; قواعد التربية الجنسية للطفل | مجلة المجتمع

العنوان قواعد التربية الجنسية للطفل

الكاتب محمد عبدالله الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أغسطس-1996

مشاهدات 426

نشر في العدد 1214

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 27-أغسطس-1996

ربما يتصور البعض أن الحديث في هذا الموضوع من النوافل أو أحاديث المناسبات.. أبدًا لا.. فإن ما تواجهه الأسرة المسلمة من ألوان التحدي في كل المجالات، خاصة مجال تنشئة وتربية الأولاد، وما يفرضه علينا الإسلام من ضرورة الاهتمام بتربية الأبناء تربية متوازية، كل هذا يجعل للحديث شأنًا آخر.

 إن الارتباط الوثيق بين جنوح الناشئة، وما تقع أعينهم عليه سواء في البيت الجاهل بحقيقة دوره، او المشغول بغيرهم أو المدرسة، أو الشارع، أو التليفزيون، من مشاهد ومناظر وأحداث وسرقات واعتداءات واغتصابات يرتكبها المراهقون من الجنسين أمور كلها تستدعي الحديث عنها، وإدمان الكتابة فيها، ومحاولة إيقاظ ضمائر الموجهين والمربين والكتاب والآباء والأمهات بالدرجة الأولى، ودفعهم إلى مضاعفة العناية والرعاية لأبنائهم، ومصاحبتهم وتوجيههم باستمرار، وعدم الملل أو اليأس من العلاج، وكذلك التوجه للمدرسة والمعهد والجامعة وتحذير الجميع من التقصير.

ولن ينقذنا وينقذ بيوتنا وأولادنا، وينقذ العالم من الفوضى والعبث وفوضى الانفلات والانحدار الخلقي الجارف إلا النظرة الإسلامية الربانية لأنها تضع كل شيء في موضعه، وتتيح لكل إنسان في مراحل حياته المختلفة حياة متوازية متكاملة تحقق معنى الإنسانية، وتلبي ضرورات الإنسان وأشواقه القلبية.

العالم كله محتاج إلى الإسلام، حتى يستريح من الخوف الدائم، والفزع الدائم، وتوتر الأعصاب والقلق، وحتى يستريح من سلطان الشهوات وتجار الرقيق الأبيض، واستعباد المتاع الحسي، وعبودية الشهوات الدنسة التي لا يكاد يفيق منها .

ونسأل: هل تقدمت البشرية في أربعة عشر قرنًا بعيدًا عن وحي الإسلام أم أنها ظلت تنحدر وتتأخر حتى لتحتاج اليوم إلى قبس من هدي الإسلام يخرجها مما هي فيه من الظلام.

 إن من قواعد التربية الجنسية للطفل في الإسلام الاستئذان بعد سن التمييز على أبويه في أوقات حددها القرآن وهي فترة النوم من بعد صلاة العشاء، وقبل طلوع الفجر، وكذلك وقت الراحة في الظهيرة، حيث يغلب في هذه الأوقات أن يكون الأبوان قد نزعا ثيابهما، أو تكون الأم في وضع لا يجوز أن يراها فيه طفل مميز، لذلك يجب أن يخرج الطفل المميز من غرفة نوم أبويه أو يوضع حجاب بينه وبينهما، كما أنه لا يجب إظهار الزينة للطفل الذي يميز، وكذلك التفريق بين الأبناء في النوم سواء في غرفة واحدة أو على سرير واحد، فلا يجوز هذا إلا عند الضرورة.

ونجيب على سؤال: هل يجوز مصارحة الولد جنسيًا؟

 1- الذي يبدو من الأدلة الشرعية التي سنذكرها أنه يجوز للمربي أن يصارح من يربيه، كما يجوز للوالد أن يصارح ابنه أو ابنته في هذه القضايا، وأحيانًا تكون المصارحة واجبة إذا ترتب عليها بيان حكم شرعي.

وها هي بعض الأدلة:

قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)  (المؤمنون: 5-6)

وقال جل شأنه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ (البقرة: 187) 

وقال سبحانه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) ﴾ (البقرة:223)

وقال أيضًا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) (المؤمنون: ۱۲ -۱۳)

وقوله تبارك وتعالى: ﴿إ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)  (الإنسان :۲) وقوله: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) (الإسراء: ۳۲).

 ٢ - فهذه الآيات القرآنية تتحدث بوضوح في أسلوب نظيف عن كريم وبعبارات غاية في الرقي والأدب عن جوانب من الثقافة الجنسية، ثقافة ينبغي على المربي أو المعلم أن يوصلها للصغار والكبار، وما يحل منها وما يحرم، ما يأتي منها وما يترك والشرع يحتم علينا أن نوضح لهم الحقائق حتى لا يقعوا في المخالفات نظرًا لجهلهم بها..

٣- يجب على المربي أن يصارح الصبي إذا بلغ سن المراهقة وهو ما بين ۱۲ - ١٥ سنة أن يصارحه إذا نزل منه مني ذو دفق وذو شهرة، عندها يصبح بالغًا ومكلفًا شرعًا، يجب عليه ما يجب على الرجال والكبار من فرائض وتكاليف ومسؤوليات، وعلى المربية أن تصارح البنت أيضًا بهذا الأمر.

4- ويجب أن يكون من في البيت من أب وأم على ثقافة شرعية تمكنهم من أداء جزء من هذا الدور، فكم سمعنا عن فتيات بقين سنين ولا يعلمون شيئًا عن ما يترتب على الحيض والنفاس من أحكام، والأولاد أيضًا يمر ببعضهم مثل هذه الأحوال، رغم أنهم بلغوا سن التكليف لا يعلمون شيئًا عن هذه الجوانب، روى النسائي أن خولة بنت حكيم سألت النبي r عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال: ليس عليها غسل حتى تنزل وليس عليه غسل حتى ينزل، والأصل أن تقوم الأم بهذا الدور بالنسبة للبنت، والأخذ عنها أفضل وأجدى وسئل عن المرأة تحتلم في منامها فقال: «إذا رأت الماء فلتغتسل ».

5 - تعليم الوضوء والطهارة والغسل وموجباته.. وما إلى ذلك، ودواعي الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، وبيان حكم المني والمذي والودي. وضرورة رد سؤال الطفل عن أمور الجنس بدافع فضولي طبيعي، يسال الطفل: كيف نشأت في بطن أمي؟ وما هي علاقة أبي بأمي؟ فيمكن أن يقال له: إن الله عز وجل خالق الإنسان يجعله في بطن أمه نطفة سببها الأب، فيكبر حتى يصير طفلًا، فيخرج إلى الحياة، ويمكن أن نشرح له باختصار مناسب لعقله ومستواه الآيات في سورة المؤمنون وهي قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)  (المؤمنون: 12-14).

 وهكذا نجيب على تساؤلات الطفل، بالاختصار والتلميح، ونوجهه إلى القرآن، ليرتبط به فيفهم الأمور الجنسية فهما عقيديًا، اخلاقيًا عن طريق القرآن والحديث.

٦ - نؤكد دائمًا على أن النصح والتوجيه فيما يتصل بهذه الجوانب عند الطفل يجب أن يكون عن طريق الدين والعلم والمناقشة، والحوار والحكمة والتصحيح والاقتراب من الابن والبنت، خاصة في هذه الجوانب الحيوية بالنسبة لهم.

۷ - نحذر باستمرار من أسلوب العقاب والتأديب البدني، فهذه كلها وسائل بدائية فاشلة في تحسين السلوك الجنسي، وتؤدي إلى وجود جيل مزدوج الشخصية، فمعظم انحرافات الشباب سببها المعاملة غير السوية من الآباء والأمهات واستعمال كلمة الزجر «عيب يا ولد، عيب يا بنت» وهذاللأسف من جهل الآباء وغيرهم بأساليب التربية الصحيحة.

8- يجب أن نقوم بواجب التوعية الجنسية للأولاد، لأن الشرع يحتم علينا ذلك، وأن نوضح لهم - بأسلوب عف كريم نظيف - هذه الحقائق، حتى لا يقعوا في دوامة الجهل ومتاهات الفوضى والانحراف. 

۹ - نموذج من القرآن عرضه هنا، وهو الطريق الصحيح الذي يجب علينا أن نسلكه، نموذج الانحراف المتمثل في امرأة العزيز بكل غرائز الأنوثة والاندفاع، ونموذج العفة والخلق والاعتصام بالله المتجسم في سيدنا يوسف عليه السلام وحديث القرآن في هذا الموضوع، ومنهجه وطريقة طرحه، وهو ما يجب أن نتنبه إليه، قال تعالى:﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)  (يوسف: ٢٣- ٢٤) والذي نخرج به من هذه القصة من توجيهات هي:

أ- نظافة القصة في الأداء الواقعي الكامل والصدق.

ب- لحظات الجنس والمراودة، تأخذ مساحتها في حدود المنهج النظيف.

ج- لا تعرض هذه اللحظات على أنها هي المحور الأساس الذي تدور حوله الأحداث، كما يحاول الواقعيون في زماننا باسم الصدق الفني أن يصوروه.

 د . خطر التوسع والإسراف في إبراز هذا الأمر باسم الواقعية يجعلنا ببساطة نقف أمام لحظة من لحظات الهبوط والتدني، كما لو كانت هي كل الحياة البشرية، فننشئ منها مستنقعًا هابطًا، مزينًا في الوقت نفسه بكل مزالق الشيطان.

 هـ ـ يجب أن نتنبه إلى أن هذا هدف خبيث جدًا للذين يريدون أن يجردوا الإنسان من كل شيء إلا من حيوانيته، حتى تنحصر فيها كل اهتماماته، فهذا أضمن طريق لتدمير الأسرة وتحطيم المجتمعات، وهذا ما تقوم عليه أجهزة الإعلام الموجهة في زماننا هذا.

و- لا تعرض قصة سيدنا يوسف والموقف في هذا الجانب بالذات لإثارة القارئ أو السامع، بمشاعر الجنس المختلفة، كما تصنع المذاهب الواقعية للأسف، والتي تحاول أن تغرق الإنسان في دوامة الضياع والانحراف، فهي لا تقف طويلًا بالقارئ عند هذه اللحظات، إنه عارض يعرض في الحياة وينتهي، ثم يفسح المجال لأهداف الحياة العليا الجديرة بالاهتمام، إنه التوجه لإقامة مجتمع نظيف من خلال تربية نفوس مستقيمة. 

ز - إن الذي يشغل الإنسان الجاد من أهداف تستحق أن تلفت الحس البشري، لا يكون أبدًا قضية الجنس التي يتفنن في عرضها، وهذا الإسراف مقصود، فقد حول الوسيلة إلى غاية، وهذه قاعدة القرآن الكريم في جميع قصصه، وقد هدد الذين يسعون لإشاعة الفواحش وتكبير حجمها، وجعلها قضية يدور حولها، هددهم بالطرد والعذاب الأليم، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)  (النور: ۱۹).

ح - إن الإسلام لا يحرم وصف المشاعر الهابطة أو الضعيفة، ولكنه يعرضها كما ينبغي أن تُعرض لحظة ضعف وهبوط لا لحظة بطولة وانتصار لحظة عابرة يفيق منها الإنسان إلى مكانه ومكانته، ولا يظل دائرًا في حلقاتها الهابطة على الدوام، بل يعود إلى ربه من أوسع الأبواب بالتوبة الصادقة المنيبة والإقبال على الله والوقوف ببابه، واللجوء إليه، والأسف على ما كان، راجع كتابنا «حوار حول الدين والفن بتوسع جـ1».

ط- عرضت في هذه المقالة لبعض الخطوط الرئيسية التي أشار إليها الإسلام في تربية الولد جنسيًا، وتكوينه سلوكيًا، وضبطه غريزيًا، فما أحوجنا أن نأخذ بمنهج الإسلام في هذه الجوانب وغيرها لأن فيه اكتمال الشخصية السوية، وتقويم أخلاق الأجيال والتحرر من القيود .. والضغوط، والمفاسد وتخطي العوائق والعقبات والتخفف من ثقلة اللحم والدم والشهوات.

 ي- يشترك في التربية السوية للطفل البيت والمدرسة والنادي وغيرهم، وجميع وسائل التربية، خاصة وسائل الإعلام، وخاصة الإذاعة المرئية، والواجب يفرض علينا جميعًا الا نستعمل وسائل الإعلام العصرية المهمة جدًا فيمًا يشيع الفساد، أو يدعو إليه، فليس من المعقول أن تبني الأسرة ويتعب الآباء، ثم تهدم وسائل الإعلام، فلا بد من توفر المجهود الجماعي الهادف، وذلك بالتقاء الجميع على أمر واحد وهدف واحد، وهو مصلحة الأمة في وجود أجيال أمينة صادقة مؤمنة متوازنة واضحة الرؤية محددة الأهداف برامجها سليمة.. أجيال قوية في أخلاقها قوية في علمها، قوية في عقيدتها وإيمانها أجيال خلقها العفة والأدب والحياء، ورأسمالها الصدق والوفاء.

([1]) من علماء الأزهر.

الرابط المختصر :