; المجاهدون العرب.. جبهة جديدة في البوسنة والهرسك | مجلة المجتمع

العنوان المجاهدون العرب.. جبهة جديدة في البوسنة والهرسك

الكاتب أسعد طه

تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1992

مشاهدات 52

نشر في العدد 1014

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 01-سبتمبر-1992


متطوعون في البوسنة: نداء الجهاد من بيشاور إلى زغرب

إدراك الحقيقة: استهداف الإسلاميين والبسطاء

نعم.. مرة أخرى يحمل البسطاء أمتعتهم ويتوجهون صوب البوسنة والهرسك موقع جهادي جديد يشهر - رغم الضجيج الإعلامي العالمي الذي يملأ الدنيا ليلاً نهارًا - على توحيد قوى الكفر ومساهمتها بكل ما تملك - حتى ولو كان إعلان إدانة لا يساوي ثمن المداد الذي سُوِّدَ به - في مواجهة فئة مسلمة خارجة لتوها من ظلم وإجحاف عشرات السنين في ظل الشيوعية البلهاء التي استأسدت أكثر ما استأسدت على المسلمين.

«العدو الصربي» لا يرى فرقًا بين إمام المسجد الذي ظل متمسكًا بدينه طوال الحقبة الشيوعية وربما بسببه زُجَّ به في السجن وعُذِّب، وبين ذلك الشاب الذي لم يبق له من إسلامه سوى اسمه.. ويكفي التأكد من «الختان» دليلاً على أن الرجلين مسلمان وأنهما يستحقان الذبح. وفيما يكتشف البعض فجأة في بلادنا أن أقدم جماعة إسلامية في أوروبا تتعرض للفناء، يشكك البعض في مدى ولائهم للإسلام في حين تكون السكين الصربية تمارس عملها في رقاب المسلمين أيًّا كانت درجة التزامهم وإيمانهم. هذه الحقيقة البسيطة هي التي أدركها بعض المخلصين العرب فهبوا لنصرة إخوانهم في الدين.

«حسينو فيتش» الشاب البوسني القادم من مدينة توزلا يقول: «عندما بدأ الصرب يستعدون لمواجهتنا وذبحنا، كانت عين لنا ترنو إلى تركيا والأخرى إلى إيران لعلهم يأتون لنصرتنا، ولما وقعت الحرب وجدنا العرب بين صفوفنا يضمدون جراحنا ويستقبلون لاجئينا ويؤدون واجب النصرة».


2زغرب الجديدة: امتداد لبيشاور الجهاد الأفغاني

والزائر لمدينة زغرب العاصمة الكرواتية، ليس له إلا أن يذكر بيشاور.. تلك المدينة الباكستانية التي كانت مقرًا للعديد من الهيئات الإغاثية الإسلامية والفعاليات العربية التي أتت لنصرة الجهاد الأفغاني والتي مارست دورها أو شيئًا من دورها على مدار سنوات الجهاد الطويلة سواء في ميادين الجهاد القتالية أو عبر تقديم المساعدات الطبية أو الإغاثية أو التعليمية وغيرها.

نفس الأمر يتكرر الآن في زغرب: شباب يكاد يمثل كافة الأوطان العربية، لا هَمَّ له إلا مرضاة الله عز وجل، وهو يرى أن «البوسنة والهرسك» إحدى الطرق المؤدية لذلك. أثرياء أبوا إلا أن يحملوا على أكتافهم صناديق الأطعمة والأدوية ليقوموا بتوزيعها على معسكرات اللاجئين، وفقراء لم يجدوا إلا جهدهم وأنفسهم يقدمونه لإخوانهم في الدين، إلا أن المهمة التي حملها العرب على عاتقهم تَنُوءُ بها الجبال.


ميادين الإغاثة: مواجهة خطر التنصير

ميادين الجهاد (الإغاثة):

وعلى صعيد المساعدات الإغاثية، تقوم الهيئات الإنسانية العربية باستقبال المهاجرين وإيوائهم في بعض المخيمات أو المقار التي تم الاتفاق مع السلطات الكرواتية على الإشراف عليها. في هذه الملاجئ، عبء مراعاة الجوانب الإنسانية فيها أصعب من الجوانب المادية، فساكنوها هم من النساء والشيوخ والأطفال الذين تركوا رجالهم وأبناءهم في جبهات القتال يحاربون، وبعضهم لا يملك حتى السلاح، وهم لا يعرفون عنهم أية أخبار، من منهم استشهد ومن منهم ما زال حيًّا. بالإضافة إلى أن الأجواء والظروف الراهنة التي يعيشها اللاجئون تهيئ لهم الاقتراب أكثر من الله عز وجل في هذه المحنة المؤلمة؛ مما يعني أن عبء التوجيه الديني وتعليم الناس أمور دينهم تحتاج جهدًا كبيرًا.

ولعل الهيئات التنصيرية أدركت صلاحية الظروف لذلك، ومن ثم فهي تقوم بدورها التضليلي تمامًا في هذا المجال، خاصة أن بعض مقار اللاجئين تابعة للهيئات الكنسية التي تبذل جهدًا شديدًا في رد المسلمين عن دينهم، وتقوم بالتأثير على الصِّبْيَةِ الصغار من الأولاد والبنات الذين يعيشون في الملاجئ في غيبة رب العائلة وهموم أمهاتهم الباحثات عن لقمة العيش لهم.

ويحكي أحد الأئمة العرب أنه زار بيتًا للراهبات يسكنه عدد من المجاهدين، وعندما دخل إلى القاعة الرئيسية فوجئ بأن الراهب قد جلس والتفت حوله الأمهات تحمل بعضهن رضيعها وقد أخذ هو يقرأ في الإنجيل. ولما كان وقت الصلاة، طلب الإمام العربي أن يؤذن للصلاة فسمح له. إلا أن الجميع فوجئ بالنساء الحاضرات وقد أخذن يبكين وينتحبن وطلبن أن يشاركن في الصلاة بعد أن غطين رؤوسهن بملابس الراهبات، وكان درسًا للجميع من أن شوقًا كبيرًا لدين الله ينتظر من يحركه.

أما الأطفال، فقد باتت القضية الأولى والأخطر، حيث تعرضوا لعمليات مسخ هوية بالكامل عن طريق تغريبهم عن بلادهم وعن دينهم. وتشارك في ذلك مؤسسات عالمية بدعوى إنقاذ الأطفال من مناطق الحرب وإرسالهم إلى أوروبا، حيث تقوم المؤسسات التنصيرية باحتضان هؤلاء الأطفال سواء في أراضي كرواتيا أو في دول أوروبية. وبالطبع فإن الأهداف واضحة محددة، خاصة أن أسرًا أوروبية عديدة أعربت عن رغبتها في تبني هؤلاء الأطفال، مما يعني أن جيلاً كاملاً فشل الشيوعيون في زحزحة آبائهم عن إسلامهم يراد له الآن أن ينسلخ تمامًا عن دينه. ورغم أن بعض المدارس الصغيرة لتعليم القرآن وتحفيظه قد افتتحت ويقوم بعض العرب بدورهم فيها، لكن يبقى أنها دون التحدي التنصيري الذي تبذله المؤسسات التبشيرية.


أقصر الطرق إلى سراييفو: المجاهدون العرب

أقصر الطرق إلى سراييفو:

بعض العرب رغم إيمانهم وقناعتهم بأهمية دورهم في هذا المجال، إلا أن شوقهم للجهاد وإيمانهم بأن البندقية هي أقصر الطرق إلى سراييفو دفعهم للصفوف الأولى مع المقاتلين المسلمين من أهل البوسنة الكرام. وهم على قلة عددهم حتى الآن على نوعين:

السياحة الجهادية: وهم الذين أتوا لـ «السياحة الجهادية» إن صح التعبير، أي للزيارة ولرفع همة الإخوان أهل البوسنة والهرسك المقاتلين ورفع روحهم المعنوية وتعفير أقدامهم في ميادين الجهاد، وإيصال رسالة هامة مفادها أن شعوب العالم الإسلامي بغض النظر عن مواقف الحكومات تقف وراءهم وتعي قضيتهم، وهم المد الحقيقي لهم. أحد المقاتلين المسلمين ذكر لأحد الضيوف العرب في خط المواجهة الأول أنهم ينتظرون منذ الصباح الباكر بشوق شديد بعد أن علموا أن ضيوفًا عربًا سوف يأتون لزيارتهم. ويضيف المقاتل المسلم أن المحاربين الكروات الذين يقفون معهم في بعض المواقع تأتي إليهم زيارات من الخارج بصفة دائمة، «ونحن ليس لنا إلا أنتم أيها العرب فلا تقطعوا بنا».

البقاء حتى النهاية: أما النوع الآخر فقد أتى للبقاء حتى النهاية... النصر أو الاستشهاد، وهو يدرك تمامًا أبعاد المؤامرة التي تهدف إلى إبادة شعب مسكين مسلم في يوغسلافيا القديمة، إلى مؤامرة القضاء على مسلمي البلقان في ظل تواطؤ أوروبي يرتعد من أن ينبت الإسلام بين جنبيه.

ردود فعل التواجد العربي بين صفوف المقاتلين المسلمين لا يمكن توصيفها بسهولة، وعلى الذاكرة العربية أن تسترجع الدور الذي قام به المجاهدون العرب في أفغانستان ويكفي أن المواقع القليلة التي يتواجد فيها المجاهدون العرب في البوسنة والهرسك بانت فيها مظاهر الالتزام مع أهل البلاد قوية، ربما بدت في حجاب امرأة عفيفة أو مصحف رجل يحاول أن يتهجد فيه. ويبقى في النهاية أن أشير إلى أمر هام، وهو أن البعض يرى خطرًا شديدًا في الحديث عن وجود مجاهدين عرب في البوسنة، ظانًّا بذلك أننا نقدم هذه المعلومة ببساطة شديدة إلى أوروبا الكارهة للإسلام، وأن ذلك سيعجل بالتضييق على دخول العرب إلى أراضي البوسنة والهرسك.

والحق أن أمر وجود مجاهدين عرب على قلتهم تحدثت عنه الكثير من وسائل الإعلام الغربية، وتدركه أقمارهم الصناعية، ورجال مخابراتهم، وربما نبقى نحن الذين لا نعلم. هذه واحدة. أما الأخرى فإن أمر التضييق على دخول العرب سيحدث إما الآن وإما لاحقًا.. كل ما في الأمر أننا نستعجل دخول العرب بهذا الحديث قبل أن يحدث التضييق الحتمي.. وفي كل الأحوال فإن نصر الله آتٍ والعقبى للمتقين.



الرابط المختصر :