العنوان المجتمع الأسري (العدد 1501)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 18-مايو-2002
مشاهدات 71
نشر في العدد 1501
نشر في الصفحة 60
السبت 18-مايو-2002
«بنات الحلال»:
حاولن استدراجي للحديث عن شؤون بيتي وزوجي فقلت مداعبة: هل جاء دوري لتتسلين بي؟
بقلم: فدوى جاموس
كانت تحدثني بهدوء عميق عجيب مشحون بألوان شتى من الانفعالات المكبوتة التي لا تفتأ بين آونة وأخرى ترشح من بين الكلمات والعبارات، وتتلامح ظلالها على قسمات الوجه..
وكنت أصغي إليها باهتمام بالغ، وأراقب ما يجري وما تعكسه الكلمات الهادئة الرصينة من حركة الأعماق المائجة...
قالت بعد تنهيدة قصيرة حرى
تلقفنني، كما لو كنت كرة في ملعب، وبدأن يتقاذفنني يمنة وسرة
قلت في دهشة ومن هن؟
قالت بنات الحلال!
قلت باستغراب شديد بنات الحلال؟
قالت بابتسامة حزينة أجل... الناصحات المشفقات.
قلت: اعذريني لم أفهم شيئًا حتى الآن.
قالت، برصانة هادئة: حسنًا سأقص لك الحكاية من أولها، وأنا واثقة أنك لست منهن أو هكذا أحدس في أقل تقدير، وإن كنت لم أعد أثق بحدسي كثيرًا، بعد الذي رأيته منهن، وسمعته عنهن...
قلت ببسمة مشفقة يبدو أن تجربتك معهن مرة.. وأرجو ألا يخيب ظنك بي ولا يخطئ حدسك فابدئي من حيث شئت يرحمك الله.
قالت: حسنًا إليك الحكاية إذن.
كنت في زيارة لأختي في دولة أخرى، حين جامنا بعض أصدقاء الأسرة، ممن نثق بهم وتطمئن إليهم يعرضون على الزواج، ويطلبون من أختي وزوجها أن يلحا على كي أوافق.. وكنت أمانع وكلما ازداد إلحاح أختي وزوجها علي ازدادت ممانعتي وكانت أختي تذكرني بحقيقة لا تفارق ذهني، وهي أنني لم أعد صغيرة، وأن قبولي بمبدأ الزواج ضروري جدًا، وإلا.. مضى الوقت وفاتني القطار.
فمن ذلك الرجل الذي خطبني؟ إنه شخص غريب عني لا أعرفه، توفيت زوجته منذ فترة قصيرة وتركت له أولادًا صغارًا، جامعي، مثقف حسن الخلق هذا كل ما عرفته عنه.
أما هو فقد اطمأن إلى نصيحة صديق له يحبه ويحترمه ويثق به... وقد رشحني هذا الصديق له بعد أن عرف شيئًا عني، عن طريق زوجته وأمه وأخواته.
ثم سافرت إلى بلدي، ووصلتني رسالة من أختي وزوجها تحمل بعض الكلمات عن الرجل الذي سيكون زوجي يومًا ما وفكرت بهدوء.. وراجعت موقفي، ووجدتني أميل إلى الموافقة....
وأجريت استخارة شرح الله بها صدري للموافقة واتصلت بي أختي تستفسر، وأخبرتها بميلي إلى الموافقة، وتم ترتيب الاتصال بوساطة الصديق.
وفوجئت بجرس الهاتف يرن في بيتي... فإذا هو هو الرجل الذي وافقت عليه.. عرفني بنفسه وطلب مني تحديد موعد السفر إليه، لعدم تمكنه من السفر إلى واستمهلته لدراسة الموقف وتوالت الاتصالات عبر الهاتف.
وبعد شهرين تقريبًا، كنت عنده وكنا زوجين وبدأت المهمة مهمة بنات الحلال لن أذكر نصائحهن كلها ولا قناطير الشفقة التي غمرتني بها كلها ولا الاستفهامات الاستنكارية كلها.... فهذا مما لا أحصيه ومما آنف من ذكر أكثره، وحسبي تقديم نماذج حية موحية دالة معبرة.
- صفاء تهمس في أذني مشفقة حانية خائفة علي: ما الذي جاء بك يا مسكينة ولاحظي اسمها صفاء.
- أم مسعود تخاطب جارتها، في بيتي بحضوري بصوت خفيض رفعته قليلًا كي أسمعه أجارها الله من مصير سابقتها، التي ماتت همًا وكمدًا.
- أم راضي ترسم على وجهها ملامح إشفاق وحنان قائلة ورطتك صعبة يا بنتي وما عليك إلا الصبر إنه سيحبسك في البيت ويمنع عنك الشمس والهواء فاصبري وأجرك على الله.
- أم سرور وأم زهور تتناجيان أمامي، فتقول إحداهما للأخرى: لا ندري كيف ستوطن نفسها على العيش معه.. وهل ستضطر إلى أن تأكل ستة أيام في الأسبوع من أكلته التي يحبها ولا يأكل سواها؟
فتجيبها الأخرى: هذه نصف مصيبة أم المشكلة الكبرى فهي في قدرتها على إقناعه بأن يبدل ثيابه كل شهر مرة على الأقل.
- هند وزينب وثريا ودعد وخولة وإيمان وإنصاف وإلهام يشكلن جوقة حزن ورهبة وأسف، ودهشة، وتحقيق، وفزع.
سلمي أمرك لله.. يا لطيف.. محنة.. شاب كالقمر.. كهل مهترئ فظ الطباع ومتعجرف ولا يهتم بمشاعر زوجته.. بل يجرعها العلقم.. يا حسرتي عليك يا مسكينة... إن ورطتك تمزق الفؤاد.. صبرك الله وأعانك... وهكذا.. وهكذا.. لقد ملأن قلبي قلقًا، وخوفًا ورعبًا من مستقبل غامض مجهول، وحسرة على ما فرطت في حق نفسي.
لقد شكلن لدي انطباعًا رهيبًا عن الرجل، منذ الأسبوع الأول، صار بالنسبة لي هو المرجعية الذهنية والنفسية التي أقيس عليها كل سلوك من سلوكيات زوجي وكل كلمة، وكل تصرف، وكل نظرة، وكل حركة.
كنت أحس بصورة ما، أنه بعيد عني، غريب عن نفسي، وأن بيني وبينه فجوة من نوع ما، بل ربما كنت أحس بنفور خفي مشوب بقلق غامض وخوف مجهول... لماذا؟ لأن شبكة النسيج التي غزلتها لي بنات الحلال من شفقتهن وحبهن وحنانهن، قد لفت كياني كله، فصرت أنظر بريبٍ وحذرٍ وتشككٍ إلى كل ما يصدر عن الرجل من قول أو فعل.
وزاد الطين بلة... ما رأيته من بعض مظاهر الإهمال في تأثيث المنزل وترتيبه.. كان هذا كله في الأسبوع الأول من حياتنا الزوجية.. وكان هذا أسبوع بمثابة كابوس حقيقي جثم على صدري كاد يخنقني..
ماذا أفعل؟ وبدأت أستعرض الخيارات التي أمامي:
- العودة إلى أهلي شبه مستحيلة، لأسباب عدة، أهمها أن بعضهم لم يكن راضيًا أصلًا عن زواجي بالصورة التي تم بها، وستجعلني العودة عرضة للتشفي والتندر والاستهزاء...
- الاستمرار مع الرجل وهو في الصورة التي كونتها عنه بنات الحلال، في عقلي ووجداني جحيم لا يطاق، ولاسيما أن بعض مواقف الرجل وتصرفاته معي كانت تعزز الصورة القائمة، وتزيدها رسوخًا في أعماقي.
ماذا أفعل؟ كنت أبكي أحيانًا في خلوتي.... أتضرع إلى الله أن يأخذ بيدي، ويختار لي الخير وكنت أظهر التماسك أمام زوجي والرضا والابتسام.
وكنت في داخلي أحترق، أتمزق، وأسأل نفسي دهشة كيف يبارك رسول الله زواجي في الحلم من هذا المخلوق؟!
قررت أن أوطن نفسي على العيش معه.. بقدر ما أستطيع، وأن أتكيف مع واقعي، وأن أرضى بقدري.
وكانت بنات الحلال يزرنني بين الفينة والفينة، يستفسرن عن أحوالي للاطمئنان علي، والتأكد ما إذا كان بيتي تهدم فوق رأسي، أم هو على وشك، وكن يستدرجنني بالأحاديث.. أحاديث الود والحنان والشفقة والاهتمام بشأني.
وكنت أقابلهن بنوع من التجلد والرضا... ومرت الأيام.. شهر... شهران... خمسة.... عشرة.. عام.
كانت الأمور تتكشف لي تدريجيًا.. وكانت الحياة مع زوجي تأخذ منحنى آخر، مختلفًا تمامًا عن المنحنى الذي صورته لي بنات الحلال وجدت لديه إيجابيات كثيرة تطغى على سلبياته العادية التي لا يخلو منها بشر. أما سلبياته التي غرستها بنات الحلال فلم أجد لبعضها في أعماق وجداني أثرًا، ووجدت للقليل منها ظلالًا باهتة لا تكاد تذكر.
كنت أصارحه أحيانًا، في بعض ما سمعت عنه، وكان يوضح لي الأمور ببساطة وجلاء، واكتشف أمورًا كثيرة مع الأيام منها: أن الرجل كان ضحية إشاعات مجحفة راجت عنه من خلال ما كانت تنسجه بنات الحلال حول كلمات عادية كانت تند عن زوجته الأولى أحيانًا، وهو لا يعلم شيئًا عن هذه الإشاعات، لأنه كان يرفض أن تحدثه زوجته عما تثرثر به مع النساء، ومنها:
أنني وقعت ضحية بين أنياب بنات الحلال، والسبب بساطتي وحسن ظني بالناس.
ومنها: أن اهتمام بنات الحلال بي، وإشفاقهن علي، وحرصهن على مصلحتي، كان نوعًا من الفضول السمج، والتطفل المقيت، وضعف الوجدان وفساد الضمير.
والغريب جدًا في الأمر، هو أنني لم أفكر طوال الأسابيع الأولى لزواجي أن أطرح على نفسي هذا السؤال: ترى لماذا تهتم بي بنات الحلال إلى هذا الحد ومن لا يعرفنني ولا أعرفهن؟
أنهت صديقتي كلامها، ونظرت إلى ببسمة راضية ممزوجة بحزن وأسف على سلوك بنات الحلال.
سألتها أو ما زلن يترددن عليك ويظهرن لك الشفقة والحنان؟
قالت باسمة لقد قلت زياراتهن لي كثيرًا وانعدم إشفاقهن علي.
قلت: وهل عرفت السبب؟
قالت السبب ذكرته ذات مرة، إذ حاولن استدراجي للحديث عن شؤون بيتي وزوجي فقلت لهن مداعبة هل جاء دوري لتتسلين بي؟
فنظر بعضهن إلى بعض وقالت إحداهن للأخريات إنها عفريتة لا نقدر عليها..
قلت لصديقتي لعلها تقصد أنهن لا يقدرن على التسبب بخراب بيتك.
قالت: لعلها.
المرأة المغاربية في فرنسا.. مشكلات التأقلم والاندماج:
ضمن سلسلة المحاضرات والندوات التي تعقدها كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية في بيروت حول الجاليات الإسلامية في أوروبا الغربية «مشكلات التأقلم والاندماج»، ألقى الدكتور جلالي عبد الرزاق أستاذ علم الاجتماع في جامعة باجي مختار -بعنابة في الجزائر- محاضرة بعنوان: «المرأة المهاجرة بين ثقافة البلد الأصلي وبلد الهجرة - حالة المرأة المغاربية في فرنسا».
المحاضرة ركزت على الإجابة عن التساؤلات حول مصير المهاجرين المغاربيين إلى فرنسا، وهل المطلوب تماثلهم، أم تأقلمهم، أم اندماجهم داخل المجتمع الفرنسي غير المتجانس أصلًا؟
ورأى المحاصر أن هناك تمايزًا اجتماعيًا إن تم نقل قطيعة بين المجتمع الفرنسي والمهاجرين المغاربة بما يحول دون إدماج المهاجرين في المجتمع الفرنسي خاصة في ظل تنامي عقدة التفوق عند الأحزاب اليمينية الفرنسية المتطرفة العدائية تجاه كل ما هو عربي ومسلم.
واعتبر د. عبد الرزاق أن نظام الحكم لفرنسي يتميز بطبيعة تؤدي إلى تراصف الثقافات الموجودة لا تفاعلها معا، ولذلك فإن المهاجر ينظر إليه من الزاوية الاقتصادية فقط كقوة عمل تستغل مرحليًا ويستعاض عنها بأخرى في مراحل لاحقة.
ويرى الدكتور جلالي أن المرأة أقبلت إلى فرنسا وهي تحمل عبئين عبء قدومها من بلدان متخلفة، وعبء احتلالها لمراكز ثانوية، رغم ما حصلت عليه من تقدم في بلدانها الأصلية، وبالتالي كان طموحها وهدفها الحصول على مكانة اجتماعية في المجتمع الجديد بدون إحداث تعارض مع ثقافتها الأصلية أو تصادم مع ثقافة البلد المضيف، وبالتالي حاولت إحداث تفاوض بين الفرص المتاحة والتقاليد الراسخة.
وأكد أن المرأة المغاربية المهاجرة استفادت من القانون الفرنسي لتقوية زندها بما أدى بالجيلين الثالث والرابع للتحول إلى ارتباط رمزي بالثقافة الأصلية نتيجة التثاقف أو التماثل، لكن الفضاء الاجتماعي والإثنى سهل لهذه المرأة الامتداد مع ثقافتها الأولية إذ وجدت فيها الراحة النفسية والسند المادي عند الحاجة، وبالتالي فإن العودة إلى الثقافة الأصلية تأخذ اتجاهين:
- اتجاهًا يتميز بالمحافظة على الثقافة الأصلية لدى الجيل الأول من المهاجرات والسيدات اللواتي تبنين فكرة الخصوصية الثقافية، وهذا التوجه يتعرض للانتقاد من قبل المجتمع الفرنسي كما حصل عندما أقامت وسائل الإعلام الدنيا ولم تقعدها لأن بعض الطالبات المغاربيات لبسن الحجاب، واعتبرته ضربًا للعلمانية.
اتجاهًا يميل إلى التوازن بين ثقافة البلد الأصلي وثقافة البلد المضيف، فلا قطيعة عنيفة مع ماضي الآباء والأجداد.
واختتم المحاضر محاضرته بالتأكيد على أن المرأة المغاربية لا تزال في غالبيتها تمثل الحارس للتقاليد والأصالة حتى وإن سكنت محيطًا اجتماعيًا يختلف جذريًا عن محيطها الأول، أو كانت تعيش الانقسامات خاصة في ممارستها لشعائرها الدينية بسبب عدم تجانس السياسات العربية وتفتت الجمعيات الثقافية والتنظيمات الإسلامية الناطقة باسمها.