; تناقضات السياسة العربية بين معاملة الشعوب والتعامل مع العدو الصهيوني | مجلة المجتمع

العنوان تناقضات السياسة العربية بين معاملة الشعوب والتعامل مع العدو الصهيوني

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-2001

مشاهدات 60

نشر في العدد 1437

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 06-فبراير-2001

في بدايات انتفاضة الأقصى -التي دخلت شهرها الخامس- انتعشت الآمال في أن تؤدي روح التضامن العربي والإسلامي «الرسمي والشعبي» مع نضال الشعب الفلسطيني إلى تصحيح الخلل الذي أصاب السياسة العربية في مواجهة العدو الصهيوني ومن يقفون خلفه خلال العقود الماضية، وعانت منه هذه السياسة طويلًا حتى أضحت تسير في اتجاهات متعارضة لا تحقق سوى مصلحة العدو.

 وبالرغم من أن الانتفاضة قد وفرت المناخ الملائم لهذا التصحيح، وردم الفجوات وإزالة الجفوات التي باعدت بين بعض الحكومات العربية وبعضها الآخر، أو بينها وبين شعوبها حتى يمكن الوصول إلى سياسة موحدة ومواقف متماسكة في مواجهة العدو، إلا أن ما تحقق من ذلك لا يزال أقل من القليل، ولا تزال تناقضات السياسة العربية قائمة ومتفاقمة، على المستويين: الداخلي لمعظم الحكومات مع شعوبها، والخارجي الذي يخص العلاقات البينية العربية- العربية.

فعلى المستوى الداخلي: نجد أن بعض الحكومات العربية مستمر في ممارسة سياسة القمع ضد القوى والتيارات الإسلامية والوطنية المطالبة بالإصلاح السياسي والاجتماعي، والمعارضة لعملية الاستسلام للعدو الصهيوني، وما يصاحبها -أو يسبقها أحيانًا- من خطوات للتطبيع معه، وكلما مدت هذه القوى يد الحوار مع حكوماتها قوبلت بالرفض والاستعلاء، وإذا نادت بالمشاركة في العمل الوطني، وتحمل قسط من مسؤولياته قوبلت بالإقصاء والتجاهل، في قسم كبير من الدول العربية، حيث قوانين الطوارئ والاعتقالات، ومصادرة الحريات، وإحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية، والحرمان من الحقوق الدستورية والقانونية المكفولة لجميع المواطنين، وبخاصة حق تشكيل الهيئات والأحزاب وحق التعبير عبر وسائل الإعلام.

ووجه التناقض هنا هو أنه بينما تعلن حكومات تلك الدول عن تضامنها مع انتفاضة الشعب الفلسطيني ودعمها لنضاله حتى ينال حقوقه المشروعة، ويقيم دولته المستقلة، إذا بهذه الحكومات نفسها تستدير إلى شعوبها وقواها الحية التي تشاطرها الموقف نفسه فتتخذ ضدها ما ذكرناه من إجراءات القمع، وكبت الحريات، الأمر الذي يفرغ سياسة التضامن مع الشعب الفلسطيني من مضمونها، ويدخل كل حكومة في دوامة الأزمات الداخلية، مع ما يترتب على ذلك من تشتيت للقوى وهدر للإمكانات، وإتاحة الفرصة لاستشراء الفساد الإداري والاقتصادي، والتحلل الاجتماعي والاستبداد السياسي فيزداد الموقف في مواجهة العدو الرئيس ضعفًا على ضعف.

هذا على المستوى الداخلي، أما على مستوى العلاقات البينية «العربية – العربية»، فقد جاءت انتفاضة الأقصى لتهيئ فرصة نادرة للم الشمل العربي والإسلامي، ولتجاوز الخلافات، وتجميع عناصر القوة التي تملكها الأمة، وبناء سياسة موحدة في مواجهة العدو الصهيوني، وبالرغم من اتخاذ بعض الخطوات في هذا الاتجاه في القمتين الأخيرتين العربية «في القاهرة» والإسلامية «في الدوحة»، إلا أن هذه الخطوات ظلت دون المستوى المطلوب وأدنى من طموحات وتطلعات الشعوب العربية والإسلامية، ولم تترجم -حتى الآن- إلى سياسات فعلية على أرض الواقع، في الوقت الذي تمعن فيه السياسة الصهيونية في قتل أبناء الشعب الفلسطيني، وتجويعهم، وهدم منازلهم، ومصادرة أراضيهم، والتوسع في بناء المستوطنات، دون أدنى اعتبار لما يسمونه «الشرعية الدولية» أو «حقوق الإنسان».

إن معظم السياسات العربية يعاني -على المستوى الرسمي- من تناقض مزدوج بين القول والفعل، كما يعاني من التناقض بين المصلحة الضيقة لبعض الأنظمة الحاكمة والمصلحة القومية للأمة في مجموعها، وفي هذا السياق تأتي مواقف النظام الحاكم في بغداد التي عبرت عنها التصريحات الصادرة منه مؤخرًا ضد دولة الكويت، فهو بهذه التصريحات يدفع بسياسة التضامن العربي إلى الوراء، ويعيدها إلى نقطة الصفر من جديد، ومن ثم يفسح المجال واسعًا أمام العدو الصهيوني كي يستمر في ممارساته العدوانية ضد الشعب الفلسطيني، وضد مقدسات الأمة في فلسطين، التي طالما تشدق نظام بغداد بالدفاع عنها والسعي لتحريرها، بينما ثاني سياساته لتصب في الاتجاه المعاكس للمصلحة العربية والإسلامية المحقق لمصلحة أعداء الأمة، وفي مقدمتهم العدو الصهيوني.

ومن تناقضات السياسة العربية -أيضًا- ما يبديه بعض الحكومات من مرونة عالية، وإفراط في التسامح مع العدو الصهيوني -إلى حد التنازل عن الحقوق- بينما تقسم سياسات تلك الحكومات نفسها بالتصلب والجمود وعدم إبداء أي قدر من المرونة، أو السماح بالحوار مع مواطنيها المخالفين لها في الرأي وبخاصة إذا كانوا من الإسلاميين، ومثل هذا التناقض يزيد من الفجوة بين الحكومة والشعب، ويحرمها من مصادر القوة الحقيقية التي يجب أن تستند إليها سياساتها الداخلية والخارجية على حد سواء، وهي قوة الرأي العام، والتأييد الشعبي.

    لقد سارع بعض الحكومات العربية -وبخاصة تلك التي تربطها بالكيان الصهيوني علاقات رسمية- إلى التعبير عن تسامحها واستعدادها لفتح صفحة جديدة مع الإرهابي الصهيوني شارون إذا نجح في الانتخابات، «وكان همه الأول هو السلام» وفقًا لما جاء على لسان بعض الرسميين في بعض الدول المتعاونة مع الكيان الصهيوني، وسارعت وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية الموالية للكيان الصهيوني إلى وصف ذلك بأنه نوع من التعامل بعقلانية مع النتائج المحتملة للانتخابات في الكيان الصهيوني، ولكن أي عقلانية هذه التي يكون ثمنها نسيان السجل الأسود لهذا الإرهابي، والمجازر الرهيبة التي ارتكبها هو شخصيًا في حق الفلسطينيين والأردنيين والمصريين واللبنانيين؟ ثم ما الذي تغير لدى الإرهابي شارون أو الإرهابي باراك حتى نخرج مثل هذه التصريحات المجانية؟ وهل لا يزال البعض في حاجة إلى أدلة إضافية على تأصل النزعة العدوانية في الكيان الصهيوني وفي قادته الملطخة أيديهم بدماء الأبرياء؟ أليست الشعوب العربية المجاهدة أولى بهذه المبادرة التسامحية بدلًا من أن يبذلها البعض لأعدى أعداء الأمة على نحو غير عقلاني في حقيقة الأمر؟

إن مثل هذه التناقضات التي تعاني منها معظم السياسات العربية هي من الأسباب الرئيسة التي تكمن خلف ضعف أدائها في ميدان الصراع مع العدو الصهيوني بصفة خاصة، وتكمن أيضًا خلف فشلها وعدم فاعليتها في شتى الميادين الأخرى بصفة عامة، ولن يتغير حال الأمة من الضعف إلى القوة ما بقيت تلك التناقضات قائمة بين القول والفعل، وبين الأخ وأخيه وبين الحاكم والمحكوم، وعلى أولي الأمر أن يتداركوا ذلك الموقف، ويصححوا مسار سياساتهم اليوم قبل الغد. 

وليعلموا أن الكيان اليهودي له تطلعات في أقطارهم، ويعمل على تحقيقها في مستقبل الأيام، اليوم فلسطين وغدًا أقطار عربية أخرى، كما صرح بذلك الإرهابي شارون، وكما هو مكتوب في برلمانهم: من النيل إلى الفرات وطنك يا إسرائيل.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

493

الثلاثاء 31-مارس-1970

الطَريق إلى خيَبر

نشر في العدد 236

267

الثلاثاء 11-فبراير-1975

واإسلاماه