العنوان المجتمع الأسرى- العدد (1385)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-2000
مشاهدات 61
نشر في العدد 1385
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 25-يناير-2000
طفلك يمكنه الحديث بالفصحى في سن الثالثة
• د. عبد الله الدنان: معاناة الطفل العربي تبدأ عند التحاقه بالمدرسة بالخلط في تعليمه بين العامية والفصحى
حوار د. حسن علي دبا
بالفطرة: يتعلم الأطفال اللغة العربية في رياض الأطفال، ودون السادسة يكون تعلم اللغة فطريًا، أما بعدها فيكون التعلم معرفيًا، والوضع الراهن يتقن فيه الطفل العربي العامية فطريًا، ويصبح تعلم العربية عبئًا شاقًا بعد ذلك عليه، والسؤال هو: لماذا؟
الكلمات والتساؤل السابق هما للدكتور عبد الله الدنان أستاذ طرق تدريس اللغة الإنجليزية والمناهج والعلوم اللغوية في الجامعة العربية، وصاحب مشروع تعليم اللغة العربية الفصحى لأطفال رياض الأطفال بالفطرة، الذي حاورته «المجتمع» حول مشروعه هذا وكيف بدأ التفكير فيه فقال:
درست العلوم اللغوية التطبيقية في لندن، وحصلت على الماجستير والدكتوراه من جامعة لندن.. ومن هذه العلوم فرع يسمى «العلوم اللغوية النفسية» الذي يبحث في كيفية تحصيل اللغة وأساليبها، وكيفية التعامل مع المتعلم لكي يحصل أكبر قدر من اللغة بأقل وقت، وأقل كلفة، فلاحظت أن هذا العلم يقسم تحصيل اللغات إلى قسمين:
الأول: الأسلوب الفطري الذي يتميز بأن الاكتساب اللغوي فيه يتم من خلال قدرة فيالدماغ تمكن الطفل من كشف القواعد اللغوية وتخزينها، وتطبيقها بعملية فطرية، غير واعية، وهذه القدرة تبدأ بالنشاط بعد الولادة مباشرة.
وهناك بحوث الآن لمحاولة اكتشاف ما إذا كانت هذه القدرة نشطة قبل الولادة أم لا.. وهذه القدرة الفطرية تمكن من اكتساب لغة ولغتين أو ثلاث لغات في آن واحد، وهناك تجربة في سيدني بأستراليا لتعليم الأطفال سبع لغات في آن واحد وهم في السادسة من العمر!
هذه القدرة الفطرية لاكتساب اللغات لها عمر معين هو السادسة، بعدها تبدأ في الانحدار ويفقد الدماغ مرونته الخاصة بالخصوبة اللغوية التي تحدثنا عنها، وتنتهي إمكاناته في كشف القواعد كشفًا ذاتيًا تلقائيًا.
وبعد السادسة يصبح تعلم اللغة معرفيًا، أي مشابهًا لتعلم الرياضيات، إذ لا بد للطفل من الاستعانة بشخص آخر يكشف له القواعد، ويحفظه إياها ويدربه على تطبيقها، وهذا - كما هو واضح - يتطلب جهدًا من الطفل والمعلم على السواء، بالإضافة إلى الوقت الطويل.
هل يمكن أن تمثلوا لتعامل الطفل مع اللغة حسب تلك الرؤية؟
مثال على الطريقة الأولى هو الطفل الذي يكتشف أن «إين» تعني الجمع، لأنه يسمع من حوله يقولون: «نائمين، ذاهبين، لاعبين»، فيعمم هذه القاعدة على مفردات لا تقبلها، كما أن بعض الأطفال يكتشف أن «ات» تعني الجمع من سماعه «ذاهبات، نائمات» فيعمم هذه القاعدة ويقول: «قلمات، وحجرات».
وبعد فترة يصحح الطفل نفسه فيبدأ باستخدام الجموع الصحيحة.
كيف تتم عملية التصحيح لدى الطفل في هذه السن المبكرة؟
بالنسبة لسن ما بعد السادسة من العمر، فإن الأخطاء تنشأ عن نسيان القاعدة التي علمهم إياها المعلم، وهو خطأ مشوه لا يصحح إلا بالتدريب المكثف، بينما الخطأ الأول يصحح ذاته، وعادة يتقن الطفل التحدث باللغة التي يتعملها فطريًا في سن الثالثة، ولكن إذا تعرض للغة أخرى بين الثالثة والسادسة، فإنه يمكن أن يتقنها أيضًا بالطريقة الفطرية.
ما وضع التلميذ العربي في ضوء ذلك؟
يأخذ التلميذ العربي العامية من أهله فيتقن العامية إتقانًا فطريًا في سن الخصوبة اللغوية الهائلة للدماغ، ويذهب إلى المدرسة متوقعًا أن يتعلم بهذه اللغة التي أتقنها فيفاجأ بأن المعارف مكتوبة بالفصحى، فيكون عليه عبئان: عبء تعلم المعرفة، وعبء تعلم اللغة المكتوب بها هذه المعرفة، وهما عبئان شاقان في آن واحد، فتعلم اللغة بعد السادسة شاق وتعلم المعرفة بهذه اللغة شاق، فكيف تكون المعرفة مكتوبة بلغة لا يتقنها؟ هنا تبدأ المعاناة.
ولقد نتجت عن هذا الوضع أضرار اجتماعية وتربوية وأثرت في رأيي على مستوى الحكم على الأشياء، وأكاد أقول إن مستوى أحكامنا على الأمور في هذا العصر الذي لابد للأحكام فيه من أن تصدر بأسلوب علمي يبدأ بجمع المعلومات من منابعها، ثم التدقيق فيها والاستفادة منها، ثم إصدار الأحكام.
وما نراه من تصرفات في المستويات جميعها لهو أوضح دليل على ذلك!
العلاج له شقان
ما العلاج الذي تطرحونه الآن بصورة عامة وينحو منحى تطبيقيًا؟
على ضوء ما تحدثنا به عن اكتساب اللغات، فإن العلاج ذو شقين:
الأول: يبدأ من رياض الأطفال وملخصه استثمار القدرة الفطرية لدى الطفل قبل سن السادسة على تعلم اللغات وإعطاؤه اللغة العربية الفصحى في هذه السن، بحيث يدخل إلى المدرسة، وهو يستطيع أن يتكلم لغة الكتاب.
والثاني: تدريب المعلمين والمعلمات في المدارس الابتدائية على المحادثة بالفصحى، بحيث تكون من لغة المدرسة طوال اليوم المدرسي.
هل تملكون نموذجًا عمليًا قمتم به بأنفسكم في هذا المقام؟
طبقًا لنموذج على الشق الأول بدأت بابني «باسل» وابنتي «لونة» اللذين كلمتهما بالفصحي فأتقناها بحركاتها وقواعدها بشكل سليم جدًا، وكانا إلى جانب ذلك يكلمان والدتهما بالعامية، وكان ذلك قبل نحو عشرين سنة.
هل خرجت تجربتكم من الخاص إلى العام؟
بعد نجاح تجربتي باسل ولونة، أسست دار الحضانة العربية بالكويت سنة 1988م ودربت المعلمات على المحادثة بالفصحى فقط طوال اليوم المدرسي، بعد 6 أشهر كان عندنا أطفال في عمر أربع أو خمس سنوات، قادرين على المحادثة بالفصحى.. والتجربة نفسهاكررتها في سوريا، ونجحت نجاحًا كبيرًا.
الحروف السبعة لتغيير العادات
«تغيير العادات لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الانتقال من دائرة الراحة إلى دائرة المعاناة، وهناك عشر خطوات لتغيير العادات منها: القناعة، والإصرار، والانطلاقة والمعاناة، والديمومة، كما أن تراثنا الإسلامي مليء بالأفكار الإيجابية القادرة على تغيير عاداتنا السيئة».
هذا بعض ما جاء على لسان الدكتور موسى المزيدي- الأستاذ بكلية الهندسة بجامعة الكويت، والخبير في مجال التنمية البشرية وتفعيل المهارات العلمية - في محاضرة له بدولة الكويت، مشيرًا إلى أن التميز هو نتاج السيطرة على النفس والتحكم بالذات بعيدًا عن المزاج والهوى حتى يصير الإنسان قائدًا لنفسه، يقودها ولا تقوده، ويديرها ولا تديره.
وأضاف الدكتور المزيدي - في محاضرته - أن التميز يبدأ بتغيير العادات، وأن الكثير من خبراء الغرب - الذين ألقوا كتبًا في التنمية البشرية وتغيير العادات والوصول إلى التميز- لم يأتوا بجديد لأن معظم هذه الأفكار موجودة في تراثنا وديننا، كما أن علماء الإسلام وضعوا الكتب في نوعية العادات السيئة وكيفية التخلص منها اعتمادًا على فكرة معروفة في الإسلام هي أن الكمال لله، فإن الإنسان معرض للخطأ ومن ثم فما عليه إلا إصلاح أخطائه.
وتطرق المزيدي إلى أن الانتقال من دائرة الرخاء إلى دائرة الشدة والصعوبات - من أجل تغيير العادات - يمكن أن يتحقق من خلال تطبيق عدد من الخطوات يمكناختصارها في سبعة حروف كالتالي: «اصدع تفزه»
إذ إن حرف الألف، «أ» يعني البدء فيبدأ الإنسان بتغيير عاداته.
وحرف «ص» يعني صلة الرحم، فينبغي ألا يقطع الإنسان رحمه، فإن قطع رحمه فتلك عادة سيئة. وحرف «د» يعني الدعوة إلى الخير، فينبغي تخصيص وقت للدعوة، أما عدم تحقق ذلك فيعني عادة سيئة.
أما حرف «ع»، فيعني العمل، إذ ينبغي أن يدخل الإنسان العمل في الوقت المناسب ويخرجمنه في الوقت المناسب، لكن العادات تجري خلاف ذلك.
أما حرف «ت»، فيعني التقوى وقراءة القرآن، فينبغي الاستمرار في قراءة القرآن.
ويعني حرف «ف» الفكر، فينبغي أن تخصص وقتًا للقراءة والبحث.
وإن حرف «ز» يعني الزوجة، إذ ينبغي الاهتمام بالزوجة والإصغاء لها، لكن العاداتجعلتنا لا نصغي لنسائنا.
وأكد الدكتور المزيدي أن عملية التغيير فيها معاناة وآلام لكن هذه العملية لا تستغرق أكثر من ثلاثة أسابيع كمتوسط، وأنه ينبغي للوقت أن يأخذ حقه في تغيير العادات.
ووضع الدكتور المزيدي عشر خطوات لتغيير العادات السيئة، تتمثل الخطوة الأولى منها في القناعة، موضحًا أن العادات الحسنة مكتسبة في معظمها بنسبة 94%.
أما الخطوة الثانية فهي السؤال، إذ لا بد من سؤال أهل الذكر من أجل البحث عن الأفضل، والوصول إلى الحلول الصحيحة، وليس أنصاف الحلول.
أما الخطوة الثالثة فهي التريث فللزمن أهمية في عملية التغيير، وتكوين العادات الجديدة الإيجابية. والخطوة الرابعة هي: الإصرار والعزيمة حتى تصل إلى النهاية، فالإصرار ضد التسيب والهزيمة.
والخطوة الخامسة هي المفاصلة وذلك بالابتعاد عن رفاق السوء حتى يصير بينك وبينالعادات السيئة حاجز.
أما الخطوة السادسة فهي المجالسة، إذ ينبغي مجالسة الصالحين كي يعرف الإنسان أخطاءه من خلال أفعالهم الحسنة.
وتتمثل الخطوة السابعة في الانطلاقة بالقرار، إذ ينبغي ألا يتخذ الإنسان قراره الحاسم في موقف تافه، بل في موقف جاد، لأن كل خلية من خلايا الإنسان تتفاعل خلال الموقف الجاد، وهنالك ثلاث لحظات لاتخاذ القرار هي: لحظة خشوع، ولحظة تأمل، ولحظة إنصات.
والخطوة الثامنة هي الاستعانة بالله سبحانه وتعالى والاعتماد عليه.
أما الخطوة التاسعة فهي المكافأة، أي مكافأة النفس.
وتتمثل الخطوة العاشرة والأخيرة في الاستمرار والديمومة، لأن الاستمرار هو أهم مرحلة في تلك المراحل.
أروا الله في تأديب أبنائكم بالقرآن خيرًا
«اقرئه القرآن وعرفه الأخبار، وروه الأشعار، وعلمه السنن، وبصره بمواقع الكلام، وامنعه الضحك إلا في أوقاته».
كانت تلك وصية هارون الرشيد الخليفة الأب لما دفع ولده الأمين إلى المؤدب ثم قال له موجهًا: «ولا تمرنه بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه».
ذلكم كان نموذجًا من نماذج تربية النشء، تربية يقوى بها عودهم وتنفتح بها عقولهم وآفاقهم، ولا يعرفون الفراغ وأسبابه وأعراضه، ربوا على محاسن الأمور فيهم.. فابدؤوا بالقرآن علمًا وعملًا، وحفظًا وتدبرًا.
كيف لا وقد أنزل الله هذا القرآن نورًا لا تُطفأ مصابيحه، وسراجًا لا يخبو توقده، وعزًا لا يُهدم أنصاره، فهو معدن الإيمان، وينبوع العلم جعله الله ريًا لعطش العلماء، وربيعًا لقلوب الفقهاء، ودواءً ليس بعده داء، من طلب الهدى فيه أعزه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أذله الله، يرفع الله به أقوامًا ويضع آخرين، ويأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، روي أن المصطفى صلى الله عليه وسلم عنه قال: «من قرأ حرفًا من كتاب الله تعالى فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول «الم»، حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف» (لرواه الترمذي).
هنيئًا لك أيها الآب وهنيئًا لكِ أيتها الأم وأبشرا.. فعن معاذ بن أنس- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس الله والديه تاجًا يوم القيامة ضوء أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا فما ظنكم بالذي عمل بهذا» (رواه أبو داود).
نعم، هنيئًا لكما بابنكما الذي حفظ القرآن، ما تيسر منه، وتأدب بآدابه وتعلم منه، وها أنتما الآن تقطفان من تلك الثمرة، وتحصدان ما زرعتم بعد أن سقيتم تلك النبتة الصالحة بحب القرآن وحفظه، وزرعتم فيها حب الخير والتسابق إلى حلق تحفيظ القرآن، لا يدفعكما إلى ذلك إلا ابتغاء مرضاة الله وجناته، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها» (رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح).
فالله الله.. في أبنائكم فهم أمانة في أعناقكم فأروا الله في أنفسكم وأولادكم خيرًا، واستوصوا بهم فهم لبنة من لبنات المجتمع، وجيل الغد، جيل القرآن، جيل الجد والاجتهاد.
قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «خير ما يورث الآباء الأبناء الأدب، وأن أدب الله تعالى القرآن» كما قال ابن مسعود- رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين.
سامية العمودي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل