وعادت المجتمعات السرية تتشكل من جديد.
وقد انعكس مفهوم العائلة على تركيبة التنظيم السري الجديد الذي اتخذ شكلًا هرميًا، فعلى رأس التنظيم يوجد الدونز «الدون كلمة إسبانية تعني السادة» أو الرؤساء المسؤولين عن فروع المافيا في كل قرية وهم جميعا مسؤولون أمام ما يعرف بـ «سيد السادة» الذي كان يقيم في باليرمو عاصمة صقلية، وكان يطلب من أعضاء التنظيم أداء قسم عند التحاقهم أول مرة والذي يتضمن الالتزام بخمسة مبادئ أساسية كانت المافيا وما زالت حتى الآن تعتمد عليها وهي:
1 - قانون الصمت، حيث يقسم العضو الجديد على عدم كشف أي من أسرار المافيا أو أعضائها مهما كان الثمن وإلا واجه عقوبة الموت.
2 - طاعة الرئيس طاعة عمياء.
3 - مساعدة أي منظمة مافيا صديقة.
4 - الانتقام من أي هجوم يتعرض له أعضاء العائلة، حيث إن الاعتداء على أحد الأفراد هو اعتداء على الجميع.
5 - تجنب أي اتصال مع السلطات الرسمية.
وبحلول القرن التاسع عشر كانت المافيا قد اتسعت وقويت وتحولت إلى مجتمع قائم على الجريمة لا يحترم أي شكل من أشكال السلطة سوی سلطة المافيا، وبدأت عصابات المافيا عملها الإجرامي في ذلك القرن بإرسال رسائل مكتوبة باليد إلى مواطنين أثرياء تطلب منهم بأدب! دفع مبالغ من المال مقابل تأمين حماية شخصية لهم من المجرمين الذين غالبًا ما يكونون هم أنفسهم الذين يكتبون تلك الرسائل!! والذين لم يستجيبوا لمطالب المافيا كان مصيرهم معروفًا: التفجير أو الخطف والقتل.
وتشير إحدى الدراسات إلى أن عام 1876م شهد أول اختراق قامت به المافيا في اختراق حكومة صقلية عندما قام أحد زعماء المافيا ويدعى رافائيل باليزولو بدعم زميله في العصابة ويدعى دون كريسبي في الفوز بانتخابات الحكومة الصقلية ليصبح رئيسًا لوزراء الجزيرة، وكان الناخبون يصوتون له تحت تهديد السلاح، ومع ذلك لم تكن المافيا في وضع مسيطر دومًا، وكثيرًا ما كان أفرادها يتعرضون للملاحقات القانونية.
وفي أواسط القرن الماضي بدأ كثير من الأوروبيين بالهجرة إلى الولايات المتحدة بحثًا عن حياة أفضل، ووجد زعماء المافيا الصقلية في ذلك فرصة للهروب من ملاحقات السلطات المحلية، وهكذا انتقلت منظمة المافيا الصقلية إلى الولايات المتحدة مع بقاء جزء منها في الجزيرة، وفي الولايات المتحدة بدأت المافيا أول تنظيم لها في مدينة نيو أورليانز ثم انتقلت إلى المدن الأمريكية الكبيرة، وبحلول القرن الحالي كان يوجد في كل مدينة أمريكية عصابة مافيا أو أكثر يتركز نشاطها على توفير الحماية للمحلات التجارية ورجال الأعمال، ثم توسع ذلك النشاط ليشمل الدعارة والقمار وتصنيع الخمور.
وحتى هذا اليوم مازالت المافيا تزدهر بسرعة على شكل اتحادات أو ما يعرف بنظام «الكارتيل»، مثل كارتيلات المخدرات في كولومبيا التي بدأت عملها منذ أكثر من 25 عامًا، وكارتيلات الجريمة في أوروبا الشرقية وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق بعد سقوط الشيوعية، ومع انتشار المافيا في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية والولايات المتحدة أصبحت المافيا الصقلية التي تعرف الآن بـ «الكوسا نوسترا» في مرتبة دنيا من حيث خطرها واتساع نشاطها نسبة إلى خطر المافيا الروسية والأمريكية.
المافيا تهدد مصالح الدول
وقد أرجعت الدكتورة لويس شيلي، أستاذة القانون في الجامعة الأمريكية ومستشارة الحكومة الأمريكية لشؤون الجريمة المنظمة في دراسة لها أسباب نمو المافيا وازدهارها إلى الثورة في عالم تكنولوجيا الاتصالات والازدهار الاقتصادي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى الوضع الجيوبوليتيكي الذي تغير سريعًا منذ انهيار النظام الشيوعي، وترى الخبيرة أن لعصابات المافيا تأثيرًا مدمرًا على الاقتصاد العالمي، حيث إن قيام هذه العصابات بغسيل الأموال القذرة وبإفساد كبار المسؤولين عن الاقتصاد والجمارك وفي استغلال البنوك والبورصات كلها تضعف الأمن المالي للأسواق العالمية، «شيلي: المافيا العالمية وخطرها على الحكومات القائمة – مجلة الشؤون الدولية الفصلية شتاء 1995م».
وفي خطاب السيناتور الأمريكي شارلز جر اسلي، رئيس لجنة مكافحة المخدرات في مجلس الشيوخ الأمريكي السابق، حول المافيا العالمية بين التعاون القائم بين عصابات المافيا في العالم وكيف أنها تقوم بتشكيل تحالفات واتحادات فيما بينها، مما يعطيها بعدًا دوليًا لتصبح خطرًا يهدد الأمن العالمي، ويهدد استقرار كثير من الدول الفقيرة التي تحاول تنفيذ برامج إصلاح اقتصادية وديمقراطية بسبب فساد المسؤولين الحكوميين في تلك البلدان وارتباطهم مع المافيا، وضرب مثلًا على ذلك كولومبيا حين اضطر الرئيس إيرنستو سامير تحت الضغط الأمريكي لتقديم استقالته 1994م بسبب اعتماده في حملته الانتخابية على تبرعات مالية من كارتيل كالي للكوكايين، وهي إحدى مجموعات المافيا المتنفذة في كولومبيا، وتعتبر تلك المجموعة – على حد قول السيناتور الأمريكي – المسؤولة عن تهريب 80% من الكوكايين الذي يصل إلى داخل الولايات المتحدة، كما عدد المسؤول الأمريكي قائمة الجرائم التي تتورط منظمات الجريمة الدولية فيها مثل تهريب المخدرات والأشخاص والمواد الكيماوية والبيولوجية والنووية وعمليات الاحتيال على البنوك والحكومات، إضافة إلى أعمال القتل والفساد المختلفة «خطاب السيناتور شارلز جراسلي في مؤسسة التراث فبراير 1996م».
وقد برزت عائلات المافيا الشهيرة وازدهرت مثل الكوسا نوسترا في صقلية، وآل كابوني في شيكاغو، وشارلز لوسيانو في نيويورك، كما برزت مافيا الياكوزا في اليابان، والتونج في الصين وهونغ كونغ وتايوان، وازدهرت مافيا المثلث الذهبي في جنوب شرق آسيا إضافة إلى مافيا الاتحاد السوفييتي التي تحدثنا عنها في تقرير مستقل.
مافيا الكوسا نوسترا
الكوسا نوسترا كلمة إيطالية تعني «هذا الشيء لنا»، وأصبحت المافيا الصقلية تعرف الآن بهذا الاسم.
الكاتب الصحفي فرانك فيفيانو الذي أجرى تحقيقًا مع امرأة من إحدى عائلات المافيا المتنفذة فى الجزيرة وتدعى الأم جونز، أحصى وجود 186 عائلة مافيا في صقلية منها 67 تعمل في العاصمة باليرمو ومنطقة كاسيلاماري الريفية في الجزيرة، وترتبط معظم هذه العائلات مع بعضها ضمن مجلس يضم غالبيتها تم تأسيسه قبل عشر سنوات فقط، على حد قول المرأة، ويتشكل المجلس من ثلاثة أعضاء فقط أحدهم جيتانو باد المنتي، زعيم مافيا كاسيلاماري.
قبل تأسيس ذلك المجلس كانت الجريمة المنظمة في صقلية محلية تعمل على إفساد المسؤولين الصغار، وكانت عائلات المافيا تجمع ثروات معقولة لكنها ليست كبيرة، وبعد أن تشكل المجلس بدأت السيطرة على إيطاليا وخلال سنوات معدودة أصبحت تسيطر على حوالي خمس الاقتصاد الصناعي في إيطاليا، ومع بداية التسعينيات توسع طموحها ونشرت عملياتها إلى بقية دول أوروبا وكثير من دول العالم.
وعلى الرغم من محاولة توحيد أنشطة المافيا الصقلية، إلا أن بعض العائلات الطموحة عارضت وما زالت فكرة استراتيجية العمل المشترك، ومنذ عام 1978م يسقط حوالي 900 إيطالي سنويًا نتيجة الصراعات والتصفيات الناتجة عن حدة التنافس بين عصابات المافيا في صقلية والتي طالت أيضًا مسؤولين حكوميين وقضاة.
ومن أشهر حوادث التصفيات التي ارتكبتها المافيا في الجزيرة مقتل القاضي باولو بورسيلينو في يوليو 1992م عن طريق وضع عبوة متفجرة في سيارته تزن حوالي 80 كيلو جرامًا، وكان القاضي قد عين للتحقيق في جرائم المافيا في إيطاليا، وقتل معه في الحادث خمسة آخرون، وجاء مقتل بورسيلينو بعد شهرين من اغتيال معلمه القاضي جيوفاني فالكوني مع زوجته فرانسيسكا مورفيلو، وهي قاضية أيضًا، في انفجار لغم تحت سيارتهما وضع على الطريق وتم التحكم به عن بعد.
وكان فالكوني وبورسيلينو قد اعتمدا كثيرًا في تحقيقاتهما على اعترافات أدلى بها أحد زعماء المافيا التائبين، والذي كان يعارض زعماء مافيا كاسيلاماري وكارليوني، وكشف ذلك التائب ويدعى توماسو باسكيتا، عن أول عملية خارجية كبيرة تورطت بها عصابات صقلية في أوائل الثمانينيات حين قامت بتهريب هيروين إلى عصابات نيويورك وقدرت قيمته في ذلك الوقت بحوالي 750 مليون دولار، وكان باسكيتا قادرًا على كشف خطط مافيا صقلية الجديدة والرامية إلى توسيع أنشطتها في الخارج، ومنذ أن بدأ هذا المسكين كشف الأسرار لقضاة التحقيق بدأ خصومه بالانتقام منه، حيث قتلت زوجته وأولاده الثلاثة ووالديه وعماته وأعمامه ووالدي زوجته وعددًا من أقاربه الآخرين ووصل عددهم جميعًا إلى 33 شخصًا كان آخرهم ابن أخيه الذي قتل العام الماضي بعد مضي حوالي 11 عامًا على إدلاء باسكيتا بأول إفادة له لمحققيه.
وحتى هذا اليوم هناك أكثر من ستة آلاف موظف حكومي وسياسي إيطالي من بينهم 438 نائبًا برلمانيًا وسيناتور يخضعون للتحقيق في تهم تتعلق بالفساد وعلاقتهم بالمافيا، وتقدر التحقيقات أن هؤلاء المسؤولين والسياسيين قد تلقوا ما مجموعه 40 مليار دولار على شكل رشاوى خلال العقد المنصرم، ومن بين هؤلاء المسؤولين رئيس الوزراء الأسبق جوابو اندريوتي الذي تولى رئاسة الحكومة الإيطالية سبع مرات والمقيم الآن في تونس بعد اتهامه بوجود ارتباطات له مع المافيا .
وتعمل المافيا الإيطالية الآن في التجارة بالمخدرات والأسلحة والمتفجرات، وتكمن خطورتها في أنها تسيطر على أكثر من 20% من الصناعة الإيطالية، وحيث إن إيطاليا دولة مؤسسة للاتحاد الأوروبي الذي يضم 15 بلدًا والذي يبلغ مجموع ناتجه القومي 7 تريليون دولار في السنة، والذي يعتبر بذلك ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، فلنا أن نتصور التهديد الذي تشكله المافيا الإيطالية للاقتصاد الأوروبي.