; المتدينون اليهود يستعرضون قوتهم في القدس المحتلة | مجلة المجتمع

العنوان المتدينون اليهود يستعرضون قوتهم في القدس المحتلة

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1999

مشاهدات 64

نشر في العدد 1339

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 23-فبراير-1999

فلسطين المحتلة

على استعداد لأن يغزوا أي مكان

      عكست المظاهرات الإسرائيلية التي جرت في القدس المحتلة الأسبوع الماضي عمق الخلافات التي تجتاح المجتمع الصهيوني وهشاشة البنية الداخلية التي يقوم عليها، فقد أثبتت تلك المظاهرات حجم التشرذم الذي قسم المجتمع الإسرائيلي إلى أقلية متدينة لكنها نامية باستمرار، وإلى أغلبية علمانية تتراجع كل يوم لصالح الأحزاب الدينية على اختلاف أشكالها وأصولها العرقية التي شكلت ما يسمى بطبقة الحاريديم، وهي كلمة عبرية تعني الذين يخشون الله.

     ولأول مرة في تاريخ الدولة اليهودية يخرج أكثر من ربع مليون من الحاريديم إلى شوارع القدس المحتلة، بعد أن تداعت أحزابهم للاحتجاج على سلسلة من القرارات والأحكام التي أصدرتها ما تسمى بمحكمة العدل العليا الإسرائيلية، والتي يرى المتدينون أنها قد مست أسس عقيدتهم اليهودية وحقوقهم، وعلى الرغم من أن المتدينين كانوا يتوقعون نزول حوالي مليون يهودي إلى الشوارع تضامنًا معهم، الأمر الذي خيب آمالهم، إلا أن الأحزاب والتجمعات العلمانية الأخرى التي تنادت لتأييد رئيس المحكمة الإسرائيلية أهارون باراك لم تجمع أكثر من (٤٠) ألفًا.

     المشاركون في مظاهرة الحاريديم رفعوا لافتات تصف أهارون باراك بأنه عدو اليهود، ولافتات أخرى كتب عليها: «المحكمة العليا تقسم البلاد» و«أوقفوا استفزازات المحكمة العليا»، و«فلنمنع إسرائيل من أن تصبح إيران جديدة»، وهدد مناحيم بوراش منظم المظاهرة وعضو الكنيست السابق بأنه «إذا لم تقتنع المحكمة العليا بعد هذه المظاهرة بوقف تدخلها في الشؤون الدينية لليهود، فستكون هناك حرب»، وقال: «إن الناس المتواجدين في هذه المظاهرة على استعداد لأن يغزوا أي مكان».

      وهدد موشي غافني عضو الكنيست وسكرتير حزب التوراة المتحد الحكومة بضرورة الاستجابة لمطالب الحاريديم، وقال: «إن بلدًا ديمقراطيًا لا يمكنه تجاهل (۳۰۰ إلى ٤٠٠) ألف شخص خرجوا إلى الشوارع محتجين.

       ويريد الحاريديم الذين لا يتجاوزون (١٠٪) من سكان الدولة العبرية اليهود تطبيق التوراة والتعاليم اليهودية على كل يهودي في إسرائيل وبالتالي عدم محاكمة أي يهودي إلا أمام محكمة دينية، وألا يتم تحويله إلى محكمة علمانية إلا بناء على إذن من أحد الحاخامات، ولذلك يعترض الحاريديم على وجود المحاكم المدنية العلمانية، وقد اتخذوا من إصدار محكمة العدل العليا الإسرائيلية لبعض القرارات التي يرون أنها تخالف نصوص التوراة كتعريف من هو اليهودي، والزيجات المختلطة بين اليهود وغيرهم، وإلزام طلاب المدارس الدينية بأداء الخدمة العسكرية في الجيش الصهيوني «حاليًا معفون من الخدمة» والسماح بفتح بعض المحلات أيام السبت -وهو يوم عطلة دينية عند اليهود- اتخذوا من ذلك كله ذريعة لنقض القانون المدني الإسرائيلي على سوئه، وأدت قرارات المحكمة العليا الإسرائيلية التي صدرت في الفترة الأخيرة إلى التشكيك بالإعفاءات من الخدمة العسكرية الممنوحة لأكثر من (٣٠) ألف شاب من المتدينين الحاريديم.

      ويدعي مسؤولون فيما يسمى بوزارة العدل الإسرائيلية بأن حوالي (٣٠٪) من القضاة الإسرائيليين متدينون، وبالتالي يحرصون على يهوديتهم كأي إسرائيلي حاريدي، ويريدون بذلك أن ينفوا عن وزارة العدل صفة العلمانية أو مخالفة محاكمها للقوانين اليهودية، ويرى هؤلاء أن الحل يمكن أن يكون بتعيين قاض متدين من الحاريديم في محكمة العدل العليا، إلا أنه لم يتقدم حتى الآن أي مرشح للعمل في هذا المنصب، وقد حاول باراك في عام ۱۹۹۷م تعيين أحد أعضاء المحكمة الحاخامية العليا في محكمة العدل العليا، لكن المحاولة فشلت بعد أن رفض الحاخام المعني ذلك العرض، ولا تخلو مطالب الحاريديم من المنطق، فهم يرون أن المحاكم المدنية الإسرائيلية يمكنها أن تحدد من هو الإسرائيلي، أما أن تصدر فتاوى حول من هو اليهودي فهذه قضية دينية من اختصاص المحاكم الحاخامية.

     ويمكن تمييز الحاريديم من مظهرهم الخارجي بلباسهم الأسود الطويل ولحاهم الطويلة والقبعات الكبيرة، وهم يقضون معظم أوقاتهم في حضور الندوات والدروس الدينية، ويحصل هؤلاء على معونات مادية من الحكومة الإسرائيلية التي تتقرب إليهم لكسب أصواتهم في الانتخابات، كما تحرص حكومة بنيامين نتنياهو على إرضاء الأحزاب الدينية المتشددة في الكنيست الإسرائيلي طمعًا في تأييدها ضد حزب العمل وأحزاب اليسار الأخرى، وتطالب الأحزاب الدينية بالمزيد من الأموال والدعم الحكومي لتنفق على المدارس الدينية التي تديرها وعلى إسكان أعضائها، إضافة إلى التزاماتها المادية المترتبة على قيامها بحث المجتمع اليهودي على التقيد بالقوانين اليهودية.

     وقد أظهر استطلاع للرأي أجراه معهد جالوب الشهر الماضي ونشر في صحيفة معاريف الإسرائيلية بأن (٧٥٪) من الإسرائيليين يعتقدون بامتلاك الحاريديم لنفوذ واسع في المجتمع الإسرائيلي.

     والحاريديم ليسوا المتدينين اليهود الوحيدين في مجتمعهم بل هناك عدد كبير من الحاخامات الذين يطلق عليهم اسم المعتدلين أو الإصلاحيين، وقد لفت الانتباه أواخر الشهر الماضي ما قامت به مجموعة يهودية أمريكية تعرف بالحاخامات الإصلاحيين، وكانت تتشكل من رجال ونساء، بأداء الصلاة اليهودية عند حائط المبكى في القدس المحتلة بصورة مختلطة، مما أثار حفيظة الحاريديم الذين يحظرون الاختلاط بين الجنسين في أماكن العبادة وغيرها، وتعرضت المجموعة الأمريكية للشتم والتقريع من الحاريديم الذين تواجدوا في المكان، ووصفوهم بأنهم نازيون وهي شتيمة تعتبر كبيرة عند اليهود، وقد ركزت وكالات الأنباء العالمية في مظاهرة الأسبوع الماضي على ظاهرة الفصل بين الرجال والنساء الحاريديم، وكيف كانت نساؤهم يرتدين الأثواب الطويلة السوداء.

      ومثل المجتمع الإسرائيلي، فإن (٩٠٪) من اليهود المقيمين في الولايات المتحدة ينتمون إلى الحركات المحافظة أو الإصلاحية، والباقي من الحاريديم أو ما يعرف في الولايات المتحدة وأوروبا باليهود الأرثوذوكس، ويختلف اليهود الأرثوذوكس عن الإصلاحيين في أنهم يتمسكون بنصوص التوراة وحرفيتها، بينما يرى الإصلاحيون ضرورة التقيد بروحها ومحتواها الأخلاقي، ويعتبر كثير من اليهود الأرثوذوكس الإصلاحيين هراطقة ومبتدعين، وعلى حد قول الحاخام إلياهو باكشي دورون رئيس طائفة اليهود السفارديم «الشرقيين» فإن الحركة الإصلاحية اليهودية مسؤولة عن ضياع كثير من اليهود الذين ذابوا في المجتمعات غير اليهودية بنفس العدد من اليهود الذين أبيدوا في محارق الهولوكست النازية حسب زعمه.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 29

179

الثلاثاء 29-سبتمبر-1970

يوميات المجتمع (29)

نشر في العدد 193

197

الثلاثاء 26-مارس-1974

المجتمع الإسلامي (194)