; المجتمع التربوي (1469) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1469)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2001

مشاهدات 58

نشر في العدد 1469

نشر في الصفحة 54

السبت 22-سبتمبر-2001

للوعظ إشراقة حلوة.. ليتها تعود إلى مناهج التربية

جمال المعاند

  • أسلوب تربوي استخدمه القرآن وطبقته السنة وعرفه المسلمون طوال تاريخهم
  • المنهج القرآني ينوع ما بين الوعظ بالقصة والمثل والاتعاظ بالآخر

عندما تفيض الدموع من المآقي، وتكاد السرائر تتبدى يكون الأمر قد لامس شغاف القلوب، حينئذ تغيض الآمال، وتعاد الحسابات. إنها وقفة مع الذات ونحن في دوامة الحياة، ولا يكون ذلك إلا بعظة بالغة تنفذ إلى أعماق الوجدان.. فما الذي يعتمل في الوجدان؟ وكيف يقوم الوعظ بهذه المهمة؟

إن ما يجيش في الصدور هو العواطف وما يرافقها من الانفعالات، تحركها الإثارة التي قد تكون عظة صادقة فتعيد ترتيب الأولويات، وتعطي زخمًا لأمر دون آخر، فيولد طاقة في النفس تنجز عملًا ما في الغالب.

لكن هل ثمة علاقة بين الوعظ والتربية؟

لا بد بداية من التذكير بالنواحي التي تهتم بها التربية، وهي الناحية المعرفية التي تقوم على العلم وتتعامل مع العقل، وأخرى مهارية تضطلع بدربة الأطراف، وثالثة نفسية تعنى بالوجدان، مما يتبعه من دافعية تولد الدوافع، وبين هذه الخطوط الثلاثة تُبنى التربية الشخصية المتزنة التي تتمتع بالحيوية والإيجابية.

وكلما تقدمت البحوث التربوية كشفت عن جوانب من النفس البشرية، وطرف للتعامل معها، فالوجدان سمة في النفس، ومنحى رئيس في تكوينها، وهو مكمن العواطف، يحتاج إلى عناية، مثلما أن الجسد محتاج إلى طعام، والذهن إلى المعرفة، فالتربية بالعواطف أصبحت مبحثًا مستقلًا، يعني بصقل المهارات الوجدانية التي غدت مطلبًا تربويًا يضاف إلى المهارات المعرفية والحركية، ويعتمد ذلك على إثارة الانفعال الذي غالبًا ما يؤدي إلى استجابة سلوكية، ومرة إثر مرة تعاد العملية وبطرق متنوعة، من ثم يحصل تقويم لهذه الاستجابة، حتى يتولد الاستعداد الوجداني وهو بيت القصيد لأنه ينتج عالمًا سلوكًا يتناسب وهذا الاستعداد.

ومن عظمة تربيتنا الإسلامية، أنها لم تغفل أسلوبًا تربويًا إلا وظفته في تكوين الإنسان المسلم، وهي التعامل مع الوجدان بأساليب متنوعة لعل الوعظ أبرزها، وقد عرفه المسلمون منذ ما يزيد على أربعة عشر قرنًا أسلوبًا تربويًا له بالغ الأثر في تكوين الوجدان السليم، بينما لم تعرفة التربية الحديثة إلا عندما تقدم العلم في ميادين النفس ونضجت طرق التعليم فأفردت مبحثًا مستقلًا للتربية بالعاطفة.

وكثيرة في الآيات التي أشارت إلى الوعظ لكن قوله تعالى ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ﴾ (سورة النحل آية 125)، دل بوضوح على أن مع الحكمة بأنواعها وأساليبها، لا بد من اعتماد منهج تربوي آخر يقوم على معرفة النفس الإنسانية ومساربها الخفية والظاهرة، وهو الوعظ.

الوعظ في القرآن

ولو أمعنا النظر في الآيات التي أومأت إلى الوعظ، لأدهشنا طيفها الواسع، فمن قصة تحمل عبرة إلى لفت النظر إلى آية كونية أو محاكمة عقلية تستثير الدافع.. وهكذا، ولو حاولنا دراسة كل لون وعظي قرآني لطال بنا المقام، لكن حسبنا قطوف توضح دور الوعظ تربويًا.

الموعظة بالقصة

الموعظة بالقصة أسلوب قرآني فذ، إذ نرى سردًا لحوادث تاريخية معينة، ولو دققنا النظر لخلصنا إلى أهداف للقصة القرآنية منها: العبرة والعظة، أو معلومة تفصيلية تسلط الضوء على جانب نفسي أو شرعي، أو تكرار يهدف إلى ترسيخ الفكرة، فتكتمل الصورة الوعظية لتصبح مجسمة أكثر، كأنها بأبعاد ثلاثة تنبض بالحياة فتغدو عصية على النسيان، ومن ثم تتحول إلى أسلوب سلوكي بعيدًا عن مجريات القصة وشخوصها والأمثلة القرآنية كثيرة، كقصة سيدنا موسى عليه السلام.

وينداح المنهج القرآني في الوسط تربويًا إلى أنواع أخرى، منها الاتعاظ بالآخر، فنجد أن الحدود لا تقام على مقترفيها في أماكن مغلقة، وإنما على مرأى من الناس ومسمع قال تعالى: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ (سورة النور آية 2).

أليس تطبيق الحد بهذا الأسلوب هو عظة تحدث رادعًا عن ارتكاب مثله، فهو بذلك أسلوب تربوي يهدف إلى تكوين الوازع لدي الفرد، وهو نوع من تربية العواطف للحفاظ على سلامة المجتمع؟

أما السنة النبوية فإنها تزخر بالمواعظ، وتقدم نماذج تربوية قل نظيرها، منها ما يعتمد على التذكير حتى لا يتراكم غبار النسيان في الذاكرة، من ذلك ما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: «إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتخولنا بالموعظة».

بل نجد أن كلامه صلى الله عليه وسلم يلامس أوتار الوجدان عند أصحابه الكرام رضي الله عنهم، فقد روى الترمذي وأبو داود عن العرباض ابن سارية رضي الله عنه قال: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون».

وهل توجل القلوب إلا عندما تعالج الصدور وتلتهب العواطف؟

ومن وعظه صلى الله عليه وسلم لتربية أصحابه أساليب شتى منها التشبيه بالمثل المحسوس، ومثال ما أخرجه الترمذي عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء».

وصورة أخرى من رياض الوعظ النبوي تمثل اهتبال الفرص واغتنام السوانح، وتعتمد على المشاهدة الحية لتربية النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر ابن عبد الله رضي الله عنه «أن الرسول صلى الله عليه وسلم مر بالسوق داخلًا مع بعض أهل العالية، والناس كنفتيه، فمر بجدي أسك، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: أتحبون إنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حيًا لكان عيبًا أنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال صلى الله عليه وسلم: فوالله للدنيا لأهون على الله من هذا عليكم».

هذه الأساليب التربوية النبوية التي تقوم على الوعظ هي غيض من فيض، فكتب السنة المطهرة مليئة، وشواهدها كثيرة لا يتسع المجال لذكرها، إنما القصد الدلالة على لون الوعظ تربويًا من السنة الشريفة.

الوعظ عند الصحابة والتابعين

وسار المسلمون على هذا النهج، وغدا الوعظ أسلوبًا تربويًا إسلاميًا، ومن عهد الصحابة رضي الله عنهم نقرأ قصصًا توضح ذلك، ومنها على سبيل المثال قصة سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه عندما رأى انشغال الناس بالدنيا وبعدهم عن المساجد، فوقف في السوق ونادي بأعلى صوته: «إن ميراث محمد صلى الله عليه وسلم يوزع في المسجد» فهرع الناس إليه لينظروا ما هو هذا الميراث فوجدوا حلقة علم.

وتبنى التابعون الوعظ، واشتهر منهم كثيرون، لعل الإمام الحسن البصري – رحمه الله – يعد إمامهم، ولم يخل جيل إسلامي من الوعاظ مما يدل على أن التربية الإسلامية أولت الوعظ مكانة خاصة لما يسهم به في تكوين الشخصية الإسلامية الملتزمة.

أسئلة مهمة

لكن ثمة أسئلة تتبادر إلى الذهن:

هل كل عالم يصلح أن يكون واعظًا؟ وهل يصلح كل مفوه أن يكون واعظًا؟ وما الفرق بين دغدغه العواطف وتحريك العواطف وأيهما الإيجابي؟ ولماذا لا يؤتي الوعظ أكله في زماننا تربويًا؟

وعن السؤال الأول اكتفي بالإجابة من أخبار سلفنا الصالح:

سئل الإمام سفيان الثوري – رحمه الله – عن صالح المري، وكان نجم الوعاظ في زمانه، فقال:  «ليس صالح قاصًا، وإنما هو نذير قوم».

وروي أن عمر بن ذر سأل أباه، وكان واعظًا: «يا أبت مالك إذا تكلمت أبكيت الناس، وإذا تكلم غيرك لم يبكهم؟ فأجابه: يا بني ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة»!

أما السؤال الثاني عن الفرق بين السلبي والإيجابي في تحريك العواطف، فهو أن الدغدغة تهدف إلى تحريك الغرائز وما يتبعها من شهوات أو استغلال نقاط الضعف في إنسان من إثارة للشفقة أو مغالطات التساهل... إلخ، فإنها أمور أقل ما يقال فيها إنها غير سامية، أما أن تحرك العواطف وتثار الانفعالات لأمور سامية مثل الجهاد والتكافل الاجتماعي وزيادة الصلة بالله فإنها أمور مطلوبة وجليلة.

أسباب جمود الوعظ

أما الوعظ في زماننا فقد غلب عليه الجمود واعتراه الوهن، وبات تأثيره ضعيفًا أو معدومًا، وذلك – برأيي – يعود لأسباب عدة:

أولها: الران الذي غطى القلوب، وترسب عليها، فلم ينفذ إليها من أشعة النور إلا القدر اليسير، بل إن قلوبنا – والعياذ بالله – من الذنوب تعكس النور ولا تستفيد منها!

وأمر ثانٍ هو ما ظنه بعض الخطباء والوعاظ من أن تحريك العواطف أمر غير مرغوب فيه، وأنه يتنافى مع الرصانة والحصافة، لذا اعتمد على الطرق العقلية البحتة من سرد تاريخي، أو مقارنة أو تحليل أو عرض، ولعمر الله إنها لفكرة تتجافى مع الحقيقة والعلم اللذين يقران بأن الوجدان أحد مكونات النفس، وأن تحريكه ضرورة لتوليد الدوافع، وتكوين الاستعداد الذي ينظم السلوك ويشرف عليه.

وثالث الأمور هو ثالثة الأثافي، ومكمن المقتل، وهو أن كثيرًا من وعاظنا اليوم لا يدركون أن الوعظ مهارة تربوية تحتاج مع العلم والدربة إلى مراقبة الله سبحانه وتعالى، فللأسف أن سوادهم الأعظم اتخذوا الوعظ حرفة لا تنبع من عقيدة حارة دافعة، فكما هو يدعي أن القدوة لها أثر كبير في حياة الناس، ومكانة ينظر الناس إليها كما ينظر الطير إلى اللحم، تحصي خطواتها وسكناتها، فنجد أن أغلب من يتصدى للوعظ اليوم يتناسى هذا، فتراه يقول ما لا يفعل، وحاله يخالف مقاله، كان له إنسانًا ثانيًا يقول للناس لا تصدقوني! يحث الناس على الزهد وهو غارق في الكماليات ويرغب مستمعيه في التضحية، وهو أحرص الناس على حياة، فلا غرو في ازورار الناس عنه، ورفضهم لكلامه.

إذ يجب أن ينظر إلى الوعظ على أنه أسلوب تربوي يعتمد العلم ويحيا بالإخلاص ويسعى لتحقيق أهداف، ويحتاج إلى دربة، حتى يتمكن من الإسهام في بناء الشخصية الإسلامية المتكاملة، ويتم ذلك عبر شد الانتباه لإيقاظ الفكر، وحث الانفعال فيصبح المتلقي مهيئًا نفسيًا وعقليًا للتلقي ويكون ذلك بطرق عدة منها قصة معبرة أو منظر مؤثر فتحدث هزة تضرب الأعماق فتهيج العواطف، فيجد الإنسان نفسه أمام الغاية الكبرى من وجوده – وهي مرضاة الله تبارك وتعالى – فتتضح الرؤية وينصر الطريق بعدما اكتنفه الغموض، فلنعد إلى هذا الأسلوب التربوي المتغير في تربيتنا الإسلامية، لأن دوره التربوي عظيم وآثاره جليلة تستحق فعلًا مكانة خاصة في حياتنا، فهو يساعدنا على تحمل أعباء الحياة برفدنا بالخبرة، مما يثري أبعاد أحكامنا على أي أمر، ويجعلنا متيقظين لئلا ننزلق في مسارب التلبيس ونقع في مصائد الشيطان.

نور على الدرب

أختي الفاضلة

يا من اختارك الله نبراسًا تضيئين الطريق للمدلجين في حالك الظلم.. ليصلوا إلى بر الأمان.. يا من عظم الله