العنوان المجتمع الأسري (1328)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1998
مشاهدات 82
نشر في العدد 1328
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 01-ديسمبر-1998
نبضات قلب مسافر
زوجتي الغالية
هل تراني أقدم اعتذارًا غامضًا إليك، وأنت تدمغين بُعدي الذي طال بالوضوح الموجع؟ وهل من بوح يطلق العصافير الخضر، التي تبثينها فينا؟ أما لي أن أناديك وأنت تومضين من أهاتنا الحرَّي؟ فأي نداء ترى يحشد أنفاسنا للوطن الكبير الكبير المحاصر؟ وكيف تؤوب قافلتي كي تمر عبر خطاك وليس في الصدر غير وجع الحروف الذي ينز بيننا، ثم جئت تشكين لي من شغب الطفولة يا زهرتي الحبيبة، فما أروع هذا الشغب الحميم الحميم ما أروعه على أن يكون في حدود قدرتنا فلا يخرج عن شجونه المألوفة، وما أطيب أن يعود المخطئ أن يعتذر لأخيه بأسلوب رقيق مخلص دون إهانة لأحد، والحق أن بعض الكبار منا يأبي الإذعان لهذه الرياضة التربوية الإسلامية، ظانًا أن الاعتذار انتقاص من قيمته وبعد ذلك يليق بالمخطئ أن تهمسي في أذنه ليصلي ركعتين مستغفرًا ربه على ما بدر منه بحق أخيه، ثم ذكريهم جميعًا بقصة هادفة من القرآن الكريم أو السيرة النبوية الشريفة، أو من سيرة الصحابة - رضوان الله عليهم - ففي ذلك بلسم الشفاء القلوب، والترويح عن النفوس أما علاج الشغب بالعنف والتخويف كما يفعل بعض الآباء فهو بعيد عن روح الإسلام وهديه، وله نتائج مؤلمة على الجميع كما يشيع الغيرة والحقد بين الصغار، ولا تنسي أيتها الأم الحنون الدعاء لهم بالهدى والاستقامة في أوقات الإجابة، فهذا أنبل حب وأفضل علاج حين يتجلى من نفس مؤمنة تقية رضية وبعد أما لامس عبير بوحي شفافية روحك الزكية؟
محمد شلال الحناحنة
ضرورة الحفاظ على الثوابت واستلهام الشريعة في معالجة المشكلات
الأسرة الخليجية
بين قيم الأصالة ومتغيرات التحديث
المطالبة بعودة المرأة لممارسة دورها الطبيعي في تربية الأبناء ووقف معدلات التصدع الأسري.
أبو ظبي: أحمد جعفر
دعا المشاركون في المؤتمر الأول لصندوق الزواج، وعنوانه: «الأسرة الخليجية بين متطلبات الحاضر وتحديات المستقبل» إلى أهمية استلهام التوجيهات الإسلامية الحكيمة في معالجة قضايا ومشكلات المجتمع انطلاقًا من رؤية شاملة، وفهم صحيح للأحكام الشرعية حتى تنشأ الأسرة العربية على قواعد ثابتة من البناء العقائدي والأخلاقي، والتربوي.
وأكدوا في توصياتهم ضرورة توافر الوعي لجميع أفراد المجتمع بدور الأسرة ومكانتها في بناء الوطن، واتخاذ الوسائل الصحيحة بعيدًا عن المغالاة، والإسراف في الإنفاق، ومع التخلي عن العادات والسلوكيات المخالفة لتعاليم الشريعة الإسلامية.
وأوصوا بتكاتف الجهود الرسمية والشعبية من أجل القضاء على الظواهر الغربية على عاداتنا وتقاليدنا، ودعوة فئات المجتمع وهيئاته ومؤسساته لبذل قصارى جهودها لمعالجة المشكلات التي تعترض طريق الأسرة، وأن تحافظ على مكتسباتها الاجتماعية ومكانتها الثقافية، وتميزها الأخلاقي وتراثها الأصيل.
جاء ذلك في ختام المؤتمر الذي أقيم بالمجمع الثقافي بأبو ظبي برعاية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة مؤخرًا.
وطالب المؤتمر بإصدار القوانين والأنظمة المتعلقة بشؤون الأسرة انطلاقًا من أحكام الشريعة الإسلامية، ليتم توفير الاستقرار في الحقوق والواجبات لجميع أفرادها، بما يحقق دورها في بناء المجتمع، محذرًا من ظاهرة الطلاق في المجتمع لما لها من خطورة تهدد بناءه الاجتماعي، وتفتت وحدته الأسرية وما تؤدي إليه من مشكلات اجتماعية.
وكان الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء قد نقل في كلمته بافتتاح المؤتمر نيابة عن رئيس الدولة أهمية المؤتمر، مشيرًا إلى اهتمام وزراء الشؤون الاجتماعية بدول مجلس التعاون بدور الأسرة كمرجعية للأصالة والتراث والقيم التي تتحدد بموجبها العلاقات الاجتماعية التي تستند إلى الأصل العربي المحفوف بالقيم الإسلامية والروحية، محذرًا من التراجع المستمر للمسؤوليات والوظائف التي كانت الأسرة الممتدة تقوم بها بسبب النقلة الحضارية السريعة ويفعل حركة التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها المجتمعات الخليجية.
وفي ورقته تحدث الدكتور علي فهمي - الأستاذ والخبير في العلوم الاجتماعية والقانونية - حول أسباب الحد من معدلات الطلاق، مشيرًا إلى الآثار الاجتماعية الناجمة عن ذلك، ومركزًا على التشريع والسياسة الاجتماعية والقاعدة التشريعية والواقع الاجتماعي للحد من ارتفاع معدلات الطلاق.
وطالبت الدراسة بزيادة الوعي والتثقيف الأسري للأسر حديثة التكوين واستعادة المرأة لدورها الطبيعي في تربية الأبناء، وعدم اعتبار هذه الوظيفة الاجتماعية من السلبيات التي تؤخذ على المرأة، وذلك مع تشديد إجراءات الطلاق الإصلاح ذات البين والاهتمام بقانون الأحوال الشخصية والتضييق في أمور الطلاق، وكذلك أهمية إنشاء مكاتب للإرشاد الزواجي، وقسم للاستشارات الأسرية لتوجيه النصح للزوجين للعدول عن فكرة الطلاق.
ودعت إلى تدريس منهج دراسي للطلاب والطالبات بجامعات الخليج عن العلوم الأسرية وتفعيل دور وسائل الإعلام والجمعيات الثقافية النسائية، وجمعيات النفع العام للقيام بدور إيجابي لمواجهة الظاهرة والحد من تفاقمها.
انخفاض الخصوبة
وطرح الدكتور إبراهيم خضير بوزارة التخطيط ثلاثة مقترحات في بحثه تحت عنوان «السبيل لمعالجة انخفاض مستوى الخصوبة لدى المواطنات» مشيرًا إلى أهمية زيادة الحوافز الممنوحة للمواطنين عن كل طفل حتى الطفل الخامس، ثم زيادة قيمة الحافز مرة أخرى اعتبارًا من الطفل السادس والعمل على توفير دور الحضانة لرعاية أولاد المواطنات لتشجيعهن للاستغناء عن الخادمات والمربيات، وسرعة تطبيق مواد قانون الخدمة المدنية الجديد الذي يسمح للمرأة العاملة بإجازة وضع لمدة ثلاثة أشهر منها شهران بأجر كامل.
واستشرف الدكتور عبد العزيز عبد الله مختار - أستاذ التخطيط وتعميم البحوث بكلية الخدمة الاجتماعية بجامعة القاهرة - التحديات المستقبلية التي ستواجه الأسرة الخليجية ومن أبرزها تضاؤل دور الأسرة بالنسبة لتربية الأبناء، وتعاظم معدلات التصدع الأسري لاعتبارات اجتماعية وثقافية واقتصادية متعددة، وضعف انتماء الأبناء لأسرهم وتمردهم على أوضاعها الحالية، واتساع الفجوة الثقافية بين جيل الأبناء وجيل الآباء مما يؤدي إلى حدوث حالة من القلق والخلل والتوتر، وحالة من التفسخ الأسري والخلل المجتمعي، وبالتالي زيادة معدلات الانحراف السلوكي بين جميع أفراد الأسرة بصفة عامة وبين الأبناء بصفة خاصة.
ودعا الدكتور عبد العزيز إلى تكوين استراتيجيات لدعم الفئات الاجتماعية الضعيفة وتدعيم ظروفها الاقتصادية، بحيث يكون أكثر تأثيرًا في المجتمع الذي يعيشون فيه، وأكثر قدرة على المشاركة الإيجابية، واتخاذ القرارات المجتمعية العاملة بتعظيم دور المؤسسات الدينية لتحقيق التماسك الأسري والاستقرار الاجتماعي، وتفعيل دور أجهزة الإعلام بمختلف أنواعها.
التربية الأسرية
وطالبت الدراسة التحليلية التي قدمها الدكتور خليفة السويدي - وكيل كلية التربية بجامعة الإمارات - بإعادة النظر في المحتوى العلمي لمادة التربية الأسرية وتعديله بما يتناسب مع الأبعاد الفلسفية والاجتماعية للدولة داعية إلى التركيز على الأدوار المهمة التي ستشغلها الفتاة في المستقبل فالعلاقات الأسرية وصحة المرأة، وإدارة الأسرة وتربية الأبناء لا شك في أنها أهم من التغذية والملابس.
وأكدت الدراسة أن مادة التربية الأسرية من الأسس المناسبة لإعداد جيل المستقبل لتحمل مسؤولية بناء الأسرة، مما يدفعنا إلى إعداد مناهج التربية الأسرية للذكور بما يتناسب مع دورهم المنشود أيضًا.
وأوصت الدراسة المقدمة من الدكتور حسن إسماعيل عبيد - أستاذ علم الاجتماع المساعد خبير ومستشار الشؤون الاجتماعية بمؤسسة صندوق الزواج بأبو ظبي - بالنظر في إمكان تأسيس المركز العربي للدراسات الأسرية والخليجية، بحيث يناط به إجراء الدراسات الخاصة بالقضايا، والظواهر والمشكلات الأسرية، في ضوء منظور شمولي الأبعاد ينطلق من الواقع ويطول المستقبل وضرورة إجراء سلسلة من الأبحاث والدراسات الميدانية وذلك لاستجلاء قضايا الطلاق وظاهرة العنوسة، فضلًا عن الزواج من أجنبيات، ودعت إلى إنشاء قاعدة بيانات أسرية تضم إحصاءات دقيقة حول أوضاع الأسرة وقضاياها ومشكلاتها تستمد معلوماتها من الوزارات والدوائر والأقسام ذات العلاقة المباشرة، موعزة إلى اتحاد الجامعات العربية بإدراج مساق «علم اجتماع الأسرة» ضمن المساقات العلمية ليدرس بكليات الآداب والتربية.
وتحدث الدكتور محمد إبراهيم المنصور في بحثه تحت عنوان: «السكان في دول مجلس التعاون الخليجي سياسات واحتمالات» عن اتجاهات النمو السكاني والخلل الناتج عن خطأ التركيبة السكانية، وحركة النمو ومؤشراتها، وأهمية وضع استراتيجية سكانية ترسم الاتجاه العام السكاني في منطقة الخليج.
بينما تناول الدكتور صلاح عبد المتعال في ورقته بعنوان: «تحسين نوعية الإنسان والحياة في الأسرة العربية والخليجية» عناصر ونوعية الحياة وأبعاد التنمية سواء الاقتصادية والنفسية والاجتماعية والحضارية بشقيها الديني والتكنولوجي إلى جانب نوعية احتياجات الإنسان وموقف الأسرة العربية ونمطها المعاصر، إضافة إلى إظهار معالم دليل العمل لتحسين نوعية الحياة، متمثلة في مرحلة ما قبل الزواج والتوافق والتماسك الأسري، ومواجهة مشكلات الزواج، والمشكلات التربوية والانحراف، والتخلص من أنماط السلوك المضر، مع مراعاة إعادة صياغة حياة الأسرة والعمل على تعديل أنماط السلوك.
وحذر خلف أحمد العصفور - مدير الشؤون الاجتماعية بالمكتب التنفيذي لمجلس وزراء العمل والشؤون الاجتماعية بدول مجلس التعاون - من أن نسبة غير المواطنين بدول المجلس تتخطى النسبة الطبيعية، وبإمكانها أن تحدث هزة ديمجرافية قوية إن لم تتمكن هذه الدول من معالجة الخلل السكان وبخاصة أن الزيادة السنوية لغير المواطنين بلغت 5% سنويًا مقارنة بنحو 3% للمواطنين في الفترة ما بين عام ۱۹۸٥م - ۱۹۹٥م، وأشار إلى ضرورة تبني سياسة سكانية تعمل على تحقيق هدف رئيس وهو أن يكون مواطنو كل دولة من دول المجلس 80% من إجمالي السكان عام ٢٠٢٥م.
الفحص الطبي
وناقشت أوراق عمل متعددة أهمية الفحص الطبي قبل الزواج والدور الذي يقوم به مجلس وزراء الصحة العرب في مجال أساليب الوقاية من الأمراض الوراثية البشرية، وأشادت ورقة العمل المقدمة من الدكتورة سهام الرفاعي بالإدارة العامة للشؤون الاجتماعية والثقافة بالأمانة العامة بجامعة الدول العربية بقرار مجلس الوزراء سنة ١٩٩٥م الذي اشترط الفحص الطبي والخلو من الأمراض وبخاصة أمراض العصر للحصول على منحة صندوق الزواج.
مواجهة العولمة بالتماسك
ناقشت عدة أوراق - داخل المؤتمر - تأثيرات التحولات العالمية والعولمة على استقرار، وتماسك الأسرة العربية بوجه عام والخليجية بوجه خاص.
وأكدت ورقة العمل المقدمة من فوزي بويحي أن المجتمعات العربية، وهي تعيش وتتفاعل مع المتغيرات العالمية في أمس الحاجة اليوم إلى وضع استراتيجيات واضحة في مجال المحافظة على تماسك الأسرة والنهوض بقدراتها، وصياغة مشاريع اجتماعية ترسخ هويتها الحضارية.
وأكدت الورقة أهمية السعي لصياغة استراتيجية إعلامية أسرية، تعمل لترسيخ وتأصيل ثقافة أسرية عربية تعنى بالحفاظ على الشخصية العربية بعيدًا عن الغزو الثقافي الأجنبي، ومحاولات التغريب.
كما تناولت بعض الأوراق أثر وسائل الإعلام على التنشئة الاجتماعية والأسرية، وأوصت الدراسة المقدمة من الدكتور إبراهيم الشمسي - بكلية العلوم الإنسانية قسم الاتصال الجماهيري بجامعة الإمارات - بدراسة سن قانون يفرض بموجبه على وسائل الإعلام أن تكون 60% أو أكثر من موادها ذات طابع محلي على غرار ما قامت به فرنساء التي ترى أن ما يأتيها من مواد إعلامية أمريكية عبارة عن غزو ثقافي.
وطالبت الدراسة أيضًا بتوجيه الإعلام النسائي نحو التخفيف من إعلانات استغلال المرأة حفاظًا على كرامتها مع نشر الأخبار التي تسهم في دعم نهوض واستقرار الأسرة الخليجية.
نستودعك الله يا مسجدنا «2 من 2»
بالما: نوال السباعي
أنهى بعض أولادي المرحلة الابتدائية التي كانت تمتد إلى ثمانية أعوام في المدارس الإسبانية فأنهوا بذلك مرحلة متكاملة من الإعداد الفكري والتوجيه العلمي المناسب، فذهبنا بهم، وفق خطة تعليمية مدبرة، كان قد اتبعها أبوهم في تدريسهم في إسبانيا إلى مدرسة «أم القرى» لنسجلهم هناك ونحن على خوف وأمل.
وأما الخوف فمصدره انتقال الأولاد من مدرسة إلى مدرسة، ومن نظام إلى نظام ومن لغة إلى لغة وأما الأمل فذلك الذي كان يبعثه صوت الأذان الذي كان يهز جنبات المركز الإسلامي خمس مرات، فيسمع في قاعات الدرس، وأركان المركز، وقاعات الرياضات، وغرفة تجهيز الموتى وقاعة المعارض والمطعم الفاخر الذي افتتح ملحقًا بالمركز الثقافي، وقاعة المسرح الضخم في الطابق الأول تحت الأرض، وفي طبقتي مواقف السيارات الواسعتين، وفي غرف الإدارة وجناح المكتبة العامة الواسعة الموضوعة في خدمة كل من أراد أن يقضي ساعة صفاء في صحبة كتاب أو مجلة أو ساعات بحث وتحصيل بين مراجع تلك المكتبة العربية - الإسبانية الضخمة.
وجاء أولادي إلى المدرسة مدرسة «أم القرى» ليجدوا فيها الأمن والأمان والحب والعطاء والتفهم والدعم من الجميع وبخاصة من مجموعة المدرسين الذين وقف أكثرهم نفسه - حسبما يعرف ويستطيع - لخدمة الطلبة ومساعدتهم، والأخذ بأيديهم في تلك الشدة التي يمر بها معظم الطلبة المسلمين في هذه البلاد وهي اضطرارهم المستمر لتغيير المدارس وكنت أعجب لمن يديم الشكوى من الأهالي الذين بدوت إلى جانبهم راضية إلى درجة كبيرة عن حال أولادي في هذه المدرسة، ولعل ذلك يعود إلى أنهم مروا بالمدرسة الإسبانية قبلًا، فعرفوا فضل الإسلام، أما معظم الأهالي فكانوا يراوحون ناقلين أبناءهم بين مدرسة عربية وأخرى، فلا هم استطاعوا تغيير سيئات تلك المدارس ولا هم عرفوا الخطر، فرضوا بعده بالأمان، وربما لأن أساليب التربية الغربية اليوم، تنصب في هدف رئيس هو تعليم الطفل كيف يتكيف مع كل ظرف جديد يواجهه في الحياة، وذلك عن طريق تنمية قدرته على التعلم، أو كما قال أحد كبار علماء الاجتماع إن هدف التعليم في أوروبا اليوم أصبح أن يتعلم الأولاد كيف يتعلمون.
المهم أن المسيرة مضت نحو الأمام واجتمعت في تلك المدرسة مجموعة من أولاد المسلمين - الذين توافدوا من ثلاثة أرباع أقطار الأرض - ليتعلموا في أم القرى العربية والدين ويحفظوا هوياتهم الثقافية، على الرغم من تكريس الأخطاء التربوية بين البيت والمدرسة وعدم وجود مناهج توجيهية واضحة لإعداد الهيكل الإنساني المطلوب.
وقد تحدثت مرة إلى الأستاذ علي البخاري - مدير المدرسة على مدى ثلاثة أعوام - فعبر عن الضرورة الملحة لصياغة مناهج دراسية خاصة بأولاد المسلمين في الدول الغربية وكذلك مناهج خاصة بكل دولة على حدة، كأن يدرس الأولاد في إسبانيا مثلًا تاريخ الأندلس والحضارة الإسلامية، قبل أن يدرسوا تاريخ تطور العملة النقدية في بلد من البلاد الإسلامية وبخاصة أن تعليم الجيل الثاني في أوروبا تجربة جديدة في حياة الجاليات المقيمة فيها.
وأما مشكلة الزي الموحد للمدرسة وما أدراك ما مشكلة الزي الموحد، فقد كانت المشكلة الرئيسة أن الفتيات الصغيرات كن يلقين أشد الأذى لدى خروجهن إلى الشارع الإسباني بسبب ارتدائهن الجلباب الذي يستغرب هنا جدًا أن ترتديه طفلة صغيرة.
حجاب البنت الصغيرة
وقد حاولنا اقتراح زي تحافظ فيه الفتاة على حجابها، لكنه يماشي قواعد ملابس المدارس الخاصة الإسبانية، ولا يخرج قيد شعرة عن شروط اللباس الإسلامي الشرعي فاصطدمت محاولتنا برفض الأهالي، وبرر البعض ذلك بغلاء هذا الزي، أو حجج أخرى جعلت من الزي مشكلة دائمة على طول السنة وخلال أعوام في مدرسة «أم القرى» تعلم أولادي شيئًا من فن التجويد عند الشيخ «منير» إمام المسجد وهناك زادت ثقتهم بالمسلمين، وإن دأبوا على نقد كل ما يخالف قناعاتهم الشخصية في قواعد السلوك الاجتماعي.
في مدرسة «أم القرى» حفظت ابنتي الصغيرة «سورة الطلاق» مع الأستاذ إياد الشيخ»، الذي نزل هذه المدرسة مدرسًا للدين، فرفع الله به عن كاهلي - وغيري من الأهالي: عناء التركيب والتحليل الذي كنت أعانيه يوميًا في البيت لغسل ما علق بنفسيات الأولاد وعقولهم من أدران.
وذات ومع الأستاذ «إياد»، أحب الأولاد قيام الليل، وصيام النهار، وهناك يوم ترك الأستاذ «إياد» التدريس في المدرسة بعد ثلاثة أشهر فقط من بدء العام الدراسي، فرأيت الدموع في عيون طلبة ذلك المعهد وقد أدركوا أنهم خسروا بسبب بعض المشكلات أستاذًا يندر وجود مثله لتدريس أبناء الجيل الثاني في دولة أوروبية، يحتاجون فيها إلى عقلية خاصة تفهمهم وسلوك خاص معهم.
في رحاب «أم القرى»، ومسجد المركز الثقافي الإسلامي عشق الأولاد حمل القرآن وعاشوا في جنة الصلة بالله ووجدوا وطنًا وأرضًا ومجتمعًا مسلمًا ربما لا يختلف كثيرًا أو قليلًا في زلاته وأخطائه عن ذلك المجتمع العربي الكبير الذي أتى منه أباء وأمهات أولئك التلاميذ، ولكنه وعلى الرغم من ذلك وفر لهم فرصة تجربة فريدة من نوعها في حياتهم التي قضوها منذ ولادتهم تقريبًا في إسبانيا.
كان كل واحد من الأساتذة يُشعرهم بأنه فرد من أفراد أسرتهم وكان مدير المدرسة أثناء العام الماضي الأستاذ «سعود الضبيان» والدًا وأخًا، ومشرفًا، وموجهًا في آن واحد.
وحتى «بريما» القائم بأعمال وحدة الاستقبال والحراسة، ترك بصماته علينا، وما فتئ مراه يذكرنا ببلال الحبشي، وكان ابني الصغير يقول لي: «لا أستطيع التحدث مع بريما، فأنا أحتاج إلى كرسي أصعد عليه ليسمعني»، وذلك لشدة طوله وحزمه وشدته مع الأولاد، ذلك الحزم لم يفارقه حتى في اللحظات التي كان ينبغي أن يصفح فيها عنهم، ولكن على الرغم من ذلك، فإن الطيبة والسماحة ما كانتا لتفارقانه وهو المضطر لأن يلعب دور «مخيف الأولاد» ليرغمهم على الحفاظ على الهدوء والنظام.
كانت هذه حياتنا خلال عامين في رحاب المركز الإسلامي، ومدرسته «أم القرى» في مدريد التي كانت واحدة استظل فيها الأولاد وتفيؤوا معاني الحب في الله، التي جعلتهم يغفرون الزلات وهم الذين اعتادوا على قول كلمة الحق، ومواجهة كل ما يظنونه خطأ.
وكانت هذه حياتهم في ظل العطف الذي غمرهم من قبل الجميع، بدءًا من مدير المركز الحالي الدكتور صالح السنيدي، ومرورًا ببقية القائمين على المدرسة بشكل خاص إلى درجة التجاوز عن كل ما كانوا يأتونه من حماقات ومغامرات منها صعود المئذنة سرًا، والجلوس هناك في تلك القمة القريبة من السماء المراقبة خط السير السريع الذي يبدو من المئذنة رائع الجمال والبهاء.
كانت هذه هي التجربة التي عاشها أولادي في مسجد «م – ٣٠» كما يدعوه هنا القاصي والداني وحتى سائقو التاكسي في مدريد، وهذه التجربة عينها هي التي جعلتهم يكادون يموتون همًا وكمدًا يوم اضطررنا للانتقال من مدريد والسفر بعيدًا عنها- ولو إلى حين– ولا أرى الله المحبين مكروهًا، لقد كان يوم الوداع، من أصعب الأيام التي مرت علي في حياتي لشدة ما رأيته من وجد أبنائي على فراق مدريد، وما هو فراق مدريد ولكنه فراق مساجدها، التي أصبحت لنا وطنًا، ومسلميها الذين كانوا لنا أهلًا، وأم القرى التي تركوا فيها ذكرياتهم، وأصدقاءهم، وتركوا فيها «الأستاذ حسام»، أستاذ الرياضيات الذي ترك في نفوسهم بصمات لا تمحى، والأستاذ «جاسم» أستاذ اللغة العربية، الذي جعل إحدى بناتي: وهي المتخرجة في المدرسة الإسبانية - تقرأ كتبًا بالعربية وتلخصها وما فتئ يدعو التلاميذ ما بين مزاح وغضب «يا وجوه البؤس والغلاظة» وتركوا هناك أستاذتهم أم سامر التي كانت تضبط خروج ودخول البنات إلى الصلاة في حزم وشدة محتملة كل أعذارهن وطول ألسنتهن.
وتركوا هناك زينب ونبيلة، وإبراهيم ومحمد وعبد المنعم، وأسامة، وهاجر وأخاها عبد الله الذين قضوا معهم أجمل أيام حياتهم حيث زرعوا آمالهم الكبيرة وقلوبهم الصغيرة وبصماتهم البريئة على أمل عودة سريعة عاجلة وكتبوا على سبورة الصف يوم السفر، «نحن لم نذهب من هنا نستودعك الله يا مسجدنا».
من لي بزوجة صالحة؟
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (النور: 32).
ينبغي على صاحب البيت انتقاء الزوجة الصالحة بالشروط التالية:
«تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» «متفق عليه».
«الدنيا كلها متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة».
«ليتخذ أحدكم قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا وزوجة مؤمنة تعينه على أمر الآخرة»
وفي رواية: «وزوجة صالحة تعينك على أمر دنياك ودينك خير ما اكتنز الناس».
«تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة».
«عليكم بالأبكار فإنهن انتق أرحامًا، وأعذب أفواهًا، وأرضى باليسير»، وفي رواية: «وأقل خبًا، أي خداعًا».
وكما أن المرأة الصالحة واحدة من أربع من السعادة، فالمرأة السوء واحدة من أربع من الشقاء، كما جاء في الحديث الصحيح وفيه قوله ﷺ: «فمن السعادة المرأة الصالحة تراها فتعجبك وتغيب عنها فتأمنها على نفسها ومالك، ومن الشقاء المرأة تراها فتسوؤك وتحمل لسانها عليك، وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك».
وفي المقابل: لابد من التبصر في حال الخاطب الذي يتقدم للمرأة المسلمة، والموافقة عليه حسب الشروط الآتية:
«إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض»، ولابد في كل ما سبق من حسن السؤال، وتدقيق البحث، وجمع المعلومات، والتوثق من المصادر والأخبار حتى لا يفسد البيت أو ينهدم.
والرجل الصالح مع المرأة الصالحة يبنيان بيتًا صالحًا لأن ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ (الأعراف: 58).
والملاطفة لأهل البيت
ملاطفة الزوجة والأولاد من الأسباب المؤدية إلى إشاعة أجواء السعادة والألفة في البيت لذلك نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم جابرًا أن يتزوج بكرًا، وحثه بقوله: «فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك وتضاحكها وتضاحكك».
وقال صلى الله عليه وسلم: «كل شيء ليس فيه ذكر الله فهو لهو ولعب إلا أربع منها ملاعبة الرجل امراته......» وكان ﷺ يلاطف زوجته عائشة وهو يغتسل معها، كما قالت - رضي الله عنها - «كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء بيني وبينه فيبادرني حتى أقول: دع لي. دع لي» قالت: أما ملاطفته صلى الله عليه وسلم للصبيان فأشهر من أن تذكر، وكان كثيرًا ما يلاطف الحسن والحسين كما تقدم، ولعل هذا من الأسباب التي كانت تجعل الصبيان يفرحون بمقدمه صلى الله عليه وسلم من السفر فيهرعون لاستقباله، كما جاء في الحديث الصحيح: «كان إذا قدم من سفر تلقى بصبيان أهل بيته».
وكان ﷺ يضمهم إليه كما قال عبد الله ابن جعفر: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر تلقى بنا فتلقى بي وبالحسن أو «بالحسين» قال فحمل أحدنا بين يديه، والآخر خلفه حتى دخلنا المدينة.
قارن بين هذا الحال وحال بعض البيوت الكئيبة التي تخلو من المزاح بالحق والملاطفة والرحمة ومن ظن أن تقبيل الأولاد يتنافى مع هيبة الأب فليقرأ هذا الحديث: «عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قبل رسول الله ﷺ الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا فقال الأقرع إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا فنظر إليه رسول الله له ثم قال: من لا يرحم لا يرحم»
عبد الله الغامدي
المنطقة الشرقية - السعودية