العنوان المجتمع التربوي (1365)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1999
مشاهدات 62
نشر في العدد 1365
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 31-أغسطس-1999
وقفة تربوية
تقوى الله عند الغضب
أذنب غلام في حق امرأة من قريش، فأخذت السوط ومضت خلفه حتى إذا اقتربت منه رمت بالسوط بعيدًا عنه وقالت: «ما تركت التقوى أحدًا يشفي غيظه» «المستطرف ۲۷۸».
في واقع الأمر فإن التقوى تمنع أصحابها بالفعل من شفاء غيظهم، وسبب هذا المنع الخوف من الله تعالى، ومن مساءلته يوم القيامة، ومن عذابه في ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، مع الخوف من الظلم، لأنهم يعلمون حق العلم، أن ذلك الظلم ظلمات يوم القيامة، وأنهم معرضون للإفلاس في هذا اليوم، مهما بلغت أعمالهم - عندما يظلمون الآخرين -كما يعلمون أن دعوة المظلوم مستجابة وإن كان كافرًا، وأنه ليست بينها وبين الله حجاب.
ولهذا كانوا يتحملون الغيظ ويتركون الانتصار للنفس، خوفًا من الوقوع في المحظور متذكرين حديث النبي ﷺ: «من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء» «رواه الترمذي بإسناد حسن».
لا تأكل لحم أخيك ميتًا
واحسرتاه على كل كلمة غيبة قلتُها
ليست المرة الأولى التي يحاول فيها سليمان إهانتي وإهدار كرامتي أمام زملائي، لقد جعلني في موقف حرج، وصورة مخجلة.
- لقد لمح الجميع منك هذا، وما فائدة الكلام الآن؟ ما لم تفحمه بكلمات لاذعة وترد عليه باقسى مما واجهك به؟
- إنني يا صديقي لم أتعود الجدل أمام الناس حتى لو كنت محقًا.
- إنها صفة كريمة إلا مع هذا الإنسان كيف وقد ألف السخرية من الناس
والاستعلاء عليهم، واستغلال وداعتهم ونبل أخلاقهم؟
- لقد واجهني اليوم بكل ما يكن صدره من حقد، وما يختلج في قلبه من بغض.
- إن الحقود يا أخي لا تهدأ نفسه حتى يرى من يحقد عليه في أسوأ حال وفي أعظم مصيبة، فما بالك بإنسان کسليمان، يصحو على كراهية الناس ويبيت يدبر المكائد لهم، غايته إيذاؤهم وراحته في إلحاق الضرر بهم الكبر سمته، والحقد طبعه، لم يتعود صنع المعروف، ولم يبق لنفسه صديقًا يتودده الجميع منه نافر، ومن إيذائه متضرر حتى أصبح شيطاناً يستعاذ بالله منه فمن منا لم ينله من لسانه جرح، أو من وشايته أذى، ثم إن هذا الرجل.
- کفی.. کفی یا صاحبي، فإن مرارة لحم سلیمان بدأت تقطع أمعائي.
- مرارة لحم سليمان؟ عن أي لحم تتحدث؟ ماذا جرى لك، بل ماذا حدث لعقلك، أخبرني؟!
- لقد استحوذ علينا الشيطان فاستجرنا إلى أكل لحم أخينا، حتى نلنا من عرضه، وأكلنا من لحمه ويا لخبث الشيطان الرجيم ويا لمرارة ذلك اللحم، اتشتهي أن تأكل لحم إنسان؟
- لحم إنسان؟ بالطبع لا.
- فكيف به لو كان ميتاً؟
- ما الأمر يا عزيزي، لقد جئت تشكو إلى ضيق صدرك، وحرارة غيظك مما انتابك من سليمان، فحاولت مشاركتك وتخفيف لوعتك، فكررت على التوبيخ والعتاب؟
- إن المؤمن ضعيف بنفسه، قوي بإخوانه لقد صدقت في وصفك حالي، وما كنت عليه من کمد وحرقة، وهذا كله إنما حصل من كيد الشيطان - أخزاه الله - فما أحرصه على إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، وتزيين الذنب في نفوسهم، والمؤمن قد يضعف إيمانه فيسترسل في المعصية، ويستلذ الخطيئة، لأنها تلبي شيئاً من شهواته، وتحقق طرفاً من رغباته، لكن المؤمن حينما يكون له أخ ناصح يخاف الله في صحبته ويراقب الله في رفقته، فإنه لا يعدم أن يلقى منه التوجيه الحسن، والتذكير الجميل، فيصده عن الشر، ويعينه على الخير.
