العنوان المبعوث الأمريكي السادس يغادر بلا تطبيع ولا سلام
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر السبت 22-ديسمبر-2012
مشاهدات 55
نشر في العدد 2032
نشر في الصفحة 30
السبت 22-ديسمبر-2012
* المتحدث باسم الحزب الحاكم: أمريكا تبني استراتيجيتها في علاقتها مع السودان على التكتيك وليس المصالح الاستراتيجية.
* الجنرال سكوت قريشن: أجهزة الاستخبارات لم تقدم دليلا واضحا على دعم السودان للإرهاب.. والمقاطعة المفروضة على السودان تأتي بنتائج عكسية لجهود السلام.
* السيناتور جون دانفورث مبعوث «بوش» للسودان كاد للسودان كيدًا وصنع فتنة في جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق مما أدى إلى الحرب الدائرة الآن في المنطقتين.
في خطوة مفاجئة، أعلن البيت الأبيض» أن المبعوث الرئاسي الخاص إلى السودان، وجنوب السودان برنستون ليمان سيترك منصبه ويعود إلى بلاده، منهيا مهمته كسادس مبعوث رئاسي للسودان خلال السنوات العشر الماضية.
هؤلاء الموفدون يأتون إلى السودان، وفي أول تصريح لهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، بل يعملون في الخفاء عكس ما يقولون، ولم تشهد العلاقات التي جاؤوا لترميمها والعمل على تطبيعها أي تقدم فلا مساعي السلام تكللت بالنجاح، ولا العلاقات أصبحت طبيعية، ولا رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، فهذا المبعوث الرئاسي الأمريكي في نهاية مهمته ردد نفس القول المحفوظ عن سابقيه حيث صرح: «إن بلاده لن تطبع علاقاتها مع السودان؛ لأنه لم يوف بالتزاماته.
إثارة الفتنة:
الرئيس الأمريكي باراك أوباما» وهو يعلن نهاية مهمة ليمان» قال ممتدحا إياه: «لقد أدى بريستون عملا رائعا في المساعدة على تحقيق استقلال جنوب السودان والعمل من أجل الرؤية الدولية للسودان وجنوب السودان حتى يعيشا جنبا إلى جنب في سلام.. وقال في بيان له: «إن شعبي السودان وجنوب السودان اللذين عانا بشدة يتمتعان بفرصة مستقبل أفضل بفضل الجهود التي بذلها ليمان في حض الطرفين على جعل مصلحة شعبيهما أولوية.
ولم تذكر إدارة أوباما» الأسباب التي أدت إلى مغادرة ليمان منصبه، كما لم توضح ما إذا كانت ستعين خلفا له، وإن كانت بعض التحليلات ذكرت أن رحيل الرجل أمر طبيعي في مرحلة انتقالية بين ولايتين رئاسيتين، كما تشير بعض الإشارات إلىأن الحالة الصحية للرجل لا تمكنه من أداء مهامه بكفاءة، فقد بلغ من الكبر عتيا وعمره الآن ٧٧ عامًا.
وقد عين المبعوث المستقيل في مارس ۲۰۱۱م، وله خبرة بأوضاع السودان؛ لأنه قد ترأس في الماضي الفريق الأمريكي الذي تابع مفاوضات نيفاشا» قبل توقيع اتفاقية السلام عام ٢٠٠٥م.
تاريخ المبعوثين الأمريكيين في السودان تاريخ طويل، وبدعة ابتدعتها أمريكا للتدخل في شؤون الدول المستضعفة لتحقيق أهدافها في بسط نفوذها، لا لمساعدة الدول لوضع حلول ناجعة لمشكلاتها المستعصية بل فيهم من يعمل عمدًا لتعقيد الأوضاع بالبلاد.
ووصل عدد المبعوثين الأمريكيين إلى السودان إلى ستة، كان أولهم السيناتور هاري جونسون الذي جاء مبعوثا من قبل الرئيس كلينتون»: ليعمل على تقريب وجهات النظر بين البلدين بعد قطيعة استمرت طويلا وتوجت تلك القطيعة بضرب مصنع «الشفاء»في مدينة الخرطوم بحري في أغسطس عام
۱۹۹۸م، ومن الملاحظ أن تعيين هذا المبعوث قد جاء بعد يوم واحد من بدء تصدير النفط السوداني في نفس الشهر الذي ضرب فيه مصنع الشفاء». وقد فشل في إحداث تقارب بين البلدين؛ لأن السودان في ذلك الحين كان متشددًا في نظرته تجاه أمريكا، ويظن بها ظن السوء، وأنها دولة تريد شرًا بالسودان وأهله المسلمين.
عندما تقلد «بوش» الابن مقاليد بلاده رئيسا، بعث في عهده ثلاثة مبعوثين، أولهم السيناتور جون دانفورت عام ٢٠٠١م والذي كاد للسودان كيدا، وعمل على إنفاذ الخطة التي قادت إلى مباحثات السلام والتي أصدرها مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن، الذي اقترح سياسة لإنهاء الحرب الأهلية في السودان، واقترح الأسس التي قامت عليها التوصية التي توصل إليها طرفا الحرب في اتفاقية السلام الشامل عام ٢٠٠٥م، وعمل دان فورث على إلحاق جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق في مباحثات السلام مما أدى إلى الحرب الدائرة الآن في المنطقتين مع أنهما خارج حدود أول يناير ١٩٥٦م.
وخلف «دان فورث في مهمة المبعوث الأمريكي الرئاسي أندرو ناتسيوس»، المدير السابق لوكالة التنمية الأمريكية، الذي شغل المنصب منذ عام ۲۰۰۵محتى آخر العام ۲۰۰۷م، حيث حاول هذا المبعوث إنهاء النزاع في إقليم دارفور، ولكنه بعد جولات عديدة باءت جهوده بالفشل كما فشل في إقناع الخرطوم بقبول القوات الدولية في دارفور واستعيض عنها بقوات «اليونيميد».
جاء بعده السفير ريتشارد وليامسون الذي امتدت فترته لعام واحد فقط؛ لأن عهد الجمهوريين قد ولى بفوز المرشح الديمقراطي باراك أوباما الذي عين في مستهل ولايته في مارس ۲۰۰۹م الجنرال سكوت قريشن مبعوثا خاصا له.
تصريحات إيجابية:
لقد كان لـ «قريشن» تصريحات إيجابية تجاه السودان أقر فيها أنه لا وجود لإبادة جماعية، كما تدعي الجماعات اليهودية والعنف متبادل بين الحكومة والمتمردين وأن سياسة المقاطعة الأمريكية للخرطوم لا تسهم في إحلال السلام في دارفور والجنوب وبقية أنحاء القطر، وطالب برفع العقوبات الاقتصادية عن السودان؛ حيث إن أجهزة الاستخبارات لم تقدم دليلا واضحا لدعم السودان للإرهاب، وإن المقاطعة المفروضة على السودان تأتي بنتائج عكسية لجهود السلام.
كما كانت له تصريحات إيجابية حول مفوضية الانتخابات، فقد قال: إنه واثق كل الثقة من أن الانتخابات ستجرى في نزاهة وشفافية قدر الإمكان، وقد قوبل قرايشن» بانتقادات حادة في «الكونجرس»؛ حيث اللوبي اليهودي المعادي للسودان يعمل لإثارة الفتن في هذا القطر العربي الإسلامي الأفريقي الحاجة في نفس اليهود والكيان الصهيوني في فلسطين.. ولكن ربما هذه التصريحات والنعومة التي كان يبديها لم تكن إلا طريقا إلى إجراء الانتخابات والاستفتاء على تقرير مصير الجنوب بسلاسة حتى يتحقق هدف أمريكا بانفصال الجنوب عن الشمال وإقامة دولة عميلة تابعة لهم، بعد أن رفض الشمال التبعية والخضوع للنفوذ الأمريكي.
إنها الهيمنة:
في أول تصريح له المؤتمر الوطني الحزب الحاكم بعد إعلان استقالة ليمان من منصبه، أكد المتحدث باسم الحزب بدر الدين إبراهيم أن السودان حريص على إقامة علاقات طبيعية مع الولايات المتحدة الأمريكية، مشيرا إلى الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ولكنه أضاف بأن السودان لن يبكي على اللبن المسكوب في علاقته مع أمريكا إذا أصرت على مواقفها.. وقال: إن أمريكا تبني إستراتيجيتها في العلاقة مع السودان على التكتيك وليس المصالح الإستراتيجية، وقال: إن السودان قبل أمريكا وسيطا باعتبار وزنها وقدراتها المعروفة وتأثيرها في العالم، ولكنها تريد استخدام علاقاتها مع السودان وسيلة للتدخل في شؤونه.
سلسلة المبعوثين الأمريكيين هي لتنفيذ سياسات واشنطن الثابتة تجاه السودان، ولن تتغير أبدا بتغير مبعوثيها: لأنها دولة تريد الهيمنة على العالم بكل وسيلة مشروعة وغير مشروعة، فلماذا أصلا نلهث وراء رضا أمريكا وتطبيع العلاقات معها وهي لن ترضى عنا إلا إذا تخلينا عن عقيدتنا واتبعنا ملتهم... هل يعقل أن ترضى عنا أمريكا وهي قائدة الصليبية الحديثة عن السودان المسلم الذي رضي بانفصال الجنوب حفاظا على الشريعة في الشمال.
إن استراتيجية أمريكا واضحة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وهي اقتلاع نظام الإنقاذ» من جذوره إما بانقلاب عسكري، أو عن طريق الانتخابات، أو عن طريق المفاوضات، أو إشعال الحروب الأهلية لاستنزاف طاقات البلاد..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل