العنوان المجتمع الأسري (1212)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أغسطس-1996
مشاهدات 70
نشر في العدد 1212
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 13-أغسطس-1996
رسالة إلي كل أبوين
استثمار وقت الإجازة....ضرورة تربوية
القاهرة: هناء محمد
ما زلنا في الإجازة الصيفية بكل ما فيها من مشاكل للأطفال.. فبمجرد أن تأتي الإجازة تصحب معها الفراغ القاتل، وهو نقمة يمكن تحويلها إلى نعمة، إن تمكنا من قتله، بالعمل الجاد والترويح المثمر، والطاعات المأجورة، وصالح الأعمال،
وبدون توظيف جيد للوقت، وحسن استثمار له كرأس مال للإنسان لا تكون هناك حياة حقيقية مثمرة.
لذا كان استثمار وقت فراغ الأبناء في الإجازة الصيفية قضية عقيدة وسلوك، فالله سبحانه وتعالى يقسم بالليل والنهار والأزمنة ليجلو لنا قيمة الوقت، ورسولنا العظيم ﷺ يحذرنا من إهدار الوقت لأننا سنسأل يوم القيامة عن أعمارنا فيما أفنيناها.
يقول فهمي محمد وهو واحد من الآباء: إن حيرتي تبدأ بالفعل عندما تأتي الإجازة الصيفية، فأفكر في تنظيم وقت أبنائي فمثلًا في الصباح يتجهون لحفظ آيات من القرآن في الكتاب، وبعد ذلك يشاهدون برامج الأطفال التليفزيونية، إذ لابد من تنمية عقل الطفل وثقافته، كما أشتري لهم قصصًا ميسرة تتلاءم وأعمارهم وأشجعهم على قراءتها وتلخيص ما فهموه منها، وفي المساء نذهب إلى النادي أو لزيارة أحد الأقارب أو الأصدقاء.
وتقول هدى عبد الرازق وهي إحدى الأمهات: إن أهم شيء يبدأ به الطفل مع الوقت هو أن يعرف: ماذا يعني هذا الوقت؟ وذلك بشكل مبسط بالتفرقة بين الليل والنهار، وبين موعد ذهاب أبيه إلى العمل وعودته منه، وعندما يكبر قليلًا نعلمه قراءة الساعة ونربط في ذهنه بين الصلاة والوقت المحدد، ونطلب منه إنجاز أعمال معينة في أوقات محددة على أن يكون كل هذا بشكل مرن بسيط وبأسلوب شيق رقيق محبب للطفل.
والأهم من تلقين الطفل أهمية الوقت وضرورة الحفاظ عليه هو أن يكون الوالدان قدوة لصغارهما في استثمار الوقت وحسن توظيفه، سواء في العمل أو العبادة أو الترويح وكذلك في أداء الصلاة في مواقيتها، ليشعر الطفل بأن ما لا يؤدى في وقته لا يكون كاملًا ولا ناجحًا.
وبالنسبة لوقت الفراغ في الإجازة، فإن إدراك قيمة الطفل لقيمة الوقت ستجعله يفكر في ملئه، ولكن هناك عدة مبادئ عامة في التخطيط لوقت الفراغ:
- الترويح ومساعدة الأم في المنزل عملان مهمان كل يوم.
- حفظ القرآن وقراءة القصص الإسلامية أفضل استثمار ثقافي للوقت.
- صلة الأرحام فضيلة يجب أن نعلمها للطفل منذ صغره ونملأ بها فراغه.
- قاعدة "فإذا فرغت فانصب"، دليل موجز وواضح على أن المسلم الحق لا فراغ لديه إلا لكي يملأه.
قتل الوقت:
وفي رسالة ماجستير بعنوان «مسؤولية الأب المسلم» يقول الباحث الدكتور عدنان صالح بالحارث: إن مشكلة الفراغ لدى كثير من الشباب اليوم تعود في حقيقتها إلى الفراغ الروحي وخواء القلب من الإيمان الذي يشعر بالأنس والاطمئنان وهي مشكلة ناتجة عن زيف الحضارة الجاهلية المنحرفة وتوضح تلك الدراسة أن انعدام الهدف من الحياة نشأ عن الفراغ الفكري الناشئ عن انعدام التصور الصحيح لهذه الحياة، وعدم معرفة سبب وجودنا فيها، ومهمتنا الموكولة إلينا في هذا الوجود، ومصيرنا مصير الكون، والغاية من هذا التنظيم الرائع للكون.
إن فقدان هذه المفاهيم، أو عدم تمثلها في واقع الحياة يفقد الإنسان معنى الحياة وقيمتها، وبالتالي يضعف عنده الشعور بالاهتمام بالوقت والمحافظة عليه، فيصبح شغله الشاغل «قتل الوقت» وإهداره بأي عمل يخلصه من طوله وملله، حتى وإن أدى ذلك إلى التخلص من الحياة بالكلية، أو الشرود عن الواقع بالمخدرات أو المسكرات.
وعن سبل استغلال الوقت يقول الدكتور عدنان: «على الأب أن ينظم في أسرته الوقت محاولًا استغلال كل لحظة بما يفيد ويعود على الأولاد بالخير ويحذر كل التحذير من الثغرات التي يمكن أن ينطلق منها الأولاد إلى تعود الملل والكسل، فالإسلام حريص على شغل الإنسان شغلًا كاملًا منذ يقظته حتى منامه، بحيث لا يجد الفراغ الذي يشكو منه، ولا يحتاج في ملئه إلى تبديد الطاقة أو الانحراف بها عن منهجها الأصيل».
هوايات الأولاد المفضلة:
وواجب الأسرة– وخاصة الأب– أن يركز على جانب الرياضة البدنية المنظمة وألعابها المتنوعة المباحة، ويهتم بمعرفة هوايات الأولاد المفضلة، كالنجارة أو الحدادة أو الميكانيكا أو الرسم أو الزخرفة، ويحاول أن ينميها فيهم، ويؤمن لهم موادها وخاماتها اللازمة لها ويخصص لهذه الهوايات وقتًا من ساعات اليوم.
وفي الإجازات الصيفية يجب إشراك الولد في أحد المراكز الصيفية التربوية الهادفة بعد الاطلاع على برامجها ومعرفة المشرفين عليها. حيث يشغل وقت الولد بالنشاطات الثقافية والرياضية المتنوعة صباحًا ومساء ويفضل إشراك الولد في جمعيات تحفيظ القرآن طوال أيام السنة، وفي إجازات الأسبوع لابد أن يفرغ الأب نفسه للأولاد، فيملؤها من الصباح حتى المساء بالنشاطات المحببة المفيدة، ويبدأ من الفجر بالصلاة والذكر والقرآن وشيء من التنزه، ثم الرياضة البدنية الخفيفة، ثم الإفطار، ثم يأخذون جميعًا قسطًا من الراحة وبعدها يعودون إلى ممارسة أنشطتهم والقراءة الحرة ويختم الدكتور عدنان كلامه قائلًا: بهذا الأسلوب يكون الأب قد شغل جل وقت الولد بما يفيده ويحميه من الانحراف والملل.
وعن شغل وقت فراغ الطفل يؤكد الدكتور سمير يونس– أستاذ علم النفس بكلية التربية– أهمية دور الأسرة والمجتمع، فبالنسبة للأسرة تعتبر الأساس في تكوين شخصية الطفل من جميع الجوانب، ومن المفترض أن يكون لدى الوالدين برنامج لاستثمار وقت فراغ الأبناء سواء أثناء الدراسة أو في الإجازة، ويجب أن تكون هذه الخطة لجميع أفراد الأسرة، فمثلًا الرحلة الأسرية يستمد الطفل من خلالها الخبرات المباشرة. وهذا أفضل بكثير من طريقة الوعظ والخطب، كما أن هناك بعض الأنشطة المنزلية، والتي تتم بشكل طبيعي في البيت مثل الرد على المكالمات التليفونية، فإنها تكسبه مهارات لغوية، كما أنه تنمي فيه أسلوب الحوار.
ويوضح الدكتور سمير أن أطفالنا مازالوا بحاجة إلى الكثير لكي يستثمروا أوقاتهم، فمثلًا في الدول المتقدمة نجد الطفل في عامه الثاني يحمل الكتب المصورة، ونجده يتحدث مع نفسه، ويمثل ويغني وكأنه يقرأ ما في الكتاب، إن هذه الطريقة تجعل الطفل يرتبط بالكتاب، وبالتالي نجد الشباب في الدول المتقدمة لا يفارقه الكتاب، فتراه معه في السيارة، في النادي، في الشارع، ونحن نطالب بأن يتوفر ذلك لأطفالنا.
كما أن القصة تلعب دورًا هامًّا في حياة أطفالنا ونحن نرى أن الطفل لا يمل التكرار، ومن خلال القصة نوصل القيم والمفاهيم التي نريد أن نغرسها فيهم– هذه بإيجاز بعض الأنشطة التي تنميها الأسرة في الطفل، أما عن المجتمع فهو عبارة عن مجموعة من المؤسسات عليها أن تستوعب الطفل، منها مثلًا:
١- المسجد الذي يجب أن تكون فيه برامج وخطط، ويجب تطويرها لتتناسب مع العصر الذي نعيش فيه، ولكي تجذب الأطفال إليها.
ويؤكد الدكتور سمير أن دور المسجد ليس مقصورًا على تحفيظ القرآن فقط، بل كان المسجد على عهد رسول الله- ﷺ- يقوم بدور كبير في التربية وشؤون الحياة، فقد كان يمثل المعهد والمدرسة وموضع عقد الرايات وتجهيز الجيوش وإدارة شؤون الأمة هكذا كان بيت الله وهذا هو مراد الإسلام منه.
۲- النادي له دور كبير وخاصة في العصر الحديث، فالنوادي الصيفية لا بد أن يكون فيها برامج لاستيعاب الأطفال ونحن نجد بعض المدارس بها نواد صيفية، ولكن البرنامج غير معد إعدادًا جيدًا، ولا مخطط له التخطيط السليم.
٣- في الإذاعة والتليفزيون الفترة المخصصة لبرامج الأطفال قصيرة جدًّا، كما أن بعض البرامج يحتاج إلى تنقية، ففيها بعض العبارات والألفاظ التي تبث قيمًا سلبية.
4- المكتبات.. ونحن ما زلنا بحاجة إلى دفع الطفل إلى المكتبة، وذلك بزيادة كتب الأطفال وتوفير قسم للألعاب الذهنية.
٥- المعارض: وهي ضرورية للأطفال لشغل أركان فراغهم، فهي تنمي فيهم التذوق الفني والإبداع، وواجب الأسرة أن تشجع أطفالها على الاشتراك في تلك المعارض.
المدرسة ووقت الفراغ:
وتركز الأستاذة وفاء مشهور- الداعية الإسلامية والمهتمة أساسًا بمجال التربية– على أن الاستثمار الأحسن للإجازة الصيفية يساعد في علاج مشاكل العملية التعليمية التربوية، فنحن نعاني طوال فترة العام الدراسي المشاكل المتعلقة بالعملية التعليمية التربوية ونعني بها الإثقال العلمي على الأولاد، لهذا علينا أن نحسن استغلال فترة الإجازة الصيفية فيما يعيننا على استيعاب هذه المشاكل.
لقد كان أبناؤنا طوال العام الدراسي بين الذهاب للمدرسة والجلوس في الدرج لساعات طويلة، ثم العودة للبيت ليجد والدته مشغولة بين أعباء كثيرة ولا يراها إلا منبهة أو محذرة أو موجهة، وعلى هذه الحال يظل هذا المسكين طوال العام الدراسي، فماذا ننتظر منه بعد ذلك فليأخذ إذن حقه أثناء الإجازة الصيفية من الحنان الأسري التربوي من خلال الرحلة والنزهة والزيارة الأسرية الجماعية لتنمي فيه أثناء ذلك الحوار الهادئ الهادف، والتأمل في خلق الله وصلة الرحم، وتقوية العلاقات الاجتماعية، وليأخذ حقه ويتعلم حرفة ومهارة يدوية مناسبة لسنه ليشعر بذاته ويتربى على أن يكون نافعًا للغير مستثمرًا لوقته.
وتضيف الأستاذة وفاء: إن للمدرسة دورًا كبيرًا أثناء الإجازة الصيفية في علاج ما يقف أمام العملية التربوية التعليمية، فلقد كانت المدرسة طوال العام الدراسي في المكان غير المحبب إلى قلب الطفل، ولولا أنها رغبة والديه لما ذهب إليها، ولما جلس فيها يومًا كاملًا بين أنظمة تعليمية متقلبة، ومناهج دراسية غير ثابتة، ومعلم متعجل لا يستوعب مداخل التلاميذ لانشغاله بالدروس الخصوصية ومدير يهدد دائمًا، وأخصائي اجتماعي معقد، فكيف يحب المدرسة؟ وكيف نطلب منه التفوق إلا إذا رأى المدرسة في الصيف ناديًّا مليئًا بالألعاب المسلية، ومعلمًا مبتسمًا، ومديرًا يرحب بالتلاميذ، وحرية في الحركة والانطلاق، وتنمية مهارات ومواهب متعددة، حينئذ يحب المدرسة والمعلم، وبذلك نكون قد استوعبنا الطفل
طوال فترة الإجازة، وساعدناه على استغلال وقته بشكل إيجابي مثمر.
لمسات في التربية من جدي الشيخ علي الطنطاوي، (۷)
المراقبة والمتابعة
كانت دار جدي القديمة في دمشق- دارًا فسيحة مريحة ذات حديقة كبيرة جميلة تزينها بعض الأشجار المثمرة وتتوسطها بركة صغيرة تلطف حر الصيف وتزيد من جمال المكان تلك الحديقة كانت مركز اجتماعنا- نحن الأحفاد- نمضي فيها معظم يومنا باللهو واللعب نتفق غالبًا ونختلف في بعض الأحيان، وكنا كثيرًا ما نحل مشكلاتنا بأنفسنا- كما يصنع معظم الصغار- ولكن الخلاف كان يتطور في بعض الأوقات إلى شجار واشتباك بالأيدي، فيعلو صراخنا ونستنجد بالكبار لينصفوا المظلوم من الظالم ويعيدوا الحق إلى نصابه، ولكن أين الحق؟ ومن الظالم؟ ومن المظلوم؟ هذا ما كان يحير الكبار ،دائمًا، فكل منا يروي أحداث المشكلة حسبما رآها هو، أو يركز على ناحية معينة، فيرى الحق مع فلان لأنه أخوه أو لأنه ضعيف، ومنا من يخفي بعض الحقائق خوفًا من العقاب، أو لجعل الحق في صالح أحد الأطراف ومنا من يكون مشغولًا غائبًا عن المشكلة ومع ذلك لا يخلو أن يتبرع بالشرح والبيان والتعليق والاتهام كل ذلك كان يحول دون معرفة المعتدي وتمييز الظالم من المظلوم، مما يجعل العقاب جماعيًّا في كثير من الأحيان، فنحرم من اللعب في الحديقة لساعات أو نتعرض للضرب أو التوبيخ الشديد، مما يؤدي إلى ازدياد المشكلات بيننا وإلى كثرة المخاصمات والمعاتبات.
لذلك اقترح جدي علاج هذا الموضوع بحكم خبرته، فقد عمل قاضيًا لفترة طويلة من الزمن، وكان هذا الاقتراح فرصة ترتاح فيها أمهاتنا من الشكاوى التي لا تنتهي والمشكلات التي لا تتوقف، فبدأ بالاستفسار من أمهاتنا «ومع أنه كان يعرف الكثير عنا» عن سلوكنا في الأحوال العادية وعن طباعنا وأسلوب كل منا في حل مشكلاته ومنهجه في التعامل مع
إخوته ورفاقه، وبذلك كون فكرة واضحة عن كل واحد منا، ثم صار يلقي نظرة علينا بين حين وآخر- ونحن نلعب- من نافذة غرفته التي تطل على الحديقة ليتأكد من حسن سلوكنا، فإذا لاحظ شيئًا مريبًا على أحد نبهه آخر النهار دون أن يلاحظ الآخرون.. وعندما تبدأ المشاجرات ويعلو الصراخ يقف جدي بهدوء خلف النافذة مراقبًا بدقة ما يحدث بيننا.
ومنتبهًا لما يقول كل واحد أو يفعل، ونحن لفرط انشغالنا واندماجنا في المشاجرة- لا نراه ولا نشعر بوجوده فنظهر أمامه على حقيقتنا، ويعلم المفسد من المصلح، ويميز الظالم من المظلوم، ثم يخرج إلينا دون أن يشير إلى ما رآه فيسأل «ويحقق وهو عالم بحقيقة ما جرى ويوقع» العقاب على الذي يستحقه فقط.
لقد كان ذلك من جدي أسلوبًا جديدًا فريدًا متميزًا، فمراقبة الأطفال بشكل دائم والتعرف على سلوكهم حتى في لحظات الصفاء من أهم الأساليب التي تساعد على التربية والتوجيه وإصلاح الأخطاء قبل أن تستفحل ويصعب علاجها، وتمنح الأولاد ثقة بأن أهلهم على اطلاع دائم على ما يجري بينهم فتقل المشاجرات وتنتهي المشاحنات.
عابدة فضيل العظم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل