; المال الطائفي.. والجوائز الأدبية (أخيرة).. جائزة الأكاذيب | مجلة المجتمع

العنوان المال الطائفي.. والجوائز الأدبية (أخيرة).. جائزة الأكاذيب

الكاتب حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر السبت 16-يوليو-2011

مشاهدات 44

نشر في العدد 1961

نشر في الصفحة 48

السبت 16-يوليو-2011

  • المسلم في الرواية إرهابي ومتخلف ومنغلق ويضطهد النصراني ويهدده بالقتل حتى يضطره إلى الهروب إلى الغرب
  • يبدو أن الرواية تستبيح كل شيء لإثبات تهمة التعصب عند المسلمين وعدوانيتهم ضد المخالفين لهم في الدين

وإذا كانت «مهرة» ترى بمنطقها مفهوماً خاصاً للقبح والجمال، فإنها تقدم حالات طريفة في انتقاد سلوك زوجها السابق بعد أن تقاعد بقرار من الجهة التي كان يعمل بها، وارتدى الجلباب الأبيض، وأطلق لحيته، وصار يرتاد المسجد، ويخضع لأوامر الجماعة المفترضة في الرواية، فتشير إلى افتقاد البيت للمرايا التي تعد فتنة.. كيف؟ تقول «مهرة :» لم تعد في البيت مرآة واحدة، المرايا التي كانت هنا لا أعرف مصيرها.. سألته عن المرايا قال: إنها فتنة، تعجبت ص 186.

كلام يثير الضحك: وفي الرواية كلام يثير الضحك عن المرايا، لا أظن أن مسلمًا حقيقيًا، يتوقف عنده أو يفكر فيه، ولم يصل إلى الأسماع شيء منه: بعد أن تحجبت، وقيل لي إن المرايا فتنة، ويجب أن أتخلص منها، فكرت في ذلك، لم أكن متأكدة من السير في الطريق حتى النهاية التي يريدونها لي، أجلت موضوع تحطيم المرايا، أنظر إلى جسدي في حلة من التيه والخيلاء، لم أكن أتصور الحياة بدون المرايا ص 242 .

تبدو الرواية من خلال رؤية شخصياتها للإسلاميين مثيرة للضحك فعلاً، كأنهم قوم يعيشون خارج التاريخ والجغرافيا جميعاً، ولنتأمل على سبيل المثال ما يقال عن موقف المتدينين الإسلاميين من الشاي والقهوة والتدخين، والمشروبات الأخرى مثل الحلبة والقرفة والينسون وغيرها.. تقول «مهرة » على لسان مصطفى زوجها السابق: لا أعرف ماذا بينهم وبين الشاي والقهوة؟ أما التدخين فهو من المحرمات. 187

ويتحدث مصطفى، وهو ضابط سابق، عن طبيعة الحياة داخل المسجد، التي تثير استغراب «مهرة »، واستهجانها للمشروبات والأغذية المتاحة هناك: في المسجد لم يكن أمامنا غير الكلام، والبوفيه لا يقدم سوى الحلبة والقرفة والينسون؛ لأن الشاي والقهوة مشروبان غير مستحبين، والتدخين محرم صراحة، ويطلبون من البقالين الذين يترددون على المساجد رفض المتاجرة فيه، ليس بسبب الأضرار الناتجة عنه. وإن جاع أحدهم لا يجد غير الأرز باللبن والمهلبية لتناولهما، ومن يحضر زوجته معه يقولون عنها: «جماعته ،» ولا تُنادَى إلا باسم ابنها الذكر؛ فاسم المرأة عورة مثل صورتها وصوتها، تذهب الزوجة إلى الحريم، فالاختلاط خروج عن الدين... ص 217 .

وأظن أن الناس في مصر والبلاد العربية، يستخدمون شيئًا اسمه الكنية حين ينادون على الرجل أو المرأة، فيقولون: أبو فلان وأم فلان، ووصف الزوجة بالجماعة تقليد موروث منذ قرون في أرجاء مصر وخاصة في الريف ولا علاقة له بالإرهابيين الذين تتحدث عنهم الرواية أو المتطرفين في تعبيرها المخفف.

ويبدو المسجد في تصور الرواية وحديث مصطفى عنه حالة مثالية للمساجد يتمناها الناس فعلاً، ولكنه حالة لا وجود لها على أرض الواقع بعد أن فرضت الوزارة التابعة لها المساجد أن تفتح قبل الصلاة بدقائق، وتغلق بعدها بدقائق بينما الكنائس مفتوحة على مدار الأربع والعشرين ساعة، لافتة خارجية تقول إنه مسجد، ولكن بالداخل مجتمعاً: مستشفى يعالج المرضى بأسعار رمزية، معملاً لإجراء التحاليل الطبية؛ مختبرًا للأشعة، محلًا لصناعة النظارات؛ قاعة مناسبات ضخمة تؤجر بمبالغ لا تكاد تذكر، في مناسبات الأفراح والأحزان، والزواج أو الوفاة ؛ كُتَّاباً لتحفيظ القرآن الكريم نهارًا، ومركزًا للدروس الخصوصية الجماعية ليلًا، كوافير للمحجبات، محلاً لملابس المحجبات محلًا لتجارة السبح والجلابيب البيضاء؛ مؤسسة لا تعرف من ينفق عليها، ولا من الذي يديرها، حتى التلفون موجود، يمكنك الاتصال من خلاله بأي مكان في الداخل أو الخارج، وبأسعار أقل من أسعار السنترال الحكومي ص 215 .

ويواصل مصطفى حديثه المثالي عن واقع المسجد في خياله الروائي، أو خيال من ينطقه،فما يقوله لا أساس له في الواقع، هل يجرؤ أحد على تعطيل أمر يخص مسجداً؟ مطلوب التعامل مع المكان كمكتب خاص. أسعار خدمات المسجد لا بد من أنها مدعومة. ص 215 .

السفر إلى العصور الوسطى ترصد «مهرة » ما جرى لزوجها السابق، وترجعه إلى تحوله الديني، فتراه إلغاءً للعقل، وسفراً إلى العصور الوسطى، ولا أدري هل تقصد العصور الوسطى المظلمة في أوربة، أو العصور الوسطى المضيئة في بلاد الإسلام؟

لم أصدق ما سمعته. هل وصل مصطفى إلى هذه الحال؟. أبعد كل هذا يلف مصطفى ويدور، ويلغي عقله ويتوه، ويسافر إلى العصور الوسطى؟ ص 192 .

وبناء على هذا التصور للتدين؛ فإنها تنقل عن مصطفى فهمه للعلاقة بين المسلمين وغيرهم التي تتلخص في ضرورة محاربة الصليبيين ولا ندري المقصود بهم هل هم من يعيشون بيننا من غير المسلمين، أم أولئك الذين استعمروا الشعوب الشرقية وأذلوها؟

كل المؤامرات في ذهنه المتعب، تلف وتدور، تروح وتجيء، تفترق وتلتقي عند الحرب المقدسة ضد الصليبيين. قال لي: محمد في مواجهة المسيح، من سينتصر في النهاية؟ ص 194 .

هل قال أحد في الجماعات الإسلامية: إن محمدًا في مواجهة المسيح؟ إن أي مسلم مهما كان توصيفه بمنطق الرواية: معتدلاً أو متطرفاً أو إرهابياً، لابد أن يؤمن بالمسيح عليه السلام نبياً ورسولاً رفعه الله إليه، فلا مجال هنا للقول: إن محمداً ضد المسيح. أهو الافتئات على المسلمين والتحامل عليهم ونسبة معتقدات خاطئة إليهم ؟ يبدو أن الرواية تستبيح كل شيء في سبيل الوصول إلى تثبيت تهمة التعصب عند المسلمين وعدوانيتهم ضد المخالفين لهم في الدين.

وتعيدنا الرواية إلى أجواء أفلام عادل إمام عما يسميه الإرهاب، ويؤكد على اعتقاد المسلمين باستباحة أموال النصارى، وهو اعتقاد خاطئ لا يستطيع أن يصرح به مسلم، حتى لو كان من تلك الجماعات التي تصفها الأجهزة بالإرهابية.

سألني: مم أخاف؟ إن كنت أنفقت المبلغ، فأهلاً ومرحباً، أموالهم مستباحة لنا. ماذا يملكون معك؟ هل يجرؤ واحد منهم على الاعتداء عليك. إنه يكون يوم القيامة في مصر لو جرى ذلك ص 196 .

جائزة المال الطائفي

وأعتقد أنه يكفي ما سبق من اقتباسات الرواية التي فازت بجائزة المال الطائفي وتعادل في قيمتها المادية قيمة الجائزة التقديرية التي تمنحها الدولة، ولكنها بالنسبة للقيمة المعنوية التي تتحقق للمال الطائفي كبيرة للغاية، فهي رواية لا تترك صغيرة ولا كبيرة في حياة المسلمين إلا وانتقدتها أو أدانتها أو جعلتها مجافية للإنسانية والأخلاق والتحضر حتى الشاي والقهوة - كما رأينا - على لسان الشخصيات كلها.

لم نر شخصية تقف موقف المعارضة للشخصيات الأخرى أو تدلي بحديث مغاير ينصف الإسلام والمسلمين، ولكن المسلم في الرواية إرهابي ومتخلف ومنغلق ويضطهد النصراني، ويهدده بالقتل أو الخطف حتى يضطره إلى الهروب بجلده إلى الغرب، وهناك يلقى الحفاوة والاهتمام والحماية.

إن صاحب الجائزة الطائفية وهو يكافئ صاحب هذه الرواية يحقق مكسبًا معنويًا كبيرًا في حرب التمرد التي تخوضها الطائفة أو قيادتها بمعنى أدق ضد الإسلام والمسلمين، ولا ضير أن تكون بقية الجوائز التي يمنحها المال الطائفي بعيدة عن التعبير عن أهداف التمرد، فالفائزون بصورة أوأخرى لن ينتقدوا صاحب الجائزة ولا تصرفاته في البلاد التي تقوم على احتكار بعض السلع والتحكم في بعض الخدمات وشراء كثير من الأقلام والأبواق التي تنافح عنه وعن الطائفة أو تلزم الصمت في أسوأ الأحوال.

والسؤال الذي يأتي الآن على طرف اللسان: ماذا يفعل المال الإسلامي للتعبير عن قيم الإسلام؟ إن الجوائز التي أنشأها بعض أصحاب المال الإسلامي ذهب معظمها للأسف إلى يساريين أو علمانيين أو ملحدين، بل إنها اختطفت في هيئات التحكيم لحساب هذه الاتجاهات.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

الرابط المختصر :