; المجتمع التربوي- العدد (1213) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي- العدد (1213)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أغسطس-1996

مشاهدات 81

نشر في العدد 1213

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 20-أغسطس-1996

المجتمع التربوي

وقفة تربوية:

ابتسم

أجرى بول إيكمان من جامعة كاليفورنيا تجربة تم فيها الطلب من المتطوعين أن يبدلوا تعابير وجوههم وإيماءاتها حسب مشاعرهم. وقد ركز على ستة أنواع من المشاعر وهي: الخوف والاشمئزاز والغضب والدهشة والحزن والسعادة، ثم قام بتوصيل اسلاك إلى المتطوعين من معدات تستطيع أن تسجل أي تبديلات في الحرارة، وحالة القلب، ومقاومة الجلد، وتوتر العضلات، ثم ضبط كل تعبير مدة عشر ثواني.

وكان مطلوبًا من المشاركين أن يثبتوا أوضاع العضلات الوجهية وأن يتذكروا كل شعور ووضعية الوجه المعبرة عنه، فكانت النتيجة أن التعبيرات الوجهية المعبرة عن السلبية والقلق ينتج عنها ردود فعل تظهر على شكل توتر واضح في الجهاز العصبي، وينتج عن الغضب تبدلات في وظائف وأعمال كل أجزاء الجسم، فالقلب تزداد ضرباته وترتفع درجة حرارة الجسم، أما الوجوه السعيدة تعطي الشعور بالهدوء، ويهدأ معها الجسم.

ويستمر الهدوء إلى ما بعد الحدث المفرح. لا نستغرب بعد ذلك عندما يجعل الرسول الابتسامة نوع من أنواع المعروف؛ حيث يقول: «لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق» (رواه مسلم). 

والابتسامة نوعان نوع يخرج من أعماق القلب المستقر، والراضي بما أنجز وحقق من القلب الذي يحب الآخرين ويتمنى لهم الخير والنوع الآخر من الابتسامة تلك التي تخرج من الوجه وليس من أعماق القلب يتصنعها صاحبها لكسب مصلحة مادية، أو أنها جزء من البروتوكول اليومي الذي لا يتم نجاح العمل إلا به لا يحب صاحبها إلا نفسه، ولا يرى الخير إلا لنفسه، لذلك ترى ذلك الإنسان دائم التوتر كثير القلق يكره أكثر مما يحب ليس للمبادئ والقيم والأخلاق الإنسانية مساحة كبيرة في نفسه.. وإسلامنا يريدنا أن تكون من أصحاب الابتسامة الأولى، فالرضى هو الذي يملا قلب صاحبها، ولا يعرف السخط إلى نفسه سبيلا، لذلك تخرج منه ابتسامة تعرف صدقها في قسمات وجهه. 

أبو خلاد

«هم العدو فاحذرهم»

● ذاق المسلمون على مدى تاريخهم صنوف الأذى من المنافقين المندسين في صفوفهم لأن إفسادهم شامل كل النواحي.

بقلم: خالد بن حمزة المدني (*)[1]

سمع حذيفة رضي الله عنه رجلًا يدعو فيقول: اللهم أهلك المنافقين، فقال: «يا بن أخي، لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم من قلة السالك. 

أجل فهم تلك الجموع الغفيرة التي كانت ولا تزال في وسط المؤمنين، بل وفي أعماق صفوفهم.. تصلي معهم، وتصوم، وتنفق، وتحج، بل وتجاهد مع المسلمين عدوهم، ومنهم من يقتل تحت راية الإيمان.

وتستمر هذه الجموع داخل الصف الإسلامي حتى في ساحة المحشر، وحتى يؤمر الناس بالسير على الصراط. عندئذ تنتهي آخر فصول المسرحية التي كانوا أن يبدلوا يعرضونها على المسلمين في الدنيا، وتتجلى حقيقتهم وتتضح.

كاليفورنيا.

يسير المؤمنون على الصراط ووجوههم تتلألأ نورًا وتزهو فرحًا وحبورًا كيف لا وهم يعيشون آخر لحظات الغم والنكد التي عرفوها في الدنيا ويتبعهم أولئك المتذبذبون متخبطين في ظلماتهم التي كانت زمانا دفينة في قلوبهم، فيصيحون عند ذاك وينادون المؤمنين: ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ (الحديد:۱۳) فيجيبهم المؤمنون: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًاۖ﴾ (الحديد:۱۳)، فيضرب بينهم بسور له باب باطنه من جهة المؤمنين فيه الرحمة وظاهره من جهة المنافقين من قبله العذاب فيعاودون النداء أملًا في الحصول على استجابة: ﴿أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ۖ﴾ (الحديد:١٤) فيقول لهم المؤمنون: ﴿ ... بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (الحديد: 14) لقد كنتم معنا بأجسادكم ولكن كانت قلوبكم وألسنتكم تلعننا، كنتم تظهرون لنا الإيمان فنصدقكم ونعاشركم، أما اليوم فقد كشفت الستور عن قلوبكم، وظهر لنا الظلام الذي يلفها ويحيط بها ... فهيهات أن تكونوا معنا !!.. من أنواع إفسادهم

لقد ذاق المسلمون في تاريخهم الطويل صنوف الأذى من هؤلاء المنافقين المندسين في صفوفهم منذ ظهور الدولة الإسلامية الأولى بقيادة محمد وحتى يومنا هذا، وشكل هؤلاء أخطر فئة قادرة على الإفساد لأن إفسادهم شامل لكل النواحي، ويتطلب علاجه مقاومة قوية وجهدًا كبيرًا متواصلًا من المؤمنين، ودعونا نستعرض– معًا شيئًا من صور إفسادهم[2].

من الناحية الفكرية:

 ١- من أبرز صفاتهم التذبذب وعدم الثبات على المبدأ، ومحاولة إرضاء كل الأطراف، وإمساك العصا من الوسط، وذلك سعيًا منهم للحفاظ على 

مكتسباتهم، وقد أثرت هذه الصفة في الحالة الفكرية وطبعتها بطابع من الانتهازية والبعد عن التفكير الجاد المستقل.

٢– كما أن وجودهم في المجتمع المسلم وتسنمهم لبعض المناصب التوجيهية كالكتاب والصحفيين والمعلمين، ونحوهم منحهم الفرصة لتشويه صورة الإسلام لدى غير المسلمين، بل ومحاولة صدهم عن فهم دعوته، وتشكيك المسلمين في عقائدهم وعباداتهم، ويتضاعف خطر هؤلاء إذا كان لديهم شيء من العلم الشرعي، لذا كان أخوف ما خاف النبي الله على أمته علماء اللسان كما في الحديث «إن أخوف ما أخاف عليكم من بعدي كل منافق عليم اللسان»[3].

ومن الناحية الاجتماعية:

يؤدي وجودهم داخل المجتمع إلى فشو الجرائم والاستهانة بمكارم الأخلاق، لأن الإيمان الذي يشكل الدافع للتخلي عن الرذائل والتحلي بالفضائل غائب عنهم. كما أن كونهم ينتسبون للإسلام يهيئ لهم الجو الملائم للإفساد في المجتمع لعدم تحرز الناس منهم، وبذا تمكن هؤلاء المفسدون في ساعات أن يهدموا ما بناه المصلحون في سنوات وساهموا في خلق بيئة فاسدة ينشأ فيها أبناء المسلمين وأي إفساد أعظم من هذا؟!. 

ومن الناحية السياسية:

 يشكلون خطرًا داهمًا على الدولة الإسلامية لأنهم يتظاهرون بمحبتها والتفاني في خدمتها ويظهرون الولاء لها، حتى إذا جد الجد وعصفت بالدولة الأحداث خانوها، وتآمروا مع أعدائها ووجهوا لها الطعنة النجلاء التي تقضي على إثرها .. هذا إن كانوا من جملة المواطنين، فكيف إذا كانوا في مواقع القرار. إنها حينئذ النهاية. 

وما نبأ ابن العلقمي ودوره في إسقاط الخلافة العباسية، ولا دور يهود الدونمة في إسقاط خلافة ال عثمان عنا ببعيد.. فأين من يعتبر؟!

لكن ما الذي يدفع هذه الشرذمة من الناس إلى النفاق والمداجاة وإلى أي شيء يهدفون من وراء ذلك؟

والواقع أن الباعث على النفاق ثلاثة أمور[4].

۱– اعتقاد الكفر وكراهية الإسلام، وغالبًا ما يكون سبب ذلك أن الإسلام بمجيئه حطم سيادة أو زعامة كانت لهم زمن الكفر.

وجود المنافق تحت سيطرة الحكومة الإسلامية، فيضطر لإظهار الإسلام ليحصل على المزايا التي يحصل عليها رعايا هذه الحكومة المسلمون، ويسلم مما قد يدفعه من جزية أو غيرها. 

٣- الضعف النفسي، فالنفاق يعتبر ضعفًا من الناحية النفسية، لأن النفوس القوية تصرح بمعتقداتها مهما ترتب على ذلك من نتائج !!.. أما أهدافهم من النفاق فمنها ما يلي:

۱ – الحصول على المصالح المادية، لأن المسلم في دولته له حرية تامة في التصرف بأمواله في حدود الشريعة، كما أن له حقوقًا مشروعة في بيت مال المسلمين، إضافة لما يتقاضاه من أجر نتيجة عمله في الدولة، وإذا اشترك في الجهاد كان له حظه من الغنائم، وطمعًا في هذه الميزات اتخذوا النفاق مركبًا.

٢– الحصول على المصالح المعنوية، وذلك أن المسلم محترم مقدر في مجتمعه، وله جاه، ومنزلة عند الناس وبإظهار المنافقين للإسلام يحصلون

على ذلك.

٣– اتخاذ النفاق وسيلة للوصول إلى مراكز الحكم والقيادة إما رغبة في التسلط أو رغبة في تنفيذ مخططاتهم التخريبية على الأمة المسلمة.

٤– وقاية أنفسهم وأموالهم، لأن المسلم حرام الدم والمال إلا بحق الإسلام الذي بينه رسول الله الله

5 – حرب الإسلام والمسلمين عن طريق النفاق، وذلك بنشر الرذائل في المجتمع، ومحاولة تثبيط ضعفاء المؤمنين عن التمسك بدينهم.

النفاق قسمان:

يشيع عند الإنجليز مثل يقول: من ثمارهم سوف تعرفونهم، وقد يصدق هذا المثل في حق المنافقين إلى حد بعيد، ولكن لاشك في أن الجزم بنفاق هذا أو ذاك من أصعب الأمور، نظرًا لتدثرهم بشعار الإسلام وتوغلهم في صفوف المسلمين، إلا أن ثمة صفات تدل عليهم، وتميط اللثام عن وجوههم الكالحة البغيضة.

وقد قسم العلماء النفاق إلى قسمين: نفاق أكبر وهو النفاق الاعتقادي، ونفاق أصغر وهو النفاق العملي، وذلك بالتتبع والاستقراء لآيات القرآن العظيم وأحاديث النبي الكريم له، وكان الأول بذلك مخرجًا من الملة لأنه نجم عن تكذيب بالله ورسالاته، وكان الثاني غير مخرج من الدين وبالإمكان أن يقع من بعض المؤمنين ولكن لنعلم أن النوع الأول متضمن للثاني مشتمل عليه، لأن من كان كافرًا في باطنه لابد أن تظهر آثار نفاقه على سلوكه.

وإليكم بعضًا من صفاتهم التي يمكن ملاحظتها عليهم:[5]

  • بغض الرسول- صلى الله عليه وسلم- ، وازدراؤه، وتنقصه ولا غرو فقد كان أسلافهم يؤذونه له بأقوالهم وأفعالهم، ومن ذلك إشاعتهم لحادثة الإفك التي عاني منها الرسول والصحابة أشد المعاناة، حتى إن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال وهو على المنبر يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي[6].

أما أخلاقهم اليوم فيؤلفون الكتب ويعقدون المحاضرات سعيًا في تشويه حياة النبي صلى الله عليه وسلم- ودعوته، وقد وجدوا لهم في الغرب معين.

2- بغضهم لشرائع الإسلام، فتجدهم يتذمرون من الفرائض والأحكام الدينية، ويقيمون الحملات لمحادة هذه الأحكام، ولعل من أبرز ذلك حملاتهم ضد حجاب المرأة المسلمة.

٣ – التذبذب، فليس لهم رأي يثبتون عليه ويدافعون عنه، بل يركبون الموجة السائرة، ويتبنون أي رأي فيه مصلحة لهم بغض النظر عن أثره على غيرهم قال الله تعالى عنهم ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلً (النساء:١٤٣)، كما أنهم إلى الكفار بالولاء والطاعة أسرع، لأنهم يقيسون الأمور بالمقاييس المادية البحتة ويحاولون ضمان سلامتهم في كل الاتجاهات: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ ﴾ (المائدة:٥٢).: ﴿ تَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾ (المائدة:۸۰) .

4– أنهم يأخذون من الدين ما سهل عليهم ولا يفعلون ذلك لوجه الله بل رياء المؤمنين ويتقاعسون عما يشق عليهم، وإذا أدوا شيئًا من العبادات فإنما يستكرهون أنفسهم عليه ويؤدونه بكسل وتثاقل ﴿... وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142)﴾ (النساء: 142) فهم كما قال ابن القيم- رحمه الله- قام بهم- والله- الرياء وهو أقبح مقام قامه الإنسان وقعد بهم الكسل عما أمروا به من أوامر الرحمن[7] .

5- إنهم يظهرون الفرح والسرور بنكبات المسلمين، وانخفاض أمر الدين وأهله، ويتربصون بالمسلمين الدوائر الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا: ﴿... فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ۚ ...﴾ (النساء: ١٤١). كما أنهم يستغلون كل فرصة للطعن في دعاة الإسلام وتشويه سمعتهم والتحريض عليهم. 

6– يخدمون الكفار ويتجسسون لهم ضد المؤمنين.

7– يتحاكمون إلى الطواغيت الذين يحققون لهم رغباتهم في ظلم الآخرين، ولا يتحاكمون إلى ما أنزل الله وإلى رسوله الله وقصة المنافق الذي اختصم مع اليهودي ولم يرض بالاحتكام إلى رسول الله فقتله عمر بن الخطاب– رضي الله عنه- معروفة قال تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا (61)﴾ (النساء:٦١). 

8– يسعون لإفساد المجتمع بتيسير سبل الفساد التي تحطم الأخلاق وتقضي على الفضائل الإنسانية.

 ۹ – يضيقون ذرعًا بانتصار المسلمين. ويكرهون ذلك أشد الكراهية، ويخذلون المسلمين في صفوف الجهاد ويسعون لتفريق كلمتهم، لذا كره الله انبعاثهم مع المؤمنين فثبطهم عن ذلك وقال سبحانه: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ (التوبة: ٤٧)

۱۰ – يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف.

 ١١ – ويقبضون أيديهم عن الإنفاق في سبل الخير الواجبة أو المستحبة، قال– عز وجل – ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) ﴾(التوبة: ٦٧).

 ۱۲ – حلاوة ألسنتهم ولين قولهم، ويشهدون الله على ما في قلوبهم من الكذب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (البقرة:٢٠٤). ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾ (المنافقون: ٤)، كما ترى أحدهم– عند حديثه– تسبق يمينه كلامه لعلمه بشك المؤمنين في كلامه وارتيابهم منه: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ۚ﴾ (المنافقون: ٢) وهذه بضع علامات يعرفون بها وردت في حديث رسول الله الله «إن للمنافقين علامات

يعرفون بها تحيتهم لعنة، وطعامهم نهبة وغنيمتهم غلوا، ولا يقربون المساجد إلا هجرًا ولا يأتون الصلاة إلا دبرًا مستكبرين، لا يألفون ولا يؤلفون خشب بالليل صخب بالنهار»[8]

ومن صفاتهم العملية– التي قد يتلبس بها بعض المؤمنين– ما ورد في الحديث الشريف «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا وإن ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر»[9] وهذا النوع من النفاق هو الذي خشيه الصحابة رضي الله عنهم – على أنفسهم كما نقل ذلك ابن أبي مليكة عن ثلاثين من أكابرهم، وخشيه الصالحون من بعدهم، قال الحسن البصري– رحمه الله -: «والله الذي لا إله إلا هو، ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن وكان يقول: من لم يخف النفاق فهو منافق[10] 

ورحم الله ابن القيم إذ يقول: زرع النفاق ينبت على ساقيتين: ساقية الكذب، وساقية الرياء ومخرجهما من عينين عين ضعف البصيرة، وعين ضعف العزيمة، فإذا تمت هذه الأركان الأربع استحكم نبات النفاق وبنيانه[11]

ما السبيل إلى جهاد كم؟

ومع أن الإسلام الذي أظهروه عصم دماءهم وأموالهم، إلا أن الله عز وجل. قد أمرنا بجهادهم فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (التوبة: ٧٣)

وجهاد المنافقين يتحقق في أمور[12] .

 1- السعي لمعرفة حقيقتهم، وإظهار ذلك للناس، واكتساب الخبرة في معرفة مكرهم وألاعيبهم ومصارحتهم بمعرفتها، حتى لا يستمروا في محاولات المكر والخداع.

۲ – عدم قبول اعتذاراتهم الكاذبة، وإظهار عيوبها، حتى يبطل مفعول هذا السلاح الذي اتخذوه وقاية لأنفسهم، وفي هذا يقول سبحانه مرشدًا نبيه: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (التوبة:٦٦). 

3– أن ينزع المؤمنون ثقتهم بهم، وأن لا يسندوا إليهم شيئًا من أمورهم. لعدم توفر الكفاءة فيهم الأمانة والخبرة، ولذلك لم ينقل عن النبي له توليته المنافقين لأي أمر من أمور المسلمين مع أن بعضهم كانت لديه الخبرة للقيام بمثل تلك الأعمال. 

4. إهانتهم وتحقيرهم ومحاولة إذلالهم وإن كانوا من الوجهاء عند العامة، أو من المبرزين في علوم الحياة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم- عن تسويدهم وتشريفهم فقال: «لا تقولوا للمنافق سيد، فإن يك سيدًا فقد أسخطتم ربكم. عز وجل،[13]. نسأل الله أن يكفينا شر المنافقين ويدفع عن المسلمين مكائدهم ومخططاتهم، وأن يوفقنا لمعرفتهم والتعامل معهم على بصيرة منه.

تعالَ نؤمن ساعة

الحياء من الله

بقلم: عبد الرحمن اللعبون (*)[14]

الحياء شعبة من شعب الإيمان وأعلاه الحياء من الله– عز وجل– الذي أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة ثم لم نحسن شكره عليها بل استعملناها في ما يباعدنا عن رضوانه والتقرب إلى سخطه، ولو تعبد المسلم طول عمره لم يحقق الشكر على واحدة من هذه النعم، ولكن فضل الله عظيم ويجازي بالكثير على قليل العمل مع صدق التوجه والعبادات والقربات لها في كل النفوس معان ودوافع، وتحرك من العواطف بقدر ما يستشعره العبد منها رابطًا إياها بالحياء من الله لتقصيره في أداء حقه وقال رسول الله «استحيوا من الله حق الحياء قلنا يا نبي الله إنا لنستحي والحمد لله، قال: ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا» حديث حسن صحيح سنن الترمذي، عن عبد الله ابن مسعود، رقم الحديث (۲۰۰۰)، ومن استحيا من الله فقد جمع الخير، وما أكثر الحياء من الخلق على اختلافهم، سواء كانوا مؤمنين أو كافرين أن يروا منا ما يسيء فيعيبوه فينا، فنتصنع أمامهم من حسن السمت والفضائل ما ليس لدينا، ويقابل ذلك قلة الحياء من الله عالم الغيب والشهادة المطلع على الأعمال وما تخفيه الصدور، فنتخذ من مكاره الله مركبًا تجمع بنا فتردينا في أسوأ المهالك. 

ومع هذا كله ففضله جل شأنه دائم وعطاؤه متصل ومن أحسن إلينا من البشر حفظنا له الصنيع وأثرناه على حاجاتنا ولا نسيء إليه، وإن حدث وقصرنا في بعض شأنه أحسسنا بالحرج منه، فما بالنا مع الله يأخذنا شأن آخر. 

كان الأسود بن يزيد يجتهد في العبادة، ويصوم حتى يخضر ويصفر فلما احتضر بكي، فقيل له: ما هذا الجزع ..؟ فقال: ما لي لا أجزع والله لو أتيت بالمغفرة من الله لأهمني الحياء منه مما قد صنعت إن الرجل ليكون بينه وبين آخر الذنب الصغير فيعفو عنه، فلا يزال مستحييًا منه».

شعور المسلم بمعية الله والحياء منه أن يراه على ما لا يرضى من العمل، يدفع إلى المراقبة الدائمة للحركات والسكنات، ويبعث على الاجتهاد في توافق العمل مع ما يريده رب السماوات الذي يعلم السر والنجوى، وهذا ما أثبته حاتم الأصم حين سئل: «علام بنيت علمك ..؟ فقال: على أربع: فرض لا يؤديه غيري فأنا مشغول به، وعلمت أن رزقي لا يجاوزني إلى غيري فوثقت به، وعلمت أني لا أخلو من الله طرفة عين فأنا مستحي منه، وعلمت أن لي أجلا يبادرني فأبادره"

وإذا خلوت بريبة في ظلمة ***والنفس داعية إلى الطغيان

فاستحي من نظر الإله وقل لها *** إن الذي خلق الظلام يراني

روي أن الفضيل رؤي يوم عرفة والناس يدعون وهو يبكي بكاء الثكلى المحترقة، حتى إذا كادت الشمس تغرب قبض على لحيته ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: وا سوأتاه منك وإن غفرت، ثم انقلب مع الناس.


[1] - كاتب سعودي.

  1. انظر كتاب المنافقون في القرآن الكريم للدكتور عبد العزيز الحميدي ص ٤٤٣ وما بعدها.

[3]- رواه الطبراني في الكبير، والبزار ورجاله رجال الصحيح كما ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ۱۸۷/۱.

[4] - المرجع السابق ص ١٩. ٤.

[5] - نفسه ص ،٤٤١ ٤٤٢، وكتاب صفات المنافقين لابن القيم وكتاب الإنسان في الإسلام للدكتور محمد الصباغ ص ٢٢٣ – ٢٤١

[6] - حديث الإفك متفق عليه.

[7] - صفات المنافقين ص۱۰.

[8]- رواه أحمد والبزار كما ذكره الهيثمي في المجمع ۱۰۷/۱.

[9]- متفق عليه.

[10] - فتح الباري ۱۱۰/۱ ، ۱۱۱ صفة المنافق للفريابي ص ١١.

[11]- صفات المنافقين ص ۲۱.

[12] - المنافقون في القرآن ص ٤٣٤٢.

[13]- رواه أحمد وأبو داود والبخاري في الأدب المفرد.

[14]- كاتب سعودي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل