العنوان المجتمع الأسري (العدد 1417)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-2000
مشاهدات 70
نشر في العدد 1417
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 12-سبتمبر-2000
علاقة ناجحة بين الطفل والبيئة.. كيف؟
بالقدوة والبعد عن قرناء السوء تتحقق التنشئة الصالحة للابن
حوار: أحلام علي
تؤدي البيئة التي ينشأ فيها الطفل دورًا مهمًا في بناء شخصيته، وتوجيه سلوكه، فهي إما أن تساعده على أن يكتسب الصفات والعادات الإيجابية التي تدعم بناء شخصيته وإما العكس.. فهل وجود علاقة مضطربة بين الطفل والبيئة المحيطة به يظهر المشكلات النفسية للطفل؟ وكيف يكتسب الطفل السلوك والخلق القويم؟ هذه الأسئلة يتناولها الحوار التالي مع الدكتور محمود ماضي- الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود بالمدينة المنورة.
في البداية: ما المقصود بالسلوك والخلق؟ وهل يمكن الفصل بينهما؟
o أود التنبيه -بداية- على أن الأخلاق في الإسلام جمع الله مكارمها كلها في آية واحدة، وهذا من الإعجاز اللغوي للقرآن وهي قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف:199).
ولا يمكننا الفصل بين السلوك والخلق، فالسلوك إنما هو سلوك أخلاقي ممدوح أو مذموم، فيما الخلق صفة مستقرة في النفس ذات آثار في السلوك -محمودة أو مذمومة- وليست كل الصفات المستقرة في النفس من قبيل الأخلاق، فمنها ما هو غرائزي لا صلة له بالأخلاق.. ودلالة السلوك الأخلاقي على ما هو كامن في النفس دلالة ظنية.. ومعنى قولنا إن الخلق صفة مستقرة في النفس إشارة للجانب الفطري من الأخلاق، مصداق ذلك قول الرسول ﷺ: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»- وعمل الأبوين يمثل الجانب الاكتسابي.
إذا كانت الأخلاق لها جانبها الفطري وجانبها الاكتسابي، فكيف يكتسبها الأبناء؟
o المقصود بالاكتساب ما يكتسبه الطفل من البيئة، التي تحيط به منذ ولادته حتى يوافيه أجله.
ويعني بها: البيئة الطبيعية الاجتماعية كالمنزل والمدرسة والأصدقاء ووسائل الإعلام.. فكلما كانت هذه البيئة راقية بعيدة عن الإسفاف والابتذال ساعدت على تنشئة الطفل وتربيته على حب الفضيلة، وكراهية الرذيلة، واجتنابها.
وللدور الفعال للبيئة فإنها أشبه بكأس والإنسان قطعة من الإسفنج فلو كان بالكأس ماء مذاب به سكر وغمسنا قطعة الإسفنج في الماء المذاب به السكر فماذا ستمتص الإسفنجة؟ لا شك في أنها تمتص ماء عذبًا طعمه لذيذ، والعكس لو كان بالكأس ماء عكر نتن هكذا البيئة التي تحيط بالإنسان.
بعض المربين والعلماء يركز على دور الأسرة باعتبارها البيئة الاجتماعية الأولى الحاضنة للطفل والقرآن الكريم ذكر أحكام الأحوال الشخصية التي تتعلق بالأسرة منذ بدء تكونها في نحو ٧٠ آية، منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (التحريم:٦)، يوضح المقصود من الآية قوله ﷺ: «إذا مات ابن ادم انقطع عمله إلا من ثلاث منها: «ولد صالح يدعو له».
والمعنى أن حسن تنشئة الأولاد يستفيد منه الوالدان، والمجتمع.
يقول الشاعر:
وينشأ ناشئ الفتيان منا *** على ما كان عوده أبوه
ويقول آخر:
إنا لنبني ما شيدته لنا *** آباؤنا والغر من مجد ومن كرم
حتى إن الأبناء يرجحون عمل آبائهم وإن كان كفرًا.. يقول جل وعلا على لسانهم ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (الزخرف:22)، ولننظر إلى مريم عندما جاءت قومها تحمل عيسى الوليد ماذا قالوا: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (مريم:28)، لقد استغربوا من مريم الطاهرة العفيفة أن تفعل الفاحشة -في زعمهم- مع أن والديها كريمان صالحان.
وأيضًا هناك آيات قرآنية تجمع الكثير من مفردات الأخلاق فتطلعنا على جانب عظيم من القيم الأخلاقية التي يبثها الأب الحكيم لابنه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان:13)، ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان:۱۷)
ما مدى تأثير المؤسسات التربوية الأخرى في سلوكيات الأبناء؟
o لقد أشرت من قبل إلى دوائر اجتماعية عدة ذات تأثير عظيم على الأبناء، وعمل هذه الدوائر متكامل فلا يجوز أن يترك للمساجد وللأسر وحدهما القيام بهذه المهام في حين تعمل المؤسسات التوجيهية والإعلامية والتثقيفية الأخرى على إشاعة معان أخرى تناقض دين المجتمع- دين الإسلام.
يقول العلامة يوسف القرضاوي: كيف يؤدي المسجد رسالته إذا كانت الأجهزة الأخرى وهي تصابح الناس وتماسيهم بإمكاناتها الرهيبة تخفض ما يعليه وتهدم ما يبنيه؟
وهل يبلغ البنيان يومًا تمامه *** إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟
آداب عند التمييز
هل هناك آداب معينة يجب أن ينشأ عليها الأطفال؟
o إذا أردنا غرس قيمة أخلاقية محمودة، أو تعديل سلوك أخلاقي سيئ إلى الأفضل، فهناك وسائل عدة منها القدوة الحسنة.. فلقد قيل: التربية بالقدوة خير منها بالكلمة، لذلك مقت الله تعالى الذين يقولون ما لا يفعلون، وأيضًا البيئة الصالحة ويجب هنا عدم إظهار الخلافات الأسرية أما، الأولاد، وهنا أذكر ما ذكره بعض العلماء كآداب سلوكية نحو الصبي إذا بلغ سن التمييز، ومنها:
- يمنع لغو الكلام وفحشه ومن اللعن والسب ومن مخالطة من يجري على لسانه مثل ذلك فالطفل يتأثر بقرناء السوء واصل تأديب الصبيان الحفظ من قرناء السوء.
- يعلم طاعة والديه ومعلمه وكل من هو أكبر منا سنًا.
- يعلم شجاعة القلب، والصبر على الشدائد وتمدح هذه الأوصاف بين يديه ولسماعه لها ينغرس
في قلبه حبها، ويتعودها لحسنها.
- إذا ظهر من جهة الصبي فعل جميل، وخُلق حسن فينبغي أن يُكافأ عليه، ويُمدح أمام الغير، فإن خالف ذلك في بعض الأحوال، فينبغي أن يُتغافل عنه ولا يهتك ستره أمام أحد.. أما إذا عاد إليه مرة أخرى فيعاتب سرًا ويعظم عليه الأمر، ولكن لا يكثر عليه العتاب في كل حين فإن ذلك يهون سماع الملامة في حقه، ويسقط وقع الكلام في قلبه.
- أن يكون الأب حافظًا لهيئة الكلام معه، ولا يوبخه إلا أحيانًا والأم تخوفه بالأب، وتزجره عن القبائح، وتظهر له الوعيد بشدة الأب وتخوفه منه.
- يستحب أن يُشغل في المكتب يتعلم القرآن وحفظه، وأحاديث الرسول الله، فالصبي إذا أهمل في أول النشأة خرج في الأغلب رديء الأخلاق معوج السلوك، كذابًا حسودًا، وإنما يحفظ من ذلك كله بحسن الأدب.
بيوت إبراهيم -عليه السلام-
بـيت أم المؤمنين هاجر -رضي الله عنها-
لنتذكر: قالت سارة لإبراهيم -عليه السلام-: «إن الرب قد حرمني الولد فادخل على أمتي هذه لعل الله يرزقك منها ندًاء» (۱)
وكان البداية للبيت الجديد بإلهام من الله للسيدة سارة، ليتأسس البيت الثاني.
ودخل إبراهيم -عليه السلام- بهاجر وضعت إسماعيل في حبرون «الخليل حاليًا» وكان عمر إبراهيم -عليه السلام- ستًا وثمانين سنة.
وللمرة الأولى يفرح إبراهيم لأنه صار أبًا، ويفرح بالمولود، ويفرح لأنه قد تلاشى عنه الشعور أنه عقيم، فيا لها من فرحات ثلاث قد تذهب بعقل الإنسان العادي.
يُحكى أن نابليون كان لا ينجب، فلما جاءه مولود ذكر، وقف في شرفة قصره حاملًا المولود، هاتفًا: الملك لي، وما هي إلا مدة قصيرة حتى هزم في معركة «واترلو»، واقتلعته الهزيمة اقتلاعًا من فرنسا، ومات طريدًا شريدًا في جزيرة سانت بلانة»!
ولكن الأنبياء لهم شؤون أخرى إزاء فضل الله عليهم.. فماذا عن إبراهيم -عليه السلام-؟
أمر الله نبيه إبراهيم -عليه السلام- أن يسافر هاجر ووليدها الرضيع إسماعيل إلى واد غير زي زرع بين جبال فاران، فيما عرف بعد باسم بكة، أو «مكة»، فيالها من تربية عالية يترباها الأنبياء.
الله الله في الأرحام
بدأت أم المسلمين هاجر أولى خطوات بناء بيت الثاني لإبراهيم، ببناء الولد الذي سيعين والده في بناء البيت الحرام.
بأمنا العظيمة هاجر تعلقت إرادة الله أن تكون نسلها من إسماعيل، ممزوجًا بعرب برهم اليمنيين، عمار الوادي غير المزروع بين جبال فاران
وبأمنا هاجر تأسست الخؤولة المصرية لأكثر مكان الحجاز خاصة، والجزيرة العربية عامة، كملت في هجرة هاجر -رضي الله عنها- من مصر مع سارة وإبراهيم إلى فلسطين، ثم من فلسطين إلى الوادي غير المزروع.. الهجرة من بلاد المياه والزروع إلى أرض جبلية قاحلة، تعجبت ولا عجب من قضاء الله، لقد زرعت القدرة الإلهية شجرة مصرية في هذا الموضع، نمت الشجرة وبسقت، وانبثقت منها طلائع الأمة الجديدة، الأمة الوارثة، خير أمة أخرجت للناس.
ومن نسل هاجر -رضي الله عنها- يخرج النور الذي أضاء المشرق والمغرب، فمن كان يتصور أن أمة من البشر ستنطلق من بين جبال الحجاز، تحمل رسالة الله إلى العالمين؟
من كان يتصور أن السيدة هاجر ووليدها ساعة تركهما الخليل ومعهما زاد قليل سيعمران هذه البقعة التي لم يكن لها أن تعمر لولا إرادة الله، ولله في خلقه شؤون.
إن التزاوج الذي حصل بين إبراهيم البابلي، وهاجر المصرية، ثم بين إسماعيل البابلي المصري وزوجته الجرهمية اليمنية قد أنشأ أرحامًا بين شعوب كانت تمثل أكبر تجمع بشري في زمانها، ثم جاء الإسلام ليربط تلك المصاهرات والأرحام برباط قوي متين، لا يقطعه إلا معتد أثيم، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. (النساء:1).
فما بال أناس لا يرعون رحمًا، ولا يراعون مصاهرة؟! ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (محمد:22) من تحت الشجرة الوحيدة في الوادي غير المزروع بدأ البيت الثاني لإبراهيم يؤدي دوره.
الهجرة.. والإيمان العظيم
روى البخاري وأحمد عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «.. ثم جاء بها إبراهيم، وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة (۲) فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاء فيه ماء».
يقول ابن كثير في قصص الأنبياء: «... ثم قفل إبراهيم راجعًا. فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي، الذي ليس به أنيس ولا شيء؟ فقالت: ذلك مرارًا. وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: الله أمرك بهذا قال: نعم، قالت إذن لا يضيعنا، ثم رجعت وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء. حتى إذا ما نقد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفاء أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت بطن الوادي سعت سعى الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فعلت ذلك سبع مرات قال ابن عباس: فلذلك سعى الناس بينهما، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا، ثم تسمعت فسمعت أيضًا.. فإذا هي: بالملك عند موضع زمزم، فبحث بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تحرضه بيدها وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور، فشربت، وأرضعت ولدها فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن ها هنا بيتًا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله».
لقد سبقت كلمة هاجر «إذن لا يضيعنا» كلمة الملك -ولعله جبريل- وأن الله لا يضيع أهله»، إن عقيدة هاجر قد رددها الملك، وهكذا كل كلمة صالحة تتردد في الكون الدنيوي تتردد في الملا الأعلى، لقد نزل الوحي بأحكام نطق بها عمر بن الخطاب (۳) -رضي الله عنه- قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب:70-71).
لقد أحسنت السيدة هاجر الظن بالله فكان الله عند حسن ظنها، قال تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي» (٤).
يتبع إن شاء الله.
عبد القادر أحمد عبد القادر
الهوامش
(1) قصص الأنبياء لابن كثير.
(۲) الدوحة هي الشجرة العظيمة.
(3) كان من رأيه تحريم الخمر وعدم قبول الغداء في أسرى بدر، والحجاب لزوجات النبي ﷺ فنزل
حكم القرآن بذلك.
(٤) رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجة، وأحمد، والدارمي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل