; رسائل من أم إلى ابنتها | مجلة المجتمع

العنوان رسائل من أم إلى ابنتها

الكاتب تيسير الزايد

تاريخ النشر السبت 05-يوليو-2008

مشاهدات 122

نشر في العدد 1809

نشر في الصفحة 54

السبت 05-يوليو-2008

الحياة أصبحت ذات إيقاع سريع.. والأوقات التي تجمعنا أضحت قليلة وأنا لدي لك الكثير.. فإليك ابنتي بعض رسائلي...

الرسالة الأولى: اليوم…لك

عزيزتي: هل تذكرين آخر فيلم كرتوني شاهدناه معًا؟

هل تتذكرين عندما قالت السلحفاة العجوز:

Yesterday is a history

Tomorrow is a mystery And today is a gift

أمس أصبح تاريخًا غدًا مجهول واليوم هو ما نملك كيف أن هذه العبارة أعجبتك وأخذت ترددينها وأخذتُ أنا أفكر فيها أيضًا بعد أن ذهبت إلى غرفتك؟! 

نعم، فالأمس أصبح تاريخًا.. والغد مجهول.. أما اليوم فهو ما نملك ونحاول أن لا يمضي ويصبح هو الآخر تاريخًا دون أن نستفيد منه، أو أن نستمتع بدقائقه.

الأيام نعيشها رغبنا أم لم ترغب. والحياة نلونها بألوان أفكارنا.. فإن كانت قائمة فهي كذلك، وإن كانت فاتحة مزدهرة كانت الحياة أكثر إشراقًا.

يكفينا أن الحياة نعمة من الله علينا وحتى نصون هذه النعمة علينا أن نحسن استغلالها ونحسن طريقة العيش فيها.

 كنت أود أن أقول لك: إن الحياة عبارة عن سلسة من الأحداث السعيدة المفرحة؛ ولكني لا أملك ذلك، بل اقتضت حكمة الخالق أن نعاني في جزئية منها، ونتألم في جزئية أخرى ونشعر بالحزن في لحظات قلت أو كثرت فلا يوجد شخص على وجه الأرض لم يشعر بالحزن، ولا يوجد إنسان لم يشعر بمرارة الفقدان العزيز يحبه أو شيء يعشقه، ولكن الفطن من يعرف كيف يتعامل مع حزنه، كما يتعامل مع فرحه والذكي من يرى ما أنعم الله عليه بوضوح أكثر مما لم يحصل عليه ومن يرد أن ينعم بالأمن الداخلي والراحة النفسية وصلاح البال، فلا بد وأن يؤمن بأن للخالق في كل قضاء حكمة. 

فالحكمة اقتضت أن تكوني بهذه الهيئة والحكمة اقتضت أن تنشئي في هذه العائلة والحكمة اقتضت بأن تعملي في هذا المجال والحكمة اقتضت بأن تتزوجي من هذا الزوج.

وحتى تشعري بالسعادة.. احمدي الله على هيئتك وعلى خلقه لك، واستعملي كل الطاقات لتغيير نفسك للأفضل، ومساعدة من حولك لاكتشاف جمال الكون والتغير للأحسن.

لا تبخلي على نفسك بوقتك فهي الأولى بأن تكتشفي أسرارها ونقاط قوتها وتنقيها وتدعميها ولا تبخلي على غيرك بوقتك فلهذا خلقنا ومن أجل هذا نمضي في أيامنا.

أسرتك: مهما كانت فهي الدائرة التي تحتضنك فحاولي أن تستمتعي بأيامك مع أفرادها، أحبيهم؛ لأنهم سوف يبادلونك الحب، ولا تضيعي أوقاتًا ثمينة في خلافات تافهة. 

أما عملك:

فأعلمي أن كل شيء يشهد عليك فيه فإخلاصك وإتقانك له هو سر نجاحك.

أما زوجك: فحياتك معه مغامرة، وعليك أن تجعليها مغامرة شيقة ومثيرة وممتعة ولا تسألي كيف؟ فلكل إنسان صفاته ولكل بيت أساليبه، ولكن المهم أن يكون هو وأبناؤك أول أولوياتك وولاؤك يجب أن يكون له وتذكري بأننا لا نعيش حياة مثالية ولهذا كان علينا أن نتذوق حلوها ومرها ونتعامل مع

تحدياتها، ولا نجلس لننتظر الأسوأ بل فلنكن موقنين بأنه إذا جاءت المصيبة جاء معها صبرها وإذا جاء الحزن حضرت معه السكينة.

 تذكري صغيرتي.. قول رسولنا القدوة عندما عاد أعرابيا يتلوى من الحمى فقال له: «طهور» فرد الأعرابي: بل هي حمى تفور على شيخ وقور لتورده القبور، فرد صلى الله عليه وسلم: «هي إذن»

نعم هي إذن، فنحن في أحلك الأوقات نستطيع أن نرى بريق الضياء، أو لا نراه فهذا هو اختيارنا.

صدق الرسول صلى الله عليه وسلم من رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط.

الرسالة الثانية: حقيقة أم مشـكلة

هل تعلمين كم ستكون الحياة أسهل لو عشت بمفهوم حقيقة نعيشها وليس مشكلة نحلها لن تتخيلي كم ستتغير نظرتك للحياة عندما تكتشفين سر هذه العبارة! 

المشكلة قد يكون لها حل وقد لا يكون، قد تواجهينها، أو قد تهربين منها، قد تتغلبين عليها، أو قد تتغلب عليك، قد تدخل الحزن إلى قلبك لدرجة أنك تستسلمين لها، وقد تجعلك تنسحبين من الحياة، وهي في النهاية شبح أنت غير قادرة على التعامل معه أو تحديد مكانه أو معرفة حقيقته.

أما الحقيقة فهي كائن موجود أمامك تعيشين معه.. تتعلمين كيف تحدثينه... وكيف تسمعينه.. تعرفين ما الذي يريحه ويزعجه.. وتحددين مكانه بالضبط.. ووقت وجوده، وإن كنت ذات ذكاء استملته إلى جانبك وأمنت شره.

نستطيع أن تنظر إلى الحقيقة.. ندرسها... ثم نعيشها وقد تختلف أشكال الحقيقة فهي أحيانًا تكون على شكل خيانة صديقة، أو رسوب في دراسة أو إعاقة أو على شكل فقدان عزيز، أو تنافس في عمل أو مرض ابن أو زوج يحب النكد. وحتى تتعاملين بإتقان مع.. هذه الحقيقة لابد وأن تعلمي أن

 - من يصدق الله يصدقه 

﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ منْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق2: ٣)

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس9:10).

- «احفظ الله تجده تجاهك».

- «إن اجتمع أهل الأرض جميعًا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك»

صغيرتي.. عيشي الحقائق من حولك بواقعية ولا تحوليها لمشكلات واستمتعي بحياتك.

الرسالة الثالثة:

نحن مخلوقات نادرة

«الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على الضحك»

هل تعلمين هذه الحقيقة، فالإنسان الطبيعي قد حباه الله بقلب يحب السعادة ونفس تعشق الابتسامة التي لها جاذبية، خاصة إذا ما وجدت على شفة وقلب شخص ما.

كثيرة هي الجروح التي بداخلنا.. إذا قابلناها بالابتسامة اندملت والكثير من وجهات النظر المختلفة إذا تعاملنا معها بروح الدعابة اتفقت.

 المرح لا يعني الاستهزاء ولا السخرية ولكنه طريقة محببة للتعامل مع حياتنا اليومية.

كم هي المدة التي ستتعامل بها أسرتك مع عبوس وجهك ومشاعرك المكتئبة قبل أن يتركك الجميع ليمضي كل في طريقه، ربما سيحاولون مساعدتك في البداية، ولكن مع مرور الوقت سيمل منك الجميع ويتركونك أسيرة أحزانك الكاذبة، وكآبتك التي صنعتيها بيديك.

كم هي المدة التي تظنين بأن زوجك سيمضيها معك وأنت دائمة الشكوى مضطربة المشاعر دائمة الاعتراض، حتى أصبحت إنسانه حزينة الوجدان؟! 

ربما يقف أصدقاؤك إلى جانبك شهرًا أو سنة يحاولون أن يخرجوك من حزنك ولكنك في النهاية ستكونين محظوظة إذا بقيت إلى جانبك صديقة واحدة تساعدك!! 

صغيرتي.. تخلصي مما يزعجك سريعًا، ولا تكوني كثيرة الشكوى، واعلمي بأن الحزن والشكوى عامل تنفير وسلم للهبوط، أما التفاؤل والسعادة فهما عاملا جذب وسلّم للصعود. 

املئي قلبك بالحب والسعادة، ودعي مشاعرك الإيجابية تقودك للقمة.

الرسالة الرابعة: المدرسة الكبر

«الحضانة ثم الابتدائية، ثم المرحلة المتوسطة والثانوية، وأكملت حياتك الجامعية...»

هل تعتقدين حقًّا أن هذه هي مراحلك الدراسية؟

تأكدي أن ما قمت بتحصيله في المراحل لا يعادل جزءًا بسيطًا مما يجب أن تتعلميه. إذا أردت أن يكون لحياتك مذاق خاص.

التعلم متعة، وهو وسيلة وغاية فهو الذي يفتح أعيننا على جمال الخلق وروعة الإبداع فيما حولنا.

العلم يجعلنا نفهم ما في كتاب الله المقروء، ونتأمل بالنظر في كتابه المنظور.

العلم يجعلنا قادرين على أن نضع أيدي الآخرين على آيات عظمة الخالق ونعرفهم بجمال ما حولهم، ونجعلهم قادرين هم أيضًا على تغيير ما حولهم إلى الأفضل.

صغيرتي.. العلم ليس فقط شهادة ستضعينها في درج ما وتتذكرين إخراجها في يوم ما لتريها أبناءك بل هو أداتك لتعيشي هذا العالم الرائع، وتسبري أغواره.

 تعلمي ما تحبينه وما لا تحبينه أيضًا: لتكتشفي ما الفرع الذي تستطيعين أن تنجزي فيه.

العلم يجعلنا نفهم ما في كتاب الله المقروء ونتأمل في كتابه المنظور

اجعلي العلم متعة وليس امتحان آخر العام.. اجعليه الوسيلة التي تجعلك مستقرة في بيت زوجك والوسيلة تدلك على أفضل الطرق للتعامل مع صديقاتك وأبنائك وأسرتك.. اجعليه الوسيلة التي تستطيعين بها تأثيث منزلك بشكل جميل واقتصادي والوسيلة التي تمكنك من توفير المال لاحتياجاتك الخاصة وحاجات أسرتك.. اجعليه الوسيلة لتثبيت دينك في قلبك...

 صغيرتي.. العالم هو مدرستنا الكبرى، ومهما تعلمنا فنحن مازلنا في مرحلة رياض الأطفال بالنسبة لمنهجه الواسع!! 

الرابط المختصر :