; المجتمع التربوي (العدد 1329) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1329)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-ديسمبر-1998

مشاهدات 61

نشر في العدد 1329

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 08-ديسمبر-1998

وقفة تربوية

أرباب العلم

اجتمع كعب، وعبد الله بن سلام، فقال له كعب يا بن سلام من أرباب العلم؟

قال: الذين يعملون به.

قال: فما أذهب العلم عن قلوب العلماء بعد أن علموه؟

قال: الطمع، وشره النفس، وطلب الحوائج إلى الناس (المستطرف، ص ۱۱۲)

كم تضخ كليات الشريعة من خريجين كل عام؟

وكم يتلقى الطلبة على أيدي المشايخ في طول البلاد وعرضها من دروس علمية؟

وكم عدد الخطب والدروس والمحاضرات والمؤتمرات الإسلامية؟

ولكن أين أرباب العلم؟

وكم عددهم بالمقارنة بمن يستمعون للعلم ويتلقونه على أيدي العلماء في كل مكان؟

لا شك في أن عددهم قليل جدًّا والسبب هو ما ذكره ابن سلام t من أن عددًا منهم يصرف هذا العلم لغير وجه الله تعالى والتطلع إلى مناصب الدنيا وزينتها، بل والتقاتل فيما بينهم على ذلك، وهذا العلم لا يمكن أن يستقر في قلب لاهٍ عن الله تعالى.

سأل الإمام الشافعي شيخه وكيعًا عن ضعف في حفظه فقال له: إن ذلك بسبب المعصية، وصاغها الإمام بأبيات شعر

جميلة قال فيها:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي                      فأرشدني إلى ترك المعاصي 

وأخبرني بأن العلم نور                            ونور الله لا يهدى لعاصي

أبو خلاد

كلمة إلى الدعاة

ليس كل قديم أصيلًا ولا كل جديد دخيلًا

أخي المربي إذا أردنا أن نقرب وجهات النظر المختلفة في قناعات بعض الدعاة فلابد من تنظير لبعض المفاهيم الدعوية.

وبادئ ذي بدء أحب أن أنبه إلى أنني لا أقصد بهذا العنوان أن أتطرق إلى أصول الدين، أو ما يتعلق بالعبادات، أو خصائص الإسلام العامة الثابتة، وإنما يدور الكلام حول وسائل الدعوة وطرائقها.

وكما هو معلوم لكل مسلم غيور على دينه أن الالتزام بالمنهج ضرورة السلامة الطريق الموصلة لمرضاة الله، وأن الغاية لا تبرر الوسيلة، وأن دين الإسلام منهجه لا يخالف الفطرة ولا العقل، فهو يخاطب الإنسان كإنسان فيه نوازع الخير والشر، لذا تنوعت الأساليب فكانت مرغبة تارة ومرهبة تارة أخرى وهذا يخضع للظروف والأحوال، وطبيعة البيئة التي يعيشها الإنسان، وليس معنى ذلك أن تخضع الإسلام لهذه الظروف، أو نسير مع الواقع الموجود بحجة الضرورة التي نطلقها على عمومها دون قيد أو شرط، بل يجب أن يخضع الواقع بكل ما فيه من قوانين أو عادات أو أعراف المبادئ الدين وأهدافه العامة والخاصة دون تفريق أو تبعيض.

إذا فهمنا هذا جيدًا أقول: ما الضرر في أن تكون الأساليب والطرق الدعوية المباحة التي فيها كسب الناس إلى دين الله، وترغيبهم في حب القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم وتقريب معاني الدين بأسلوب حسي مادي؟ أليس النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا» (حديث صحيح رواه أبو داود ۱۳۲۰)

وهل يحتاج القرآن إلى دعاية، وهو كلام الله سبحانه المؤثر بذاته بدون واسطة، ومع هذا أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الأسلوب لأن الحق يحتاج إلى من يظهره في أحسن حلة وطريقة وإن كان كتاب الله، فما بالك بغير كتاب الله؟ ألا يحتاج إلى أسلوب شائق وجذاب؟ أقول:

بلَی بل هو من باب أولى ودليل آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى للمجاهد الفارس سهمًا ولفرسه سهمين، وكل ذلك تشجيع وترغيب في الجهاد، والأمثلة في هذا الأمر كثيرة جدًّا.

وروى الإمام أحمد، ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: «ما سئل رسول الله شيئًا إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين فرجع إلى أهله فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة وإن كان الرجل ليجيء إلى رسول الله ﷺ وما يريد بذلك إلا الدنيا، فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه من الدنيا وما فيها» 

إذن لما علم النبي صلى الله عليه وسلم أن داء الرجل لا يزول إلا بهذا الدواء وهو الإحسان، فعالجه به حتى برئ من داء الكفر، ونحن إذا نظرنا إلى واقع بعض الدعاة المخلصين الغيورين على دينهم نجدهم يرفضون كل أسلوب وكل طريقة جديدة لم تكن مألوفة من قبل بحجة المحافظة على أصالة الإسلام، وفي المقابل نجد أن من الدعاة من هو مندفع دون ضابط في استخدام كل أسلوب جديد ومتطور بحجة أنه ليس كل جديد دخيلًا. 

والحقيقة أن المسألة في جوهرها بسيطة جدًّا إذا فهمنا روح الإسلام وأنه لا قدسية للقديم إذا كان في غير محله، وزمانه، ولا اعتبار للجديد إذا كان يتعرض لثوابت الدين من مبادئ وأصول.

ناجي عبد الله الخرس                                    

حتى لا تصبح الدعوة نظرية باردة في الأذهان

كيف يصل إلى وجهته من سلك طريقًا بعيدا طويلًا، لا يدري لماذا هو سائر فيه وإلى أين يمضي بلا دليل يستدل به في ظلمة الليل، وبلا أمل يحدوه في الوصول في وجهته وبلا شوق يؤجج فيه شعلة السير والاجتهاد، لا يعرف كيف بدأ ولا يدري كيف تكون النهاية وأين ستكون؟ 

إنه يعيش كالهائم على وجهه لا يلوي على شيء فلا يزداد بسيره إلا تيهًا وضياعًا، ولا يزداد بمضي الأيام إلا ابتعادًا ونكوصًا، أشبه ما يكون بثور الساقية الذي أغمضت عيناه فهو يدور على البئر ظنًّا منه أنه يسير في طريق طويل قد اقترب منتهاه.

ثور على مقلتيه غطاء                             يدور من الصبح حتى المساء 

يظن الطريق دنا منتهاه                            ومازال بالسير في مبتداه

فالسالك في مدارج الدعوة والجهاد عليه أن يعرف البداية كيف، ومن أين وكيف يكون السير، وأين نقطة الانطلاق، وما الزاد.

وأن يعرف طبيعة الطريق، وشعابه وأوديته، ولا يكون مغمض العينين، يظن أنه قطع المسافات الطوال، وهو مراوح في دائرة من الوهم، وإن سار فإنه يتعثر من أول الطريق ليكن هناك أمل وهدف لكل ماض على هذه السبيل، وهو الوصول إلى رحاب الخلد في روضات الفردوس، وليكن الطموح عظيمًا في رفع راية الحق ونصرة الدين، وبهذا يمضي المؤمن في ثقة واستعذاب لعذابات الرحلة الطويلة الشاقة حتى يصل إلى مبتغاه بإذن الله 

﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (يوسف: 108).

نعم كم عرف في طريق الدعوة ممن لا يرون أي طريق سلكوا، ولا يدركون تبعات هذا الأمر الذي كلفوا بحمله، ولا يخطر ببالهم أو يدور في أذهانهم ما الغاية الحقيقية التي سعى إليها دين قد ارتضاه الله لعباده.

وإن من أعظم المشكلات التي تواجهها الدعوة في هذا العصر: السطحية في التفكير، السطحية في الفهم، والسطحية في المواجهة في الدعوة، وفي النظر إلى الواقع، وفي الحكم فيه من خلال شريعة الله سبحانه وتعالى. عندما تكون هذه السطحية طابعًا عامًا.

وظاهرة مرضية في كثير من الدعاة فإن الدعوة لن تستطيع أن تصبح أكثر من نظرية باردة خامدة في أفهام الناس، ولن يكون أصحابها سوى دعايات ظاهرية جوفاء لا تملك من مقومات الدعوة الحقيقية شيئًا.

وفي واقع الأمر فإن معرفة حقيقة الإسلام بجميع جوانبه، ومعرفة ماهية هذه الدعوة وحقيقتها، ومقوماتها، وعقباتها، وصوارفها بات أمرًا ضروريًّا بكل من أراد سلوك هذه الطريق، بل هو فريضة شرعية. 

وفي الوقت الذي نرى فيه فوضوية الدعوة عند الكثير، نرى للجاهلية نظامًا محكمًا وتخطيطًا خطيرًا وانتباهًا مستمرًا، وإنشاء للكوادر المعادية دون توقف أو كلل، حتى إنه تمر أحيانًا وفي بعض الأماكن لحظات يحس الناظر بأن الباطل يعدو في ميدان السباق وحده بينما البعض لا يزال يدور كثور الساقية، يظن الطريق في منتهاه وهو بعد لم يتحرك خطوة واحدة إلى الأمام.

فغاية المنهج الإسلامي تحدد طبيعة الطريق وأبعاده، وترسم بالتالي المعالم الأساسية للخطة التي يجب أن تعتمدها الحركة الإسلامية في كل زمان ومكان، وهذا يعني بالتالي أن طريق العمل الإسلامي يجب أن تخضع لقواعد وأصول ثابتة تعليها الغاية الأساسية من العمل، وتؤكدها الترجمة العملية في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم  (فتحي يكن، ماذا يعني انتمائي للإسلام).                                       

 حادق محمد الحسين عسيري

لست راضيًا من نفسي... فأذمّ الناس

قليل من الناس يعيش في الدنيا متحررًا من القيود المحيطة به، فتجد أحدهم منساقًا نحو أنماط من السلوك خاطئة، بل ومحرمة لكونه يفعل هذه الأعمال متبعًا جملة من البشر. حتى يصير هذا التقليد شعارًا له في حياته فينافح ويدافع عن الخطأ، وهو معترف به ومقر له، ولكن كيف يسوغ أن يخطئ نفسه امام الناس؟

ويحب سماع أخبار الناس الخاصة، والتي فيها نوع من الأسرار، لمجرد السماع والإمتاع.

ولقد ضبط الإمام الربيع بن الخيثم قاعدة الصنف من الناس هذا حالهم بقوله: لو نظر الناس إلى عيوبهم لما عاب إنسان على الثاني، وقيل له: يا أبا يزيد ألا تذم الناس فقال الربيع: والله ما أنا عن نفسي براض فأذم الناس، إن الناس خافوا الله على ذنوب الناس وأمنوه على ذنوبهم.

وفي هذه الكلمة البليغة يؤسس الإمام الربيع في نفوس الناس ضرورة التفكر في عيوبهم وأخطائهم وعدم الاسترسال في الحديث عن أخطاء الناس وزلاتهم، وكأنه يذكر الأمة بعدم إباحة الكلام فيما لا حاجة فيه.

إذ إن بعض الناس وإن كانوا من أهل الصلاح، إن فتح لهم باب الحديث عن خطأ إنسان فإنهم يناقشون هذا الخطأ، ويستدعون في أثناء كلامهم أخطاء صدرت منه قديمًا لا علاقة لها بهذا الخطأ، أما في موقف الإمام الربيع فتتضح أهمية التجرد الكامل من حظوظ النفس، حتى وإن كانت العوامل مهيأة للرد والحديث عن أخطاء الغير. 

إن هؤلاء الصنف هم المتجردون من القيود المحيطة بهم، وهم الأحرار حقًا في الحياة، فلا يتكلم أحدهم إلا بما فيه الحق ولو كان مرًّا. سواء في إنسان تكلم فيه، أو كتاب عرض عليه، أو طائفة ذكرت له حتى وإن كان هذا الإنسان المتكلم فيه نِدًّا أو عدوًّا له، أو كان مؤلف كتاب لا يروق له كتابه، أو من غير فكره، فالربيع بن الخيثم وإن كان خصماؤه يتكلمون فيه، إلا أنه لم يجد في هذا مقنعًا لذمهم وتعييرهم، فكن أحد المتخرجين في مدرسة الربيع لتكون مؤمنًا حرًا موفقًا.

تمسك إن ظفرت بودِّ حُر                   فإن الحُر في الدنيا قليل.

 علي بن حمزة العمري

المجتمع التربوي

قطوف تربوية من قصة صاحب الجنتين

شرف المبدأ والجوهر

دعوة صريحة لقراءة التاريخ وفتح ملفات الأفراد والأمم للتذكرة والاعتبار

إعادة صياغة العقلية المسلمة يستدعي الفهم الجيد للفكرة الفقه البصير بالواقع القراءة العميقة للتاريخ.

القصة وصفت ممتلكات الكافر دون المؤمن... فالأخير مادياته ضعيفة ولكن مبادئه شريفة.

بقلم: د. حمدي شعيب

تبدأ القصة بهذا التوجيه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا وهو توجيه يدعوه إلى أن يوضح القضية التي كانت موضوع الساعة آنئذ، وهي وزن القيم والأشخاص والأحداث بموازين إلهية لا تتحاكم إلى الظاهر، بل إلى جوهر وبواطن الأشياء، وذلك بضرب مثل توضيحي يقرب المعنى للأفهام. 

«ولهم» تشمل كل من يحضره المثل، سواء أعداء الدعوة من الكافرين، وهم مشركو مكة في ذلك الحين، أو المؤمنون، وذلك لأن المنهج القرآني كان يرسخ قواعد ثابتة القضية عامة، وسنة إلهية اجتماعية، يلزم أن يفقهها الجميع.

ويرى المحققون المنصفون من العلماء أن قصص القرآن واقعي وليس رمزيًّا، وحقيقي وليس تمثيليًّا، وقصة صاحب الجنتين لا تخرج عن هذا المضمون، فهي تعرض قصة رجلين حقيقيين جرت بينهما الأحداث التي أشارت لها آيات القصة وكانت أحداثًا واقعية([1]).

ولأن الفائدة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فإننا نستشعر من هذا التوجيه الإلهي أنه توجيه لكل داعية أن يستخدم الأمثلة التوضيحية لبيان فكرته، ولتوضيح قضيته.

وهي أيضًا دعوة صريحة لقراءة التاريخ، وفتح ملفات الأفراد والأمم السابقة، بغرض التذكير والموعظة، واستجلاء الدروس لذا فإننا نضع أيدينا على مرتكزات ثلاثة، تكون الثلاثية المعرفية المطلوبة من أجل إعادة صياغة وتشكيل العقلية المسلمة .

أ– فهم جيد للفكرة.

ب_ فقه بصير بالواقع، يتم من خلاله تقريب الفكرة والقضية بأمثلة توضيحية، من خلال البيئة المحيطة، والمألوفة للسامعين

ج -قراءة عميقة للتاريخ يتعرف بها السنن الإلهية الكونية والاجتماعية الثابتة والمضطردة أي المتكررة، والعامة التي تنطبق على أي واقع بشري مشابه وعلى ضوئها يمكن تفسير مغزى المقولة التاريخ يعيد نفسه، أو ما أشبه الليلة بالبارحة.

وانطلاقًا من هذه الثلاثية المعرفية تتم إعادة صياغة العقلية المسلمة، حتى تصل إلى حالة الوعي المنشودة، وهي الحالة التي يمكن من خلالها استقراء الواقع وأحوال الحاضر، على ضوء تجارب ورصيد الماضي، مما يعين على النظرة المستقبلية الاستشرافية.

وإذا ارتقت العقلية المسلمة إلى حالة الوعي المنشودة تلك، يمكننا أن نقول: إننا قد نجحنا في عملية تصحيح وتنقية للمخزون المعرفي داخل عقل الأمة، وحصول أو تكوين ما يسمى بمنظومة الوعي البشري عند أفراد الأمة.

وحينما تتكون منظومة الوعي البشري، نقول: إن الحالة المعرفية عند الأمة، قد بلغت مرحلة الرشد في كلا المجالين:

المجال الأول: ذو البعد الكيفي، الذي يتعمق من خلاله وعي الأمة في المجال الرأسي، إذ تتضح وتتعمق به رؤيتها.

المجال الثاني ذو البعد الكمي، الذي يتشكل من خلاله الوعي عند العقلية المسلمة في المجال الأفقي، إذ يزيد مجال الوعي والإدراك البشري فتتسع به دائرة أو مجال الرؤية عندها.

وبمعني أبسط، فإن منظومة الوعي البشري هي حالة معرفية أو إدراكية راقية لعقل الأمة تتكون من خلال إعادة صياغة العقلية المسلمة على مرتكزات الثلاثية المعرفية.

وهي أيضًا بمعنى آخر عبارة عن حالة معرفية راشدة، يمتزج فيها الوعي بالماضي والحاضر والمستقبل، فتؤدي إلى الدراية والوعي بكل شهود التاريخ البشري، وبكل سنن الله U الإلهية في الأنفس، أي في عالم الأحياء، وهي السنن الإلهية الاجتماعية، وفي الآفاق أي في المادة، وهي السنن الإلهية الكونية. 

وخلاصة ذلك أن يبلغ عقل الأمة مرحلة الرشد المعرفي والإدراكي، مما يساعده على تحمل عبء المواجهة الحضارية.

فالقضية هي قبول العقل المسلم للتحدي الحضاري، فيقتحم حلبة الصراع الحضاري. ولا يدخل حلبة الصراع إلا من تسلح بمخزون معرفي، يجمع بين الأصالة والمعاصرة إذن فالثلاثية المعرفية هي طريق تكوين منظومة الوعي البشري.

ومنظومة الوعي البشري هي الحصانة ضد أخطار التحدي الحضاري الداخلي والخارجي. فالخطر يأتي من الخلل الإدراكي أو المعرفي داخل عقل الأمة، أو بمعنى آخر من عدم تشكيل منظومة الوعي البشري، فيؤدي ذلك الخلل إلى ما يشبه بعملية الانتحار المعرفي، وبالتالي ينتج عن ذلك ما يسمى بعملية الوأد الحضاري للأمة. 

فعندما لا يعي عقل الأمة بماضيه، فهو بذلك يقطع جذور أصالته بيديه، وتصبح الأمة كالريشة في مهب الثقافات المغايرة، فتقتات عوامل النهوض الحضاري من على موائد الأغراب.

وعندما لا يدرك عقل الأمة المعرفة أو الوعي بواقعه وحاضره، فهو بذلك يسلم قيادها - وعيه طواعية – إلى عملية التغييب أو التجهيل المعادية.

ويشارك في عملية الوأد الفكري لها وعندما يفقد عقل الأمة إدراكه بمستقبله، فهو بذلك يساعد – وعن خيار قاتل – في عملية التردي أو الواد الحضاري لأمته.

مشاهد القصة

تبدأ القصة في مشاهد أو فقرات أو جولات أربع:

الجولة الأولى: أو المشهد الأول، يعرض صورة وصفية لممتلكات الرجل الكافر. 

والثاني: يعرض المواجهة والحوار بين الرجلين كل يعرض رأيه وأفكاره دون تدخل من الآخر. 

والثالث: يعرض المصير، كما توقعه الرجل المؤمن الخبير بسننه سبحانه الإلهية. 

والرابع، يعرض التعقيب القرآني والدرس العظيم من القصة.

الجولة الأولى: تأخذ في عرض صورة وصفية

مفصلة لكل ممتلكات الرجل الكافر ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا  كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا ۚ وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ (الكهف: 32-33) هكذا يصف القرآن واقع الكافر والزينة التي تسببت في طغيانه وتكبره، فهو يمتلك جنتين مثمرتين من الكروم، محفوفتين بسياج من النخيل تتوسطهما الزروع، وفوق كل هذا، هنالك نهر يتفجر بينهما. 

إنه المتاع الدنيوي والزينة الخلابة والحيوية المتدفقة التي تأخذ بالألباب.

ويتدبر مفردات هذه الجولة، نجد أن هنالك بعض الملامح التربوية التي ترسم صورة حول ماهية الرجلين موضوع المثل، وينكشف بعض صواب حكمته سبحانه في التوجيه بضرب هذا المثل: 

١– إن النعم الدنيوية ليست مقياسًا على مدى رضاه سبحانه عن العبد. وتأمل ذلك المُلك العريض للرجل الكافر بالمقارنة إلى تواضع الوضع المادي للرجل المؤمن. وتدبر آيات سورة الفجر ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ  وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ  كَلَّا (الفجر:15-16) وتدبر مغزى كلمة «كلًّا» التي تأتي لتصحيح منهج الفكر والنظر. فالعطاء الدنيوي ليس من باب الإكرام والتضييق في الرزق ليس من باب الإهانة. وتدبر كذلك مغزى كلمة «ابتلاء بدلًا من كلمة رزقه أو أعطاه ويتضح هنا أيضًا معنى حكمته سبحانه، في قضية الابتلاء بالسراء، وكيف أنها تعتبر أخطر من بتلاء بالضراء ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً

ب- إن أثر النعم على الإنسان يكون بناء على الفكرة التي تحركه، وتوجه سلوكه، وحركته في حياة.

لذا فإن ذوي النفوس الربانية والفطر السوية يشكرون ربهم ليحفظ عليهم هذا النعيم.

وهذا الشكر يكون باطنيًّا، بالاعتراف بفضل له U، ويكون ظاهريًّا بتوجيه الجوارح الحواس فتوظف هذه النعم في طاعته سبحانه. أما ذوو النفوس المنحرفة والفطر المطموسة والقلوب المنكوسة، فلهم شأن آخر؟ فعندما تنحرف النفوس وتنطمس الفطرة تنتكس البصيرة، يكون توجهها ومسلكها هو ذلك المسلك القاروني، حينما قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي (القصص:۷۸)

وينسى القوة المدبرة، واليد المانحة، ينسى فضلة سبحانه، ينسى في خضم طغيانه مغزى هذه لمحات القرآنية التي توضح مصدر العطاء مصدر الخير، ويغيب عنه تدبر المغزى العميق وإسناد الأفعال إلى الله تعالى: «لقد أُسنِدَتْ الأفعال الثلاثة الماضية إلى الله»

﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾، ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾، ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا.

وهذه اللفتة النحوية البيانية، تدلنا على أن الله سبحانه وهو الفاعل الحقيقي، والمقدر للجنتين، وما بهما من زروع وأشجار وثمار.

إن الآية تجرد صاحب الجنتين الكافر من أي جهد، فهو سبب والله هو المسبب، وهو من باب قبيح صنيع صاحب الجنتين([2])

ج – وهنالك ملمح تربوي آخر، لقد حملت الجولة أولى من القصة، وصفًا مفصلًا عن ممتلكات الكافر، ولم تصف ما يملكه الرجل المؤمن من متاع مادي.

وبتدبر هذه اللفتة القرآنية، نجد أن لها – والله أعلم – بُعدين: البعد الأول الظاهر هو أن الرجل المؤمن لا يملك من أمور مادية، ما يستحق الذكر والوصف ولو على الأقل بالمقارنة بما يملكه الرجل الكافر. 

وهذا ما يؤثر على عقل الأمة الباطن، ويوقع بعض النفوس في شبهة ربط الإيمان دومًا بالفقر والكفاف والزهد في نصيب الدنيا. 

وهي الشبهة التي جعلت العقول تدور حول القضية الأزلية الكلامية هل الغني الشاكر أفضل؟ أم الفقير الصابر؟، وهذا ما يضخمه ويعمقه متطرفة الصوفية، إما عن جهل، وإما عن كسل في السعي والحركة في خضم الأمور الحياتية، وهي الطامة الكبرى التي أثرت على حركة العقلية المسلمة في فقه سننه سبحانه في الكون، فتأخرت وأخرت الأمة، حتى أصبح جل الأمة، إن لم نقل كلها، في نطاق العالم الثالث المتأخر، الذي يعيش على هامش الأحداث، وكأنهم الأيتام على موائد اللئام وقل لي - بربك – ماذا عن أغنياء الصحابة؟!

ماذا عن تلك البشرى التي وردت عن الحبيب صلى الله عليه وسلم عندما بشر ذا النورين عثمان رضي الله عنه بأن له عينًا في الجنة: من يشتري بئر رومة وله عين في الجنة، وذلك بعطائه الفريد عندما اشترى بئر رومة وتدبر أن مسلكه العطائي رضى الله عنه كان مستمرًا ولم يك مجرد حماسة وقتية، أو فورة عارضة، لأنه جهز جيش العسرة أثناء غزوة تبوك مما جعل صلى الله عليه وسلم يقول: ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم ([3])

أما البُعد الآخر البعيد المغزى، فهو -والله أعلم- من باب أن ما يملكه المؤمن وما يعتز به، بل وما يميزه ويستحق أن يوصف به ويتشرف به فهو ليس المتاع الدنيوي الزائل، بل الفكرة والمبادئ التي يحملها، وهذه ليس مكان ذكرها الآن بل ستظهر في مواقفه وسلوكياته، وعقليته الناضجة، وذلك أثناء جولة المواجهة الحوارية القادمة.

وهذا ما يذكرنا بأن مقياس النضج البشري هو بالقياس إلى ما يحمله من أفكار ومبادئ حفظًا للفارق والإكرام الذي أكرم الحق سبحانه به الإنسان على سائر خلقه، وهي المنة التي امتن عليه بها، فبعد نعمة تعليمه، وتفهيمه القرآن، وبعد نعمة خلقه تأتي مباشرة نعمة النطق والفكر

﴿الرَّحْمَـنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (الرحمن1:4)

وهذا – للأسف – ما يغيب عن الكثيرين عندما يقيمون الأشخاص والعقليات فمجال تقييم البشر، لا يكون على أساس المخزون المادي، بل بالمخزون المعرفي والفكري، لأنه مجال تميز الإنسان.

(1) من قصص السابقين 2/ 130 بتصرف

(2) من قصص السابقين 2/133- 134

(3) أعلام المسلمين ص37عدم تنظيم الوقت

مشكلات وحلول في حقل الدعوة

التعريف:

عدم الاستفادة من أوقات الفراغ لتحقيق بعض الأهداف الخاصة أو العامة للفرد وعدم القدرة على تنظيم الوقت بما يعود بالنفع لهم.

المظاهر:

١-تخلف الفرد في تحقيق كثير من الأهداف كقراءة الكتب، وحفظ سور من القرآن الكريم، وتربية أبنائه، وحضور الأنشطة وغيرها.

٢-عدم تنفيذ ما يطلب منه في المؤسسة.

٣-التضارب الدائم بين أعماله الشخصية ومتطلبات المؤسسة.

الأسباب:

١-عدم الإحساس بأهمية الوقت.

٢-عدم وضع أهداف شخصية له.

٣-عدم وضوح الأولويات.

٤ -ضعف الحزم.

٥-وجود الكثير من المشكلات الشخصية وعدم معرفة حلها.

٦-أن يكون الفرد بؤرة قضاء كثير من الحاجات.

٧-كثرة طلبات البيت.

٨-انشغاله بالعمل خارج وقت الدوام.

٩-الانشغال الكبير بالعمل الذي يسترزق منه

الحل:

١-وضع أهداف شخصية لابد من إنجازها في كل شهر أو كل شهرين أو ثلاثة مع تحديد وسائل لتحقيق هذه الأهداف.

٢-معرفة الأولويات وتنظيمها.

٣-إعطاء المؤسسة بعض الدورات والدروس في أهمية الوقت وتنظيمه.

٤-وضع جدول شخصي، ومحاولة الالتزام به ما استطعت ليستفاد منه بتنظيم الوقت، مثاله:

الوصول للبيت بعد الدوام الساعة ٢.٣٠ مساء.

فترة الراحة والطعام والصلاة الساعة ٢.٣٠ – ٤ مساء.

فترة تدريس الأطفال الساعة ٤ – ٦.

فترة حرة ٦-٨.

زيارة ديوانية الساعة ٨ – ٩

العودة للبيت للعشاء الساعة ١٠ – ١١.

النوم الساعة ١١ – الفجر.

الرابط المختصر :