- أنت تريد بكلامك هذا أن تنيط الخطأ بي، وتتناسى أنك أنت الذي بدات به نعم أنا الذي بدأت بحمل هذا الوزر العظيم وأتجرع الآن مرارته، لكنك أعنتني عليه ولم تصدني عنه.
- لقد أعطيت المسالة أكبر من حجمها فهي لا تعدو أن تكون مجرد كلام يذهب أدراج الرياح، إنما أردنا أن ننفس عما وقر في صدورنا من غيظ.
- أرجوك لا تزدني كمدًا على كمد، فما شعرت يومًا بحسرة كحسرتي اليوم على غيبة أخي ألم تسمع قول الباري سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحجرات:12).
- تتحدث عن أكل هذا اللحم المكروه وكان الأمر على حقيقته، وأن له أثارًا مريرة في جوف الإنسان؟
- وهل تحسب أن القضية معنوية فحسب، اسمع لهذا الحديث الذي يرعد فرائصي تذكره ويرجف فؤادي سماعه، فقد روى الإمام أحمد في
مسنده أن امرأتين صامتا، وأن رجلًا قال: يا رسول الله، إنها هنا امرأتين قد صامتا وإنهما قد كادتا أن تموتا من العطش، فأعرض عنه أو سکت، ثم عاد وأراه قال بالهاجرة قال: «يا نبي الله، إنهما والله قد ماتتا أو كادتا أن تموتا، قال: ادعهما، قال: فجاءتا، قال: فجيء بقدح أو عُس. فقال لإحداهما قيئي، فقاءت قيحًا أو دمًا وصديدًا ولحمًا حتى قامت نصف القدح، ثم قال للأخرى قيئي، فقائت من قيح ودم وصديد ولحم عبيط وغيره حتى ملأت القدح ثم قال: إن هاتين صامتا عما أحل الله وأفطرتا على ما حرم الله عز وجل عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلنا يأكلان لحوم الناس.»
- يا له من حديث عظيم، يحس المرء فيه بمسؤولية الكلمة التي يخف النطق بها، ويثقل حسابها، لكنك يا أخي تعلم أن ما ذكرناه نزر قليل مما عرف الناس به سليمان، وتطبع هو عليه.
- تلك هي الغيبة التي وقعنا في فخاخها.
- انت تبالغ، وإلا فما الشأن لو أننا نسبنا إليه ما ليس فيه؟
- ذلك هو البهتان
- عجیب؟
- الأعجب من ذلك أننا لم نعط كتاب ربنا وسنة نبينا محمد حقهما من القراءة، حتى لو أكثرنا من قراءتهما، لم تحاول فهم ما ورد فيهما من أحكام، وتطبيق ما تضمناه من آداب ونزيد على نارنا حطبًا حينما لا يذكر أحدنا الآخر، بل نفضل في كثير من الأحوال الاستمرار في الخطأ، إما لأن النيل من الطرف الآخر يجد هوى في نفوسنا جميعًا، وإما خوفًا على شعور المتحدث من إصابته بخيبة الأمل لا يجد له أذنًا تصغي لغيبته لأخيه.
- حقًا، لقد شعرت بها فعلًا.
- لكن هذه الخيبة ستنقلب عليك حسرة إذا علمت أنك عصيت ربك ونبيك له لغيبتك أخيك يقول الرسول: «أتدرون ما الغيبة قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» (رواه مسلم).
- لقد حفظت هذا الحديث صغيرًا وكأني اليوم اسمعه لأول مرة، فوا حسرة على كل كلمة غيبة قلتها.
- الندم وحده لا يكفي يا صاحبي.
- ماذا تقصد؟
- اقصد أنه لا بد من توبة نصوح عسى الله أن يتقبلها منا، ويعفو بها عن ذنبنا
- وهل إلى ذلك من سبيل؟
- كيف لا يكون هناك سبيل للخروج من ضيق معصية الغيبة وقد أبان الله عز وجل هذا الطريق في ختام آية الغيبة بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحجرات:12). وكيف السبيل إليها.. رحمني الله وإياك.
- إنه سبيل له معالم واضحة ولازمة والإقلاع عن الذنب أحدها، والندم على فعله ثانيها، والعزم على عدم العودة إليه مرة أخرى ثالثها، والمعاهدة على التناصح في تركها رابعها.
- الحمد لله على تيسير طريق التوبة وإنارته بتلك المعالم المضيئة؟
- لم أنته بعد من ذكرها.
- وماذا أيضاً؟
- قد بقي خامسها، فإنه يجب على المغتاب أن يتحلل من أخيه الذي نال منه، وأكل من لحمه.
- تريد أننا لا بد أن نذهب إلى سليمان ونخبره بغيبتنا له، هذه مصيبة المصائب!
- المصيبة يا أخي أن نبقى تجلدنا سياط المعصية، حتى لا يهنأ لنا بال، ولا تهدأ لنا نفس.
- باي كلمة نبدا، وأي عبارة ننتقي إنه رجل لا يعرف...؟
- احذر يا رفيقي أن تقع فيما فررت منه فما أقبح أن نخرج من نور الهداية إلى ظلمات الغواية، لنمض متوكلين على الله تعالى الذي هدانا إلى طريق التوبة، ولنستظل بسحابة المغفرة بعد قفر المعصية، ونستلذ حلاوة الطاعة بعد مرارة الخطيئة، ولنتزود بالتقوى، فإن ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ (الطلاق:2)، ولندع الله سبحانه أن يشرح صدر أخينا للهداية، ويلين قلبه لعذرنا، فيعفو عنا، ويصفح عن زللنا في حقه، إنه سميع مجيب..
فيصل بن سعود الحليبي
الكسوف: من آيات اللطيف الخبير
بقلم: خيري عمر
ملايين البشر في شتى أنحاء المعمورة تابعوا كسوف الشمس بالعين المجردة أو من خلال التلفاز أو عبر وسائل الإعلام المختلفة. ملايين المسلمين أيضاً تابعوا الظاهرة وقد ارتسمت في أذهانهم وفي أعماق قلوبهم معاني ومعالم وأبعاد قول الله عز وجل في محكم آياته: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (القصص:71_72)
كما أنهم دون شك تمثلوا في أذهانهم قول رسول الله ﷺ: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده وأنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس ولا لحياته، فإذا رأيتم منهما شيئاً فصلوا، وادعوا، حتى ينكشف ما بكم.
هذا الكون الذي تتحرك مكوناته وعناصره في دقة بالغة ومدارات منضبطة وخلال توقيتات محكمة ألا يدل على اللطيف الخبير، وحكمته البالغة ورحمته الواسعة؟ فلو شاء الله سبحانه لأوقف الحركة، ليكون الليل ممتدًا أو يكون النهار ممتدًا، ومن ثم تختل أو تنتهي حياة البشر.
إنها عظمة الله يدركها المؤمنون من خلال صنعه، ورحمته الواسعة يلمسها المؤمنون من خلال عميق حكمته وتكريمه العظيم للإنسان كما يلمسها الناس من خلال تسخير الكون للإنسان ليشيد ويعمر فينجو ويفوز، إلا أن ينحرف فيخرب ويدمر، ثم لا يجني إلا خسارة الدنيا وخسران الآخرة.
وإذا كانت الدقة البالغة في تسيير شؤون وأمور الكون بأبراجه ونجومه وكواكبه تدل على عظمة اللطيف الخبير الذي يقول للشيء كن فيكون، فإنها أيضًا دليل قدرة الذي خلق فسوى وقدر فهدى على أن يضع النهاية، لهذا الكون حين يشاء ووقتما يشاء، وأحسب أن ملايين القلوب المؤمنة قد هزتها الخشية، وحركها الخوف من الجليل القادر حين حجب القمر بظله كتلة الشمس الملتهبة لتنخفض الحرارة على الأرض درجات هي في حقيقتها مؤشر على عظيم المصاعب والمتاعب التي يمكن أن يلاقيها البشر، لو طال الكسوف أو توقفت الحركة لمجرد ساعات.
وإذا كانت ملايين القلوب قد أصابها الخوف والهلع من خلال تحذيرات الإعلام المتتالية من خطورة النظر إلى الشمس بالعين المجردة وقت كسوفها وتضاعف خوفها وهلعها مع حجب القمر للهب وحرارة وضوء الشمس، وتحول المضيء إلى ليل مظلم، أفلا يدل ذلك على ضعف وعجز البشر ساعة أو لحظة حدوث متغيرات هي في حد ذاتها نتاج طبيعي المسار أو مدار أحد الأقمار حسب ميل معين ومحدد في المحور أو الاتجاه؟ فما بالك حين يكون الخروج عن المدار أو التوقف عن الدوران، أو التصادم بين الأفلاك والكواكب ومع ذلك فالإنسان الهلوع العاجز ساعة الخطر، سريعاً ما يعتريه النسيان مع زوال الخطر، بل ربما تحول الهلوع العاجز إلى منتقم متمرد يفسد ويهدم؟!
آفات على الطريق
اليأس والقنوط.. آفة الكافرين.. حرمها الله على المؤمنين
بقلم :د.السيد محمد نوح
الحلقة الأولى
- معناها: انقطاع الأمل في الخروج من المآزق
- ومن مظاهرها: التخلي عن الالتزام بالإسلام.. القعود عن جهاد الدعوة والتربية.. تثبيط همم الملتزمين.. والثقة بأعداء الله
- ظلال من اليأس والقنوط تلف الأمة بسبب ضعف الإيمان وعدم الاعتبار بالتاريخ.. لكن بقاء الأمة.. والعودة للإسلام... ومقارعة الكافرين.. كلها حالات نجاح ترفع المعنويات
هذه الآفة يراد للأمة الإسلامية - أفرادًا وجماعات، حكامًا ومحكومين بلوغها والوقوع في شباكها وحبائلها، ولم لا وهي تؤدي إلى تراجع الأمة، وتضعفها، وهوائها على نفسها قبل هوانها على أعدائها.
إنها آفة اليأس والقنوط التي تتناول في هذه الحلقة معناها وبعض مظاهرها، مع موقف الإسلام منها، ثم نتطرق إلى البواعث والأسباب التي تؤدي إليها.
أولًا: تعريف اليأس والقنوط لغة واصطلاحًا:
- اليأس لغة يأتي على معان منها:
- انقطاع الأمل من الشيء، وأنتفاء الطمع فيه، تقول: يئس من الشيء ييأس، وييئس يائسًا وياسة انقطع أمله منه، وانتفى طمعه فيه فهو يائس، ويؤوس، ويئس ومنه يئست المرأة عقمت فهي يائسة، ويئسة، ويقال للعقيم من النساء - پائس[1].
- الذل أو القهر والخضوع، أو اللين والتصاغر، تقول: أس أيسًا، ذل وخضع، وأس فلان فلانًا: قهره، وتأيس فلان فلانًا: لان وتصاغر[2]
ولا تعارض بين المعنيين إذ انقطاع الأمل من الشيء، وانتفاء الطمع فيه يفضي إلى الذل والقهر، أو اللين والتصاغر مع الخضوع.
- اصطلاحاً هو انقطاع الرجاء في الخروج من المأزق الراهن الذي تعيشه الأمة أفراداً وجماعات حكاماً ومحكومين بصورة تفضي إلى الذل والقهر أو اللين والتصاغر - والخضوع والاستسلام[3]
- القنوط لغة:
- هو أشد اليأس من الشيء، تقول: قنط يقنط فهو قائط، وقنوط شديد اليأس منا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ (الشوری: ۲۸).
- هو اليأس نفسه ومنه قوله تعالى في التنزيل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ (الزمر:53)[4].
- اصطلاحًا: هو شدة انقطاع الرجاء في الخروج من المأزق الراهن الذي تعيشه الأمة أفرادًا وجماعات حكامًا ومحكومين بصورة تقضي إلى الذل والقهر أو اللين والتصاغر والخضوع والاستسلام[5]
ثانيًا: بعض المظاهر الدالة على اليأس والقنوط مع بيان موقف الإسلام منها:
وهناك مظاهر كثيرة تدل على اليأس والقنوط نذكر منها:
- التخلي عن الالتزام بالإسلام بدعوى أن الالتزام بالإسلام جر علينا ويلات وويلات وأعطى الأعداء فرصة لحربنا مرة باسم الإرهاب، وثانية باسم التطرف، وثالثة باسم الأصولية ... وهكذا.
- القعود عن جهاد الدعوة إلى الله والتربية بدعوى أننا ندعو الآخرين وتربيهم على العمل بدين الله ولدين الله، من أجل تصدير هؤلاء إلى سجون ومعتقلات الطغاة والجبارين الذين ابتليت بهم هذه الأمة، أو بدعوى أن ما نصل إليه من نجاح مع هؤلاء في سنوات تهدمه وسائل الإعلام، ومدارس ومعاهد التعليم ذات التوجه المخالف لعقيدة الأمة في لحظات.
- عدم الثقة بأي شيء ينتمي إلى الإسلام سواء في المجال الاقتصادي، أو التعليمي، أو الصحي، أو الإعلامي، أو السياسي أو الاجتماعي، أو غير ذلك من المجالات، بل السخرية والاستهزاء.
- تثبيط همم الملتزمين بالإسلام، والداعين إليه، بدعوى: «أنتم ما عملتم شيئًا سوى إقناء أعماركم في سلسلة طويلة من الشدائد والامتحانات عادت بالضرر عليكم وعلى أهليكم وذويكم، بل على الأمة جميعًا».
- الثقة المطلقة بأعداء الأمة بدعوى نجاحهم في كل شيء، أو إمساكهم بزمام العالم، وقدرتهم على متابعتنا، وملاحقتنا حتى في مخادع النوم وإنزال الضرر بنا إن أرادوا.
- - تصديق أعداء الأمة في كل ما يقولونه عنا لاسيما في مجال تشويه تاريخنا، ومسيرتنا الإسلامية، بل ترديد ذلك، وإشاعته، وإذاعته بيننا بكل ما يمكن من أساليب ووسائل إلى غير ذلك من المظاهر الدالة على اليأس والقنوط.
هذا.. ويقف الإسلام من هذه الآفة موقف المحرم لها، الرافض الوقوع في حبائلها وشباكها، ومن باب أولى الدعوة إليها، قال تعالى على لسان يعقوب - عليه السلام - وهو يستحث أبناء على الضرب في الأرض طلبًا ليوسف وأخيه، يحدوهم الأمل والرجاء في الله دون يأس أو قنوط من باب أن اليأس والقنوط من أخلاق الكافرين.
﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف:87).
يقول الإمام الألوسي - رحمه الله: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾: أي لا تقنطوا من فرجه سبحانه، وتنفيسه ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾: لعدم علمهم بالله تعالى وصفاته، فإن العارف لا يقنط في حال من الأحوال، أو تأكيداً لما يعلمونه من ذلك[6].
وقال تعالى مبيناً أنه من أخلاق الكافرين في أكثر من آية منها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَٰئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (العنكبوت:23)..
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ (الممتحنة:13).
وفي معنى يأس هؤلاء قال ابن جرير الطبري:
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ فقال بعضهم: معنى ذلك قد يئس هؤلاء القوم الذين غضب الله عليهم من اليهود من ثواب الله في الآخرة، وأن يبعثوا كما يئس الكفار الأحياء من أمواتهم الذين هم في القبور أن يرجعوا إليهم... وقال آخرون: بل معنى ذلك قد ينسوا من الآخرة أن يرحمهم الله فيها، ويغفر لهم، كما يئس الكفار الذين هم أصحاب قبور قد ماتوا، وصاروا إلى القبور من رحمة الله وعفوه عنهم في الآخرة. لأنهم قد أيقنوا بعذاب الله لهم، ثم ساق من المأثور ما يؤيد كلاً من القولين[7].
من وقد وصف الله تعالى الإنسان بأنه يئوس كفور في سورة هود، وبأنه «ينوس» في سورة الإسراء، وبأنه يئوس قنوط في سورة فصلت.
والإنسان في هذه الآيات الثلاث هو الكافر أو الذي يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة.
وقد دعا تعالى صراحة إلى التحرر من اليأس والقنوط بقوله سبحانه ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر:53).
ولا يقولن قائل كيف يكون اليأس حراماً، والله حكى عن الأنبياء سريانه إلى نفوسهم بقوله: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (يوسف:110).
والجواب أن في تحديد المراد من الاستيناس هنا أقوالاً، منها:
1 - أن الرسل أيسوا من إيمان قومهم، وأن قومهم ظنوا أن الرسل كذبوا بدليل ما رواه الطبري بأسانيد متنوعة من طريق عمران بن الحارث، وسعيد بن جبير، وأبي الضحى، وعلي بن أبي طلحة، والعوفي، كلهم عن ابن عباس في هذه الآية قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا[8] جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾
وعند النسائي من طريق أخرى عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: وقد كذبوا قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا[9] جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾
2- أو أن الرسل كانت تخاف بعد أن وعدهم الله النصر أن يتخلف النصر لا من تهمة بوعد الله، بل لتهمة النفوس أن تكون قد أحدثت حدثًا ينقض ذلك الشرط، فكان الأمر إذا طال، واشتد البلاء عليهم دخلهم الظن من هذه الجهة[10]، والراجح هو القول الأول تنزيهًا للرسل الذين جاءوا لزرع الثقة والأمل في النفوس بعد اقتلاع جذور اليأس والقنوط[11]
ثالثاً: أسباب وبواعث تؤدي إلى الشعور باليأس والقنوط كثيرة نذكر منها:
- كثرة الإخفاق، ودوام الفشل مع إهمال النفس من المحاسبة
ذلك أن المرء عرضة في عمله للنجاح والفشل والفوز والإخفاق، بيد أن الإخفاق إذا كثر، وتتابع الفشل، ولم يراجع المرء نفسه ليعرف سبب هذا الإخفاق، وبواعث هذا الفشل، ويعمل على التخلص منها، فإنه قد يصاب بنوع من اليأس والقنوط ينتهيان به إلى أثر أو أكثر من آثار اليأس والقنوط التي سنعرض لها بعد قليل.
والمتأمل في جهاد الأمة المسلمة في نهاية القرن الميلادي الماضي وهذا القرن يجد أن هذه الأمة بذلت الكثير من نفسها ومالها لتطهير أرضها من الغاصبين والمحتلين، ولكن المتربصين ممن لا دين لهم ولا خلاق من أبناء هذه الأمة استطاعوا، بطريق أو بأخرى - سرقة هذا الجهاد، وتوظيفه لصالح الغاصبين المحتلين من ناحية، وتحقيق مآربهم ومصالحهم الشخصية من ناحية أخرى ولم تفكر الأمة في مراجعة نفسها، ومعرفة سبب هذه المحنة، بل سبب تكرارها في أكثر من مكان الأمر الذي يوشك أن يلقي على الأمة ظلالًا من اليأس والقنوط، إلا أن تتداركها رحمة الله - عز وجل - وقس على ذلك تصفية شركات توظيف الأموال، وحل النقابات والجمعيات العلمية، ونوادي أعضاء هيئة التدريس، وتغيير مناهج التعليم وتشويه تاريخ الأمة المجيد في أكثر من بلد وناحية مع إهمال البحث عن سبب ذلك، والعمل على التخلص منه، ومداواته بما يناسب من الدواء.
- الجهل بموقف الإسلام من اليأس والقنوط
ذلك أن الإسلام يحرم اليأس والقنوط، ويحذر منهما أشد التحذير على النحو الذي مضى انفاً. والجهل بهذا الموقف يوقع المرء فيهما دون أدنى شعور من وخز النفس وتردد الصدر.
3 - الوقوف عند حالات الفشل مع نسيان حالات النجاح في الماضي والحاضر:
ذلك أن حياة المرء لا تخلو من حالات نجاح وحالات فشل، وقد يقف عند حالات الفشل ناسياً أو متناسياً حالات النجاح، وعند ذلك يصاب باليأس والقنوط
وبالمثل لا تخلو حياة الأمة المسلمة من حالات نجاح لا حصر لها حسبنا بقاؤها عزيزة الجانب مرهوبة الكلمة ثلاثة عشر قرنًا من الزمان، وحسبنا الإقبال على الإسلام اليوم من غير المسلمين بصورة عديمة النظير، بل إقبال الكثير من المسلمين لاسيما الناشئة والشباب على الالتزام بالإسلام والغيرة أشد الغيرة لانتهاك الحرمات في النفس، والمال، والعرض والأوطان والمقدسات، ومقارعة الكافرين والمستعمرين في أفغانستان، والبوسنة والهرسك، وفلسطين.... وغيرها، بل العمل على تطبيق شرع الله في كل شيء، وإن غضب الكافرون، وأذنابهم، كما في السودان ولكن لا تخلو حياة الأمة كذلك من جوانب الفشل على النحو الذي تعيشه الآن والوقوف عند جوانب الفشل هذه، ونسيان جوانب النجاح - وما أكثرها - يوقعها لا محالة في اليأس والقنوط.
الهوامش
[1] انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٣٦٢/٤ مادة ينس ١٠/ ٥٣ مادة «أيس»، وعمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ الأحمد بن يوسف المعروف بالسمين الحلبي ت ٧٥٦ هـ ٤٠١/٤ - ٤٠٢، والقاموس المحيط للفيروزآبادي ۲ ۲۸۹ مادة ايس ۲/ ۳۷۹ مادة:
ينس» والمعجم الوسيط ١/ ١٠٦٢/٢٣٤
[2] انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٣٦٢/٤ مادة ينس ١٠/ ٥٣ مادة «أيس»، وعمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ الأحمد بن يوسف المعروف بالسمين الحلبي ت ٧٥٦ هـ ٤٠١/٤ - ٤٠٢، والقاموس المحيط للفيروزآبادي ۲ ۲۸۹ مادة ايس ۲/ ۳۷۹ مادة:
ينس والمعجم الوسيط ١/ ١٠٦٢/٢٣٤
[3] المرجع السابق
[4]، 5 النهاية في ۲۷۹، وعمدة في غريب الحديث والأثر ٢ الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ ٤٠١/٣، والقاموس المحيط ٥٦٢/٢ والمعجم الوسيط ٢/ ٧٦٢ مادة قنطه بتصرف
[6] روح المعاني ١٣ / ٤٤ المجلد الخامس
[7] جامع البيان ٥٤٠٥٣/٢٨
[8] جامع البيان في تفسير القرآن ١٣/ ٥٤ - ٥٦ م ٧، وعنه نقل ابن حجر في فتح الباري ٣٦٨/٨
[9] انظر: السنن الكبرى كتاب التفسير: باب قوله تعالى: حتى إذ استياس الرسل٧٣٠/٦ رقم ١١٢٥٧ من حديث ابن عباس بهذا اللفظ وقال عنه ابن حجر في فتح الباري ٣٦٩/٨ وإسناده حسن
[10] جامع البيان في تفسير القرآن ١٣ / ٥٦ - ٥٧ م ٧، وعنه نقل ابن حجر في فتح الباري ٣٦٨/٨.
[11] جامع البيان في تفسير القرآن ١٣ / ٥٧ - ٥٨ م٧. وعنه نقل ابن حجر في فتح الباري ٣٦٩/٨
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل