; المجتمع الأسرى- العدد 1614 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الأسرى- العدد 1614

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الجمعة 20-أغسطس-2004

مشاهدات 58

نشر في العدد 1614

نشر في الصفحة 60

الجمعة 20-أغسطس-2004

أبناؤنا زرع يستحق الجهد

معاذ محمد الجاهوش.

يقول الإمام الغزالي -رحمه الله- في الإحياء: مما يحتاج إليه الطفل أشد الاحتياج الاعتناء بأمر خلقه، فإنه ينشأ على ما عوده المربي في صغره، من حرد وغضبة ولجاج، وعجلة، وخفة، وهوى، وطيش، وحدة، وجشع فيصعب عليه في كبره تلافي ذلك، وتصير هذه الأخلاق صفات وهيئات راسخة له، فإن لم يتحرز منها غاية التحرز فضحته يومًا ما، ولذلك نجد أكثر الناس منحرفة أخلاقهم، وذلك من قبل التربية التي نشأوا عليها.

فسنوات العمر الأولى وما يقدم فيها من مثيرات، وما يزرع فيها من قيم ومثل هي الأساس الذي ينشأ عليه الطفل، وهي التي تشكل أفعاله وأقواله في كبره، فالطفل في هذه السنوات الأولى ليس له إرادة فيما يقدم له، بل هو كالإناء الفارغ يتقبل كل ما يوضع فيه، ومن هنا تقع المسؤولية على الوالدين أو من يقوم مقامهما، فهما مصدر المعلومات وهما نماذج القدوة أمام هذا الطفل، وهما بالنسبة له السلطة الموثوقة القادرة على فعل أي شيء.  هذه المسؤولية تتطلب من الوالدين الاستعداد لها، والعمل على أدائها على أكمل وجه فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.

وهذه بعض الأسس التي تجب على الوالدين لضمان نجاح العملية التربوية:

•  أولًا- تفاهم تام بين الزوجين على منهج التربية المتبع:

     التفاهم التام على منهج التربية المتبع في البيت أساس لا تقوم التربية إلا به، فعلى الزوجين أن يتفقا على أسس التربية التي يريدانها لأبنائهما، وأن يعرفا أهدافها وغاياتها، وكذلك وسائلها، ونقصد الخطوط العريضة والمبادئ العامة، ومن ثم يترك لكل طرف مساحة من الحرية بالتصرف بما لا يخرج عن هذه المبادئ والأسس.

     وفي هذا يجب أن يتفق الوالدان على أن يكونا بنفس الدرجة من الشدة واللين حين التعامل مع أبنائهما؛ فلا يصح أن يكون أحد الطرفين شديدًا صارمًا، ويكون الآخر لينًا متهاونًا، أو أن يكون أحد الطرفين حريصًا حرصًا شديدًا، والآخر غير مبال، فكل ذلك يكون له آثار سلبية على شخصية الأبناء، ومن ذلك أيضًا أن يتفقا على ما يريدانه من كل ابن من الأبناء، وأن يعملا على تهيئته لذلك، مراعين الفروق الفردية بينهم.

•  ثانيًا- تدرج في التربية والرعاية واحذر التسويف:

   التربية عملية مستمرة، وأهم مقوماتها أن تكون متدرجة متمهلة لا تنطلق من ردود أفعال، ولا تأخذها فورة حماس آنية، ومن ذلك أن يتدرج الوالدان في تحميل الأبناء المسؤولية الأدنى فالأعلى، فلا يكلف الولد بالأعلى قبل أن يثبت نجاحه في الأدنى، واحذر التسويف وتأجيل الأمور، فإنك بذلك تخسر الوقت، ويضيع عليك وقت العلاج فضلًا عن وقت الوقاية، لذا أعط كل أمر وقته، وافعله في أوانه.

•  ثالثًا- كن قدوة حسنة لأولادك في قولك وفعلك:

   القدوة هي ذلك الطريق الخفي الذي يتبعه الطفل مقلدًا فيه أفعال والديه وأقوالهما، وعلى الوالدين الانتباه الشديد، فهما محط أنظار الأبناء، وهما القدوة لهم في كل أفعالهم وأقوالهم، فإذا أرادا أن يغرسا الصدق فعليهما أن يكونا صادقين أولًا، وإذا أرادا أن يغرسا

الأمانة فعليهما أن يكونا أمينين، وهكذا كل صفة خيرة، إن الأبناء يزنون أبناءهم وأمهاتهم بميزان فطري دقيق، وعلى الوالدين أن يحرصا على أن تكون أفعالهما وأقوالهما متوافقة مع ذلك الميزان.

•  رابعًا- كن قريبًا من أبنائك:

   كثير من الآباء والأمهات يتنكرون الطفولة أبنائهم ولا يتفهمون اهتماماتهم، وتراهم يتعاملون معهم بموقف رد الفعل الرافض لهذه الاهتمامات والتوجهات، وهذا أمر خاطئ يسبب فجوة كبيرة مع الأبناء، تبقي الأبناء بعيدًا عن سماع النصح أو الانقياد له، وقد تؤدي إلى تمرد الأبناء على الوالدين، وانحصار آثار الوالدين في حياة أبنائهم بتقديم المتطلبات المادية دون القيام بأي دور تربوي أو تأثير سلوكي أو فكري، ولقد روي بالأثر من كان له صبي فليتصاب له، ولقد ورد عن سيدنا عمر -رضي الله عنه- قوله: ربوا أولادكم الزمان غير زمانكم.

•  خامسًا- كن واقعيًا ومنطقيًا في أوامرك وتكليفاتك:

    ليس النجاح هو القدرة على إلقاء سيل من الأوامر والتكليفات، بل النجاح هو اختيار الوقت والشكل المناسبين لإلقاء الأمر أو التكليف على الوالدين معرفة خصائص كل مرحلة من مراحل النمو التي يمر أبناؤهم بها من كل النواحي الجسدية، والمعرفية والنفسية، ثم مراعاة هذه الخصائص عند إلقاء الأوامر أو إصدار التكليفات حتى تأتي متلائمة مع قدرات أبنائهم، ومستجيبة لمتطلباتهم خصائصهم. وإذا كان أكثر الآباء والأمهات لا يكلفون الأبناء جسديًا ما لا يقدرون عليه؛ لأن الإرهاق الجسدي يظهر للعيان، إلا أن كثيرًا من الآباء والأمهات يكلفون أبناءهم ما لا يقدرون عليه، ولا يتلاءم معهم نفسيًا، متناسين أو غافلين عن مكاناتهم وقدراتهم في مراحلهم العمرية، ومع ذلك يلومونهم إذا لم يستجيبوا لهم.

سادسًا- املأ فراغ أبنائك بما ينفع، قدم البديل الناجح:

     الفراغ مفسدة للإنسان، كبيرًا كان أم صغيرًا، وعلى الآباء العمل على ملء فراغ أبنائهم، وأن تكون لهم المبادرة الإيجابية لذلك تقديم البديل المناسب، وترغيبهم به، وذلك تأتي بمعرفة ميولهم، وهواياتهم، وعلى البديل أن يكون مرنًا ممتعًا، يجمع بين الهدف العلمي والتربوي وبين الترفيه المشروع، ويتبع ذلك أن بين الوالدان للأبناء وجوه المنافع والمضار الحلال والحرام في كل هواية أو عمل أو لعبة يريد الأبناء ممارستها.

سابعًا- اختر لهم الأصدقاء:

    فعندما تختار لهم الصحبة الصالحة فإنك قدم لهم خدمة قد تعجز أنت نفسك عن أدائها معهم، فالأقران لهم تأثير كبير على بعضهم البعض، والصاحب يدخل إلى قلب صاحبه يؤثر في ميوله واتجاهاته بغير أمر أو نهي، ولا عناء ولا كلفة، وقديمًا قال الشاعر:

        عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه                 فكل قرين بالمقارن يقتدي

     لذا يجب على الآباء والأمهات أن يكون لهم رأي في أصدقاء أبنائهم، وأن يغرسوا في نفوسهم منذ الصغر ألا يصاحبوا إلا أرفع الأولاد خلقًا وأحسنهم سلوكًا.

•  ثامنًا- أكثر من الدعاء لأبنائك بالخير الهداية:

    إن بذل الأسباب والوسائل السابقة غيرها، يجب ألا ينسينا أن الهداية بيد الله -سبحانه وتعالى- أولًا وأخيرًا، وأنها منحة إلهية تدرك حكمتها، ولا تدخل تحت شيء من عهد العبد وحيلته: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾ (سورة القصص: 56).

فالدعاء بصدق وإخلاص وتجرد لله -تعالى- سلاح قاطع، ودواء مجرب، نتعلمه من هدي سولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- وسيرته العطرة، ومن فعل صحابه من بعده رضوان الله عليهم أجمعين.

 

تربية الأولاد ثقافة منهجية وسلوكيات أخلاقية (۳)

كنوز تربوية:

    كما تبين في الحلقتين السابقتين فإن تربية الأبناء مهمة شاقة وليست هيئة، ولا ينبغي أن نتبع معهم أساليب عفوية غير مدروسة، فالواجب الشرعي يقتضي أن تربيهم وفق منهج تربوي سليم، وفيما يلي بعض الكنوز التربوية التي تعين على ذلك:

١ - إيماننا بتقدم الوعي يجعلنا نتطلع إلى تربية أفضل من التربية التي قدمها الجيل السابق لنا.

۲- سوف نخسر إن ورثنا من التربية كل ما ورثناه دون انتقاء.

٣- نتقبل الأطفال على ما هم عليه.

٤- ننسى العيوب في أطفالنا ونركز على نقاط القوة.

ه نخصص ساعات في الأسبوع أو يومًا في الشهر أو نزهة للحديث في شؤون الأبناء.

٦- التربية تحتاج إلى انتظار قد يطول فلا نستعجل النتائج، ولا نهلع إن رأينا انتكاسات (بل نعالجها بحكمة وروية دون حدوث صدام مع الأبناء، فبهذا الصدام نخسر أبناءنا).

٧- عنصر المرونة عند الطفل ليس مكتملًا، وهذا يسبب معاناة لا بد منها.

٨-إذا اعترفنا بأخطائنا أمام أبنائنا فلن نسقط من أعينهم.

٩-التربية المتسلطة تجعل الطفل ينطوي، وتدفعه إلى العدوان والتخريب.

١٠-عرف ابنك على الله، وحببه إليه، ورسخ في نفسه أنه الرب الكريم الخلاق الرزاق اللطيف الخبير فهو الذي يستحق الشكر.

۱۱ - تنقي ألفاظ الطفل التي تجرح صفاء العقيدة.

۱۲ - نعلم أبناءنا أن الذي يخسر مبادئه في سبيل مصالحه يربح على المدى القصير، لكنه يخسر الخسارة الكبيرة على المدى البعيد.

۱۳ - من آثار العولمة أن الحياة تبادل منافع مغرية، وأن كل شيء معروض للبيع وهذا يشكل خطورة على الخلق القويم.

١٤ - نؤكد للأبناء دون ملل أن النجاحات في الدنيا مؤقتة وقصيرة وصغيرة إلا النجاح الموصول بالفوز الأخروي، والفوز برضوان الله تعالى.

١٥ - من واجبنا أن نربي أولادنا على المحافظة على الموارد والمرافق العامة، وتنمي روح التطوع بما يخدم الصالح العام.

١٦ - السعادة الحقيقية تنبع من الداخل لا تأتي من وراء ترفيه الجسد، ولكن من تطابق تصرف المسلم مع معتقداته.

١٧ - لنعلم أبناءنا المثابرة على بذل الجهد، وأن المثابرة على العمل أعود على الإنسان بالخير من ذكاء متوهج يملكه إنسان كسول.

۱۸ - القسوة على الأبناء ونقدهم المستمر ومقارنتهم بالآخرين وسيلة تفقدهم الثقة بأنفسهم.

١٩ - لنغرس في نفوسهم أن التحديات في حياتهم شيء طبيعي، فالأمم كانت تتقدم عن طريق الأزمات أكثر مما تتقدم عن طريق الرخاء.

٢٠ - لنعلم أولادنا التفاؤل، وأن في كل باب جدارًا يمكن أن ينفتح، وكلما انغلق باب انفتح آخر، لكننا ننشغل بالباب الذي أغلق عن الباب الذي فتح.

۲۱ - نعوض الأيتام عما فقدوه من حنان ورعاية.

٢٢ - لنعلم أبناءنا أنه ليس من المهم أن يكون لدينا الكثير من الموارد، ولكن المهم توظيفها وإدارتها على أحسن وجه ممكن.

٢٣- إن تصرفات أبنائنا تعكس مدى اهتمامنا بهم، فلنقرأ جهودنا وتربيتنا في معاملة أبنائنا للآخرين.

٢٤ - لنقلل من إصدار الأوامر والنواهي ما استطعنا، وإن كان لا بد منها فلنشرح للطفل على نحو مقنع ما نأمره به وننهاه عنه.

٢٥- إن كان اعتقاد أبنائنا أنه لا فائدة من الحوار معنا في شيء فهذا دليل على وجود خلل في منهج تربيتنا لهم.

٢٦ - شعور الطفل بالسأم والضجر نتيجة الفراغ وانصراف الأهل عنه يولد لديه سوء الأخلاق.

۲۷ - تحري الأب للقمة الحلال واجب شرعي وشرط للتربية الناجحة.

۲۸ - كثيرًا ما نزرع العناد في نفوس الأطفال من خلال التدليل الزائد أو اتباع سياسات تربوية غير واضحة أثناء التعامل معهم.

۲۹ - كل الإنجازات العظيمة تمت من خلال الفعل والمبادرة، وليست من خلال الزجر والمنع فلنثر شخصية الطفل بالقيم والعادات والمبادئ والسلوكيات الجيدة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

151

الثلاثاء 07-أبريل-1970

بريد الأسرة 4