العنوان المجتمع التربوي (العدد 1223)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أكتوبر-1996
مشاهدات 68
نشر في العدد 1223
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 29-أكتوبر-1996
وقفة تربوية
أوجعتنا يا بن الجوزي
جاء في كتاب بستان الواعظين لابن الجوزي تعليقه على قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين وفاته: «والذي لا إله غيره، لو أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت لافتديت به من هول المطلع»، قال: فإذا كان هذا قول عمر - رضي الله عنه - إمام السنة وحبيب الأمة، وسراج أهل الجنة في الجنة، قال هذا عند الفراق والانقطاع، وأشفق من هول المطلع، فكيف بأهل اللهو واللعب والبهتان والكذب أمثالنا، الذين قطعوا أعمارهم في الذنوب، وأفنوا أيامهم في معصية علام الغيوب، وغفلوا عن القبور، ولم يتفكروا في هول يوم النشور؟!.
إذا كان الإمام أبو الفرج ابن الجوزي، الذي لم ير في وقته فسحة إلا للعبادة والعلم يقول عن نفسه وعن أهل زمانه «أهل اللهو واللعب والبهتان والكذب أمثالنا»، فماذا نقول نحن الذين نعيش في أواخر القرن العشرين؛ حيث إن أكثر ما نسمعه، ونراه يقربنا إلى النار، ويباعدنا عن الجنة من نساء ملأن وجوههن بالمساحيق، وأجسادهن بالعطور، ولم يغطين أجسادهن إلا بالنذر اليسير من الثياب، ومن ربا أحاط بنا من كل جانب، ومن صور عارية في التلفاز والصحافة غزتنا في عقر دارنا، ومن دنيا جاذبة أوقعت، وتوقع في شباكها الكثير ممن كانوا معنا على الطريق، لقد أوجعتنا يا ابن الجوزي، ونكأت جراحنا، نسأل الله الثبات وحسن الخاتمة.
أبو خلاد
علماء السوء
بقلم: شوقي محمود الأسطل (*)
لقد أشاد الحق - سبحانه وتعالى - بأهل العلم في كتابه العزيز، وأعلى من شأنهم، فقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: ١١)،
وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: «للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة، ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام»، وقد أشار المعلم الأعظم - صلى الله عليه وسلم - إلى الطامة الكبرى المترتبة على فقد هذا الصنف الفريد من الخلق، فقال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» «متفق عليه».
فأكرم بها من مكانة، وأعظم بها من منزلة تلك التي خص الله بها هذه الفئة المختارة المصطفاة من البشر، وحري بكل عاقل وضع في هذا المقام أن يحافظ على هيبة عليائه، وسمو مقامه، ويديم الشكر لخالقه على هذا العطاء، وهذه النعمة التي أسبغها عليه دون الناس، ولكن فئة من المنتسبين إلى هذه الطائفة المكرمة أبت إلا الارتكاس والهبوط من ذاك العلو إلى درك الحضيض، فهوت في واد سحيق من الخيبة والضياع، وقد أشار الحكيم العليم إلى أحد هؤلاء الساقطين فقال في معرض الذم والإنكار:.﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٥، ١٧٦)
يقول الشهيد سيد قطب - رحمه الله - معقبًا: «إنه مشهد من المشاهد العجيبة الجديدة كل الجدة على ذخيرة هذه اللغة من التصورات والتصويرات من إنسان يؤتيه الله آياته، ويخلع عليه من فضله، ويكسوه من علمه، ويعطيه الفرصة كاملة للهدى والاتصال والارتفاع، ولكن ها هو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخًا، كأنما الآيات أديم له فتلبس بلحمه، فهو ينسلخ من هذا كله انسلاخًا عنيفًا مجهدًا وشاقًا، انسلاخ الحي من أديمه الملاصق بكيانه، فها هو ذا ينسلخ من آيات الله، ويتجرد من الغطاء الواقي، والدرع الحامي، وينحرف عن الهدى ليتبع الهوى، ويهبط من الأفق المشرق، فيلتصق بالطين المعتم، فيصبح غرضًا للشيطان لا يقيه منه واق، ولا يحميه منه حام فيتبعه ويلزمه ويستحوذ عليه، ثم إذا نحن بهذا المخلوق لاصقًا بالأرض ملوثًا بالطين، ثم إذا هو مُسخ في هيئة الكلب يلهث، إن طورد وإن لم يُطارد، وهل يظلم إنسان نفسه كما يظلمها من يصنع بها هكذا؟!، ما أكثر ما يتكرر هذا النبأ في حياة البشر، وما أكثر الذين يعطون علم دين الله ثم لا يهتدون به، إنما يتخذون هذا العلم وسيلة لتحريف الكلم عن مواضعه وإتباع الهوى به، هواهم وهوى المتسلطين الذين يملكون لهم - في وهمهم- عرض الحياة الدنيا.
وكم من عالم دين رأيناه يعلم حقيقة دين الله، ثم يزيغ عنها، ويعلن غيرها، ويستخدم علمه في التحريفات المقصودة، والفتاوى المطلوبة لسلطان الأرض الزانل يحاول أن يثبت بها هذا السلطان المعتدي على سلطان الله وحرماته في الأرض» «الظلال جـ ٢».
ولكم كان خوف النبي - صلى الله عليه وسلم - شديدًا على أمته من خطر هذا الصنف التافه من بني البشر يقول: «لأنا من غير الدجال أخوف عليكم من الدجال، فقيل: وما ذاك؟، فقال: من الأئمة المضلين» «أخرجه أحمد»، وما كان خوفه - صلى الله عليه وسلم - إلا لسهولة الانخداع بهذه الفئة والانجرار وراء كل ما تطرحه لا سيما من قبل العوام، الذين يحملهم الانبهار بالعلم المجرد على التسليم المطلق لرموز هذه الفئة دون بحث أو تمحيص، فيقبلون ما كان حقًّا، وما كان باطلًا دون نقاش أو اعتراض.
هذا الوضع الخطير كان سببًا في انحراف وضلال أمم سابقة، كما قص علينا القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣١).
فقد اعتبر القرآن الطاعة المطلقة، والتسليم الكامل للبشر غير المعصومين عبادة، روى الترمذي عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ هذه الآية، فقلت: إنهم لم يعبدوهم، فقال: بلى: إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم.
من أجل ذلك فإن الإسلام يوجب على أتباعه أن يكونوا أتباع منهج لا أشخاص؛ إذ الفرد مهما علا فإنه معرض للسقوط والانحراف عن الجادة، فالعصمة في التمسك بالمنهج والتثبت بأهدابه، أما الأشخاص فإنهم يطاعون بمقدار قربهم من هذا المنهج والتزامهم به، وإلا فلا سمع ولا طاعة، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال صلى الله عليه وسلم: «إنه سيلي أمركم من بعدي رجال يطفئون السنة ويحدثون بدعة ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها»، قال ابن مسعود - رضي الله عنه - يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف بي إذا أدركتهم؟، قال: ليس يا بن أم عبد طاعة لمن عصى الله» «رواه أحمد».
وقد شبه علماء السوء في مزامير دواد - عليه السلام - بقطاع الطرق، فقد جاء حكاية عن الله – تعالى -: «إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي، يا داود لا تسأل عني عالمًا قد أسكرته الدنيا، فيصدك عن طريق محبتي أولئك قطاع الطرق على عبادي».
إن وجود علماء السوء في الأمة فتنة عظيمة وابتلاء كبير يزيد من صعوبة عمل أهل الحق في ظل وجود هذه الأشواك في حقل العمل الإسلامي، فتعيق المسيرة، وتثبط بعض السائرين وربما أوقعتهم في شباكها وجرتهم إلى مصائدها، فكانت سببًا في فتنتهم وتركهم قافلة الهدى وتحولهم من خندق الحق إلى خنادق الباطل؛ لذا فقد قال سفيان الثوري: «تعوذوا بالله من فتنة العابد الجاهل، وفتنة العالم الفاجر، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون»، وعن وهب بن منبه: قال الله -عز وجل- فيما يعاتب به أخبار بني إسرائيل: تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة، تلبسون جلود الضأن، وتخفون أنفس الذئاب، وتتقون القذى من شرابكم، وتبتلعون أمثال الجبال من الحرام، فبعزتي حلفت لأضربنكم بفتنة يضل فيها رأي ذي الرأي، وحكمة الحكيم».
ولقد وقف علماء السوء هؤلاء وفي كل عصر عقبة في طريق كل داعية مصلح، وصخرة في وجه كل دعوة خير وصلاح؛ إذ لم يكتفوا بالسكوت عن الباطل وكتمان الحق، بل ساندوا الباطل وزينوه، وبكل قوة نافحوا عنه وآزروه لا حبًّا في أشخاص أهله، ولكن حفاظًا على مكاسب ومصالح تحققت في ظله، وستزول بزواله، وهذا الحال المزري الذي وصلوا إليه هو ثمرة طبيعية لموت قلوبهم، قال الحسن: «عقوبة العلماء موت القلب، وموت القلب طلب الدنيا بعمل الآخرة»، وكان يحيى بن معاذ الرازي يعجب من حال هؤلاء، فيقول: «يا أصحاب العلم قصوركم قيصرية، وبيوتكم كسروية، وأثوابكم ظاهرية، وأخفافكم جالوتية، ومراكبكم قارونية، وأوانيكم فرعونية، ومآتمكم جاهلية، ومذاهبكم شيطانية، فأين الشريعة المحمدية؟».
وبنور البصيرة وفراسة المؤمن ينظر الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - من خلال حجب المستقبل، فيقول: «سيأتي على الناس زمان تملح فيه عذوبة القلوب، فلا ينتفع بالعلم يومئذ عالمه ولا متعلمه، فتكون قلوب علمائهم مثل السباخ من ذوات الملح، ينزل عليها قطر السماء، فلا يوجد لها عذوبة، وذلك إذا مالت قلوب العلماء إلى حب الدنيا، فعند ذلك يسلبها الله تعالى ينابيع الحكمة ويطفئ مصابيح الهدى من قلوبهم، فيخبرك عالمهم حين تلقاه أنه يخشى الله بلسانه والفجور ظاهر في عمله، فما أخصب الألسن يومئذ!!، وما أجدب القلوب، لكم قاسي دعاة الحق عبر التاريخ من أذى هؤلاء الأوباش، الذين ارتضوا أن يأكلوا بدينهم ويتاجروا بمبادئهم دون خوف من الله ولا حياء من عباده، ويكفيك موقفهم من إمام أهل السنة أحمد بن حنبل في محنته، فقد وقفوا موقفًا مخزيًا شائنًا، فقال قائلهم: أقتله ودمه في رقبتي يا أمير المؤمنين، فإنه ضال مضل مبتدع، فقال المعتصم لمن حوله من علماء السوء: ما تقولون؟، فقالوا يا أمير المؤمنين: هو ضال مضل مبتدع.
تلك كانت ولا زالت مقالة علماء السوء، الذين اتخذوا الله وراءهم ظهريًّا، فالله حسيبهم وحسيب فروخهم في هذا الزمان، الذين تطاولوا سفهًا على أولياء الرحمن ورموهم بما لا يجمل من القول، مما هو أحق به وأولى فرضوا لأنفسهم أن يكونوا في حرب مع الله القائل في الحديث القدسي: «من عادى لي وليًّا أذنته بالحرب»، رواه البخارى.
نسأل الله العظيم أن يقينا شر هذه الفئة، وأن يعصمنا من الزلل إنه سميع مجيب.
(*) كاتب فلسطيني
تعال نؤمن ساعة
حرص السلف على الأجر والثواب
يستشعر رجال الآخرة أن تعب النفس في الدنيا هو راحتها يوم لقاء الله، وسئل الأسود ابن يزيد - وكان يجتهد في العبادة، ويصوم في الحر حتى يصفر جسده - لم تعذب نفسك؟، فيقول: بل كرامتها أريد، فهم قوم يتلذذون بطاعة ربهم ويتنافسون على الخير.
وروى عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كان يسأل الرجل: كيف حالك؟، فيقول: الحمد لله، فيقول عمر: هذه التي أردت.
وكان أبو مسلم الخولاني قد علق سوطا في مسجد بيته يخوف به نفسه، وكان يقول لنفسه: قومي فوالله لأزحفن بك زحفًا حتى يكون الكلل منك وليس مني، فإذا دخلت الفترة تناول سوطه وضرب به ساقه، وقال: أنت أولى بالضرب من دابتي، وكان يقول أيظن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يستأثروا به دوننا؟، كلا والله لنزاحمنهم عليه زحامًا حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالًا.
وعن وكيع قال: كان الأعمش قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفت إليه أكثر من سبعين سنة، فما رأيته يقضي ركعة.
وروى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتعاقب مع بعض أصحابه على ركوب الدابة في طريق الجهاد، فأرادوا أن يؤثروه على أنفسهم تعظيمًا لقدره صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: لستم بأحرص على الأجر مني.
إن أصحاب الشوق إلى جنات ربهم لا يوهن عزائمهم تعب أو نصب، ولا يمنعهم من الاقتراف من الحسنات عجز أو كسل، فمن لمح فجر الأجر هان عليه ظلام التكليف، ومن يطلب الحسناء لم يغله المهر.
جعفر يوسف الحداد
الإحساس بالذنب.. وحب الطاعات
بقلم: عبد الرحمن اللعبون (*)
من أسباب مصيبة عدم إحساس الإنسان بالذنب إلفه المناكر لكثرة اقترافها حتى أصبحت أمرًا عاديًّا غير مستنكر ولا مستهجن، تمامًا كإلفنا لمخلوقات الله العظيمة كالسماء وما فيها، والأرض وما عليها من مخلوقات عجيبة؛ بسبب كثرة رؤيتنا لها، وقد قيل: «كثرة المساس يفقد الإحساس»، ولكننا تعجبنا عندما نزل الإنسان على القمر، وما زلنا نتعجب عند كل اختراع جديد وننسى ما هو أدق وأبرع من هذه المخترعات البشرية، كذلك الذنوب عندما تزاول كثيرًا يألفها القلب فما يعود ينكرها، وهذا ما كان يخيف أبا الحسن الزيات - رحمه الله - فكان يقول: والله لا أبالي بكثرة المذكرات، وإنما أخاف من تأنيس القلب بها؛ لأن الأشياء إذا توالت مباشرتها أنست بها النفوس، وإذا أنست النفوس بشيء قل أن تتأثر به، وقال أبو سليمان الداراني: لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره إلا على تفويت ما مضى منه في غير الطاعة لكان خليقًا أن يحزنه ذلك إلى الممات، فكيف من يستقبل ما بقي من عمره بمثل ما مضى به من جهله.
ويتجاوز الجيل الأول قضية الإحساس بالذنب إلى قضية الخوف من عدم قبول الحسنات، فها هو الحسن البصري - رحمه الله - يخبر جيل التابعين عن أناس، فيقول: لقيت أقوامًا كانوا فيما أحل الله لهم أزهد منكم فيما حرم الله عليكم، ولقد رأيت أقوامًا من حسناتهم أشفق ألا تقبل من سيئاتكم، ولعل الذين ألمح إليهم الحسن البصري من أولئك القوم المعنيين في استفهام عائشة - رضي الله عنها - حين قالت: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (المؤمنون: ٦٠) (1)، أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟، قال: «لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون ألا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات» (۲)، كانوا في خوف دائم من ربهم قطع عليهم كل لذة إلا لذة ذكره وطاعته ومناجاته، وحتى وهم يفعلون الطاعات كان الخوف يسيطر على قلوبهم وجوانحهم ألا يتقبل الله منهم.
ومن حبهم للطاعات قدموها على ما في هذه الحياة وسعدوا بها، فتراهم يحزنون إذا فاتهم من الطاعات فريضة، فهذا سعيد بن عبد العزيز إذا فاتته صلاة الجماعة بكى، وكانوا يعزون أحدهم إذا فاتته تكبيرة الإحرام، فعدوها خسارة لها بين المصائب مكان.
لما احتضر عامر بن قيس بكى، فقيل ما يبكيك؟، قال: ما أبكي جزعًا من الموت، ولا حرصًا على الدنيا، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر وقيام الليل. ولما احتضر عبد الرحمن ابن الأسود بكى، فقيل له؟، فقال: أسفًا على الصلاة والصوم ولم يزل يتلو حتى مات.
أولئك رجال عاشوا مع الطاعة وكابدوها وأرغموا النفس عليها حتى طاوعتهم، فصارت الطاعة عندهم ألذ من كل الشهوات، وأحب من كل المغريات، فكانت نعيمهم الذي به يتنعمون، وزادهم الذي به إلى الله يتقربون ما هم كأحدنا يصلي ركيعات في الليل على عجل، وينفق دريهمات قليلة على وجل ثم يحسب أنه قد وصل.
العقوبة الخفية:
وأخطر من ألفة المنكر هو ألفة العقوبة حتى تصل إلى درجة عدم الإحساس بأن الحال الذي هو فيه عقوبة لذنب اقترفه، كم تمر علينا من الساعات دون ذكر ودون عمل نأنس بها وتلهو ولا نعلم أنها عقوبة فقدنا بها درجات، وأعظم من ذلك بلاء الفرح والسرور بهذه العقوبة والسعي للزيادة منها كالفرح باكتساب المال الحرام، وارتكاب الموبقات، وما ذاك إلا لانطماس البصيرة، الذي يخشاه أرباب الأعمال الصالحة، قال أبو داود الحفري: دخلت على كرز بن وبرة بيته فإذا هو يبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: إن بابي لمغلق، وإن ستري لمسبل، ومنعت جزئي أن أقرأه البارحة، وما هو إلا لذنب أذنبته، وليستمع من وصلت به الحال إلى الفرح بالسلامة، والاستئناس مع التقصير والتفريط لقول ابن الجوزي - رحمه الله - عندما يقول: «وأعلم أنه من أعظم المحن الاغترار بالسلامة بعد الذنب، فإن العقوبة تتأخر، ومن أعظم العقوبة ألا يحس الإنسان بها، وأن تكون في سلب الدين، وطمس القلوب، وسوء الاختيار للنفس، فيكون من آثارها سلامة البدن وبلوغ الأغراض»، ومن أمثالها ألا يوفق البعض لصلاة الفجر زمنًا طويلًا حتى يألف الذنب، ويألف تلك العقوبة، فما يعود يشعر بوخز الضمير، وألم الذنب، بينما كان الجيل الأول يعزي أحدهم الآخر إذا فاتته صلاة الجماعة.
ومن تصل به الحال إلى درجة انعدام الإحساس بعقوبة الذنب، فهو على خطر عظيم؛ إذ ربما سبب ذلك في سقوطه ورجوعه إلى طريق الضلال، وهذا ما يعنيه ابن القيم -رحمه الله- حين يقول: «الذنوب جراحات، ورب جرح وقع في مقتل»، ويقول أيضًا: انظر إلى ما كان من انخلاعك عن الاعتصام بالله حين إتيان الذنب، وأن الله منع عصمته عنك، وانظر إلى ما كان من فرحك عند ظفرك بذلك الذنب وقعودك عن تداركه مصرًّا عليه مع تيقنك نظر الحق إليك، فإن العبد لو اعتصم بالله لما خرج عن هداية الطاعة، قال الله – تعالى -: ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (آل عمران: ١٠١) (۳)، فلو كملت عصمته بالله لم يخذله أبدًا، قال الله – تعالى -: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الحج: ٧٨) (٤)، أي متى اعتصمتم به تولاکم ونصركم على أنفسكم وعلى الشيطان، وهما العدوان اللذان لا يفارقان العبد، وعداوتهما أضر من عداوة العدو الخارج، وما خلي الله بينك وبين الذنب إلا بعد أن خذلك وخلى بينك وبين نفسك، ولو عصمك ووفقك لما وجد الذنب إليك سبيلًا.
مغالبة هوى النفس وشهواتها وإخراجها عن ركودها وكسلها فيه مشقة، والأخذ بخطام النفس في سلوكها طريق النجاة عسير لا يصح إلا بمجاهدة نقية، وعلى بصيرة، وتحمل للعنت، وتطلع إلى راحة المستقر بعد أن تألف الطاعة فتهواها، قال أبو يزيد: ما زلت أسوق نفسي إلى الله – تعالى - وهي تبكي حتى سقتها وهي تضحك، والطاعة طريق الجنة، وهو محفوف بالمكاره، ولا يثبت عليه من لم يروض نفسه، قال عليه الصلاة والسلام: «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» (٥)، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا» (6)، فمن تصبر نال الظفر، ومن تخبط خاض الخطر، قال إبراهيم بن أدهم: دخلنا على عابد مريض وهو ينظر إلى رجليه ويبكي، فقلنا: مالك تبكي؟، فقال: ما أغبرت قدمي في سبيل الله، وبكى آخر، فقالوا: ما يبكيك؟ فقال: على يوم مضى ما صمته، وعلى ليلة ذهبت ما قمتها، وقال بعضهم: أتيت الشام فمررت بدير حرملة وبه راهب كأن عينيه عدلًا مزاد، فقلت: ما يبكيك؟ قال: يا مسلم أبكي على ما فرطت فيه من عمري، وعلى يوم مضى من أجلي لم يتبين فيه عملي، قال: ثم مررت بعد ذلك، فسألت عنه، فقالوا: أسلم وغزا فقتل في بلاد الروم.
أبواب الطاعات كثيرة، ولك حظ في الدخول منها كلها، والنهل من أجورها، فاستغلوا الأوقات في طاعة رب السموات من قبل أن يأتي يوم يقال فيه: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾ (فاطر: ٣٧) (۷)، ولينظر كل في أمره، إذا كان يصوم الإثنين والخميس ويقوم الليل وينفق شهريًّا من ماله في وجوه البر، ويصل رحمه ويبث الخير ويصلح بين الناس ويسبق إخوانه إلى المسجد، ثم تغيرت أحواله فانتقص من ذلك شيئًا، وليراجع دواخل قلبه لعله يجد العلة فيستعين بالله عليها ونعم المعين.
قال سفيان الثوري: جلست ذات يوم أحدث، ومعنا سعيد بن السائب الطائفي، فجعل سعيد يبكي حتى رحمته، فقلت: يا سعيد ما يبكيك؟، وأنت تسمعني أذكر أهل الخير وفعالهم؟، فقال: يا سفيان وما يمنعني من البكاء إذا ذكرت مناقب أهل الخير، وكنت عنهم بمعزل؟.
(*) كاتب سعودي
الهوامش
1 - المؤمنون: ٦٠
2 - رواه الترمذي وابن ماجة، مشكاة المصابيح رقم الحديث ٥٣٥٠.
3 - آل عمران: ۱۰۱
٤ - الحج: ٧٨
5 - مختصر صحیح مسلم، رقم الحديث ١٩٦٩
6 - مختصر صحیح مسلم، رقم الحديث ۲۰۳۸
۷ - فاطر: ۳۷
سوء الظن
أولًا تعريف سوء الظن لغة:
١ - الشك، تقول بئر ظنون: لا يدري أفيها ماء أو لا، ومنه قوله تعالى: ﴿ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ (الحج: ١٥).
2 – التهمة، تقول: أظن به الناس، تعني عرضة لتهمتهم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ (الأحزاب: ١٠)
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الأحزاب: ١٢)
تعريف سوء الظن اصطلاحًا: هو تخريص أو تخمين ينتهي بوصف الغير بما يسوءه ويغمه من كل قبيح من غير دليل، ولا برهان.
ثانيًا: أسباب سوء الظن: ولسوء الظن أسباب كثيرة، وبواعث عدة نذكر منها:
١ - سوء النية وخبث الطوية: كأن ينشأ الإنسان تنشئة غير صالحة فيقع كثيرًا في المعاصي والسيئات حتى تورثه تلك المعاصي وهذه السيئات سوء الظن، بمن ليس أهلًا له، ويصبح ذلك مظهرًا من مظاهر سوء النية، وخبث الطوية، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ (الفتح: ١٢)
٢ - عدم التنشئة على المبدأ الصحيح في الحكم على الأشياء والأشخاص، ذلك أن المبدأ الصحيح في الحكم على الأشياء والأشخاص، وذلك بالنظر إلى الظاهر وترك السرائر إلى الله.
3 - البيئة قريبة كانت أو بعيدة: وقد ينشأ المرء في بيئة معروفة بسوء الخلق سواء أكانت هذه البيئة قريبة - ونعني بها البيت - أو بعيدة - ونعني بها الأصدقاء - فيتأثر بها، ولا سيما إذا كان في مرحلة الحضانة أو البناء والتكوين.
4 - الوقوع في الشبهات: وقد يكون الوقوع في الشبهات عن قصد أو عن غير قصد، بل وعدم تبرير الوقوع في هذه الشبهات إن كانت عن قصد، أو غير تعمد من الأسباب التي تغري الآخرين أن يقعوا في سوء الظن، ولعل هذا بعض أسرار تأكيده صلى الله عليه وسلم على البعد عن الشبهات؛ إذ يقول: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه».
5 - عدم مراعاة آداب الإسلام في التناجي: ذلك أن الإسلام أدبنا أنه إن كان ولا بد من التناجي لصلاح الحياة واستقامة الحال، فإن هناك آدابًا يلزم مراعاتها، وهذه الآداب هي:
أ - حرمة انفراد اثنين فما فوقهما بالنجوى دون الآخر حتى يوجد معه من يناجيه أو يختلط الجميع بالناس؛ إذ يقول صلى الله عليه وسلم: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر، حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه».
ويدخل في الأدب: حرمة تناجي اثنين فما فوقهما دون الجماعة.
ب - وأن تكون النجوى في الطاعة والمعروف، لا في المعصية والمنكر؛ إذ يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ (المجادلة: ٩، ١٠)
جـ - وأن تكون النجوى في أمر مهم لا يتم ولا يبرم إلا بعيدًا عن أعين المرجفين والمفسدين في الأرض.
تلكم هي آداب الإسلام في التناجي، ومن يهملها أو لا يلتزم بها يمكن أن يفتح الطريق على نفسه؛ لتتسرب إليه الظنون والأوهام الكاذبة، التي لا دليل عليها، ولا برهان.
إذًا عليك ألا تذكر أخاك إلا بخير!.
آثاره على الفرد:
1 - الوقوع في المعاصي والسيئات بين القرآن الكريم ذلك، فقال تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الأحزاب: ١٢)
٢ - القعود عن أعمال البر والطاعات فضلًا عن القلق والاضطراب النفسي، يقول الله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (طه: ١٢٤)
3 - الحسرة والندامة: قد ينتهي بصاحبه إلى الحسرة والندم بعد ظهور الحقيقة مثال: الذين ظنوا بأم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - وصفوان بن المعطل - رضي الله عنه - ظن السوء من أمثال حسان بن ثابت – وغيره - أصابتهم الحسرة، وتمنوا أن لم يولدوا حتى هذا اليوم وإلى نهاية أيام حياتهم في حسرة.
آثاره على الجماعة:
١ - الفرقة وتمزيق الصف: يؤدي إلى تكاثر التهم، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: ١٠٥)
۲ - طول الطريق وكثرة التكاليف.
علاج سوء الظن:
1 - بناء العقيدة السليمة القائمة على تحسين الظن بالله، وبرسوله وبالمؤمنين الصالحين.
2 - التربية على تغذية هذه العقيدة بما يثبتها في النفس وينميها مثل ترك المعاصي، وفعل الطاعات، والتوبة، والندم عند الوقوع في الظن السيئ.
3 - التنشئة على الالتزام بآداب الإسلام، والاعتماد على الظاهر، وترك السرائر إلى الله.
4 - الالتزام بآداب الإسلام بالتناجي.
5 - تجنب الوقوع في الشبهات، ثم الحرص على دفعها مثلما فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، عندما كان مع زوجته صفية، ومر اثنان من الصحابة فأسرعا الخطا، فقال لهما: «على رسلكما إنها صفية»، فانظر إلى حكمته - صلى الله عليه وسلم - في دفع الشبهة، وطرد سوء الظن من نفوس أصحابه - رضوان الله عليهم -.
خالد يوسف الشطي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل