; المجتمع الأسري عدد 1481 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الأسري عدد 1481

الكاتب محمد شلال الحناحنة

تاريخ النشر السبت 22-ديسمبر-2001

مشاهدات 73

نشر في العدد 1481

نشر في الصفحة 60

السبت 22-ديسمبر-2001

بعد الخمسين: سن النضج الفكري والرشد العقلي.. وأيضًا الاضطراب النفسي والشك المرضي!

الرياض: محمد شلال الحناحنة

 تغيرات في الحواس تؤثر على القدرة النفسية في مواجهة الحياة

 رتابة بيولوجية.. تبدل في الإهتمامات.. والأحاسيس الوجدانية تتضاعف

 «التغيرات النفسية بعد الخمسين من العمر» كان عنوان ندوة الوفاء الرفاعية الأسبوعية بديوانية الشيخ أحمد باجنيد في الرياض التي تحدث فيها الدكتور عمر بن عبد الرحمن المفدى أستاذ علم النفس التربوي في جامعة الملك سعود، صاحب الكتب والأبحاث التي عالجت الآثار النفسية على تقدم عمر الإنسان بشكل عام، وقد حضرها حشد من التربويين والمثقفين وأدارها الدكتور عايض الردادي وكيل وزارة الإعلام في السعودية. 

في البداية تحدث الدكتور المفدى عن الجوانب الإدراكية وتغيراتها لدى من تخطى الخمسين أو ما أسماه منتصف العمر، فبين أن الأشياء المحيطة به نراها تتغير بتغير الحواس، فيبدأ ضعف النظر والسمع والضيق من القراءة ورؤية الأضواء، والتذبذب في الصوت، ويزيد سمعه للذبذبات الحادة، مع ما يشكله من ضيق له، وهذا له تأثير واضح على النفس، لأنه يشعر بضعفه وحاجته إلى المساعدة مما يؤثر على معنوياته وقواه النفسية في مواجهة الحياة، وكذا التكيف مع المواقف المتغيرة الجديدة. 

أما الذكاء فلا يتغير بالزيادة أو النقصان لكن ما يتغير هو توظيف الذكاء بما يخدم مصالحه، لذلك نرى خطأ من يرفع صوته كثيرًا في مخاطبة من كان في السبعينيات أو الثمانينيات ظانًا أنه يوصل إليه المعلومة بسرعة، والأصل أن يحدثه ببطء وهدوء بما يسمعه لأنه يعالج المعلومات بصفة بطيئة هادئة، ولعل الذاكرة لا تتغير كثيرًا في هذه السن لكن لا بد من الإشارة إلى أن الاهتمام يتغير، والمشاكل تكثر مما يؤثر على الذاكرة أحيانًا.

 الجوانب الانفعالية والنفسية

 تبدل الاهتمامات في هذه السن يبدو واضحًا، وهنا يتركز الاهتمام على الوضع الأسري، أي متابعة الأبناء والبنات، ويتضاعف الشعور بالمسؤولية والقدرة على معالجة هموم الأبناء وتوجيههم والحرص على ما يفيدهم. 

كما نرى الشخص مفعمًا بالأحاسيس الوجدانية أحيانًا نتيجة مضاعفة الثقة بنفسه والاعتزاز بآرائه وتصرفاته، ونجد أنه أصبح لديه اهتمام بوضعه الجسمي.

 ولعل التغير في الوضع الجسمي هو ما نستطيع تسميته التغير في الساعة البيولوجية في الجسم، فيميل المرء إلى المحافظة على رتابة الجسم في النوم واليقظة والأكل والزيارات.

 ومن الجوانب النفسية لدى هذه الفئة المحافظة على الروتين اليومي، مما يثير انتقادات الشباب.

كما نرى تجنب الإثارة، وعدم الرغبة في التغير، والميل إلى الهدوء والقناعة الوظيفية بينما يسعى الشباب جاهدين للتغير بشكل مثير.

وقد يبدأ بعض الأفراد في هذه السن بالشك المرضي والشعور بالمرض الوهمي، وقد لا يقنع إلا بعلاج يرضي ما لديه من شكوك وأوهام فينتقل من طبيب إلى آخر!

وقد يصيب الاضطراب النفسي بعضهم بالتصابي، وأنه ما زال شابًا، فيزيد اهتمامه بلباسه بشكل زائد كما قد يقفز ويقلد الشباب ليثبت قوته وحيويته وشبابه. 

ويزداد أصحاب الاتجاهات الإسلامية الصحيحة تقى وأخلاقًا فاضلة، وميولاً للأعمال الصالحة، وشكرًا لله من خلال التفرغ للعبادات والصدقات وأعمال البر والإحسان والتوبة والزهد في الدنيا والجهاد في سبيل الله بنفوس راضية هادئة وقلوب عامرة بالإيمان والصدق والتآلف مع الإخوان في المجتمع الإسلامي، وهذا تصديق لقوله عز وجل: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأحقاف: 15) 

من عاش تقيًا مات قويًا 

في ختام الندوة أثيرت حوارات زاخرة من الإخوة التربويين والأدباء والمثقفين كان أهمها تعقيب الأديب عبد القدوس أبو صالح رئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية الذي أشار إلى دور الإيمان الصادق والالتزام بالإسلام قولًا وتطبيقًا في توجيه سلوك الأفراد صغارًا وكبارًا، ونساًء ورجالًا، فالرسل عليهم صلوات الله وتسليماته- في معظمهم أرسلوا بعد الأربعين وهو سن النضج الفكري، والرشد العقلي. 

وقال: أذكر أنني التقيت أستاذًا جامعيًا قارب التسعين وما زال في نشاط وقوة وحين سألته وأبديت إعجابي بقدرته وإقباله على الحياة قال: من عاش نقيًا عاش قويًا.

أما الدكتور البراء بن عمر الأميري، فدعا إلى التزود بالغذاء الروحي، وأن نعلم أطفالنا كيف يعيشون، وأن نفكر تفكيًرا إيجابيًا في جميع أحوالنا، لأن أمر المؤمن كله خير في الضراء والسراء، فهل تقبض على هذه الحكمة الوارفة الظلال؟

وحث بعض المربين والأدباء على صون العلاقة الطيبة بين الآباء والأبناء.

 المساجد ودور الإفتاء تنظم الأحوال الشخصية لمسلمي مقدونيا 

حاز الطالب الألباني محمد سليم عزيزي تقدير جيد جدًا عن رسالة الماجستير التي قدمها في كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية في بيروت حول عقد الزواج في مقدونيا: دراسة مقارنة بين القانون المدني والفقه الإسلامي.

 أستعرض الباحث المراحل التي مرت بها قوانين الأحوال الشخصية وتطورها، منذ العهد الأسبق للحرب العالمية الأولى مرورًا بأيام النظام الشيوعي ومن ثم بمرحلة الدولة المقدونية الجديدة، وفي هذا الإطار خصص مبحثًا مستقلا ًبهذا الشأن بأربع مراحل، وهي العثمانية حيث عمدوا إلى إدخال نظام الأحكام الشرعية والقوانين العثمانية التي كانت من إختصاص المفتي.

أما المرحلة الثانية، وهي مرحلة تشتت الدول العثمانية وضعفها، فحينها صدر القانون العام للمحاكم الشرعية في المناطق الخاضعة للصرب بحيث يحال إلى مفتي المنطقة للبت والنظر بالحقوق المتعلقة بالعائلة فقط وتعتبر المملكة اليوغسلافية هي المرحلة الثالثة التي عاصرت القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية، وذلك بإيجاد معاهدة تم بموجبها تعيين رئيس لعلماء الطائفة الإسلامية والتعهد من خلالها بالحفاظ على المقدسات الإسلامية في المملكة، والسماح للمسلمين بالإعتماد على الأحكام الشرعية الخاصة بهم ضمن قوانين الأحوال الشخصية.

ثم أتت المرحلة الرابعة- الشيوعية- التي تم من خلالها نشر القانون الخاص بعقد الزواج، وفي سياق الإتحاد الإسلامي إلى تنظيم شؤون الأحوال الشخصية للمسلمين في مقدونيا عن طريق المساجد ودور الإفتاء ضمن إطار إسلامي عام.

 من ذكريات الطفولة 

جارنا كامل. ودقات عصاه!

كنت في السابعة من عمري عندما كنت أستيقظ كل ليلة قبل الفجر بساعة على دقات عصا تخرق سكون الليل- معلنة أن هذا الوقت الذي هجره أكثر المسلمين- إلا من رحم الله- بالنوم أو السهر في غير طاعة لله- ما زال هناك من يعمره، ويعرف قيمته، فهو الشرف الحقيقي للمؤمن.. جاء في الحديث وأعلم أن شرف المؤمن قيام الليل.

كنت أرفع رأسي عن الوسادة حتى إذا ما تيقنت من إقتراب دقات تلك العصا توجهت مسرعة نحو النافذة يدفعني فضول لا حد له.. أسائل نفسي من هذا الشيخ الذي يسير في ظلمة الليل، وفي هذا الوقت قاسي البرودة؟ كيف استطاع أن يقاوم لذة الدفء والراحة ويترك فراشه ويخرج من بيته ولأي شيء يقوم وأي قوة تدفعه لأن يفعل ذلك كل ليلة دون ملل أو كلل؟ ثم أين يذهب ذلك الشيخ ذو اللحية البيضاء والجلباب الأبيض الذي يعلوه معطف من الصوف ربما كان يقيه شيئًا من البرد؟

 ظلت هذه الأسئلة تراودني كل ليلة عندما أستيقظ على دقات عصا جارنا الحاج كامل أصبحت أحب النظر إليه كل ليلة من النافذة على الرغم من تأنيب أمي لي لتركي فراشي في هذه اللحظات وفي ليالي الصيف الحارة كنت أنتظره في الشرفة كذلك إلى أن يعود مع إشراقة الصباح تسبقه دقات عصاه إما وحيدًا إلا من ذكر الله وتسبيحه أو مع صحبة من جيرانه يرددون آية من كتاب الله، ويقفون عند معانيها ويتبادلون الخواطر حولها.

 مرت الأعوام- وتقدمت الأعمار- وأكرمني الله تعالى بالهداية والحجاب والعودة إلى الطريق الصحيح.. عرفت قيام الليل والتهجد فيه وما للمسلم من ثواب على الصلاة والذكر في هذا الوقت عندها تذكرت ذلك الشيخ الطيب.. وبعد زواجي وذهابي لزيارة أمي من حين لآخر،  والمبيت عندها أحيانًا.. وجدت الحاج كامل- كما هو- وفيًا على عهده مع الله تعالى.. توقظني دقات عصاه لتعلن لمن يريد الشرف الحقيقي أن الوقت قد حان فأستيقظ مبتسمة لا لأنظر إليه من النافذة- ولكن لأصلي ركعتين لله.

مرت الأعوام.. وسافرت إلى خارج البلاد.. وفي ليلة تذكرته وتذكرت لحيته البيضاء ودقات عصاه التي لا تزال أصداؤها تتردد في أذني شعورًا برغبة في الاطمئنان عليه هاتفت أمي، سألتها عنه.. قالت: يا بنتي... لقد توفاه الله منذ عام.. وضعت السماعة.. وبكل الأسى والحزن... وذكرت الطفولة المتعلقة بهذا الوجه الذي كان يشع نورًا واطمئنانًا وثقة بموعود الله تعالى تراست لي صورته بلحيته البيضاء وجلبابه الأبيض.. يا إلهي.. لقد علمني ذلك الشيخ كثيرًا دون أن يكلمني كلمة واحدة.. دون أن يكون بيننا أي حوار، علمني بثباته على الطاعة وبوفائه على عهده مع ربه كل ليلة.. ذلك الثبات الذي تلمسته في دقات عصاه وذكره وتسبيحه لله الذي كان يتردد على مسامعي واضحًا وسط صمت الليل المطبق قاصدًا إلى مسجد الحي ليجلس فيه ساعة قبل أذان الفجر قانتًا ذاكرًا لله.

 دروس وعبر

  أسوق هذه الذكرى لمن يغلب عليه الشعور أحيانًا بأنه لا فائدة من الموعظة والكلام الطيب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا كانت دقات عصا قد أحيت بفضل الله تعالى قلبًا وأنارت طريقًا- دون كلمة من صاحبها- فما بال  الكلمات الصادقة من قلوب توجهت لله وحده لا تبغي إلا مرضاته، والعمل لنصرة شرعه ودينه؟ والله إنها لتؤتي أكلها كل حين، ولكن عندما يأذن الله تعالى وحده.

رحمك الله يا حاج كامل وجعل دقات عصاك وذكرك وتسبيحك في ميزان حسناتك ونورًا لك يوم القيامة، قال ﷺ: «بشروا المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة». 

أم جهاد- مكة المكرمة

الرابط المختصر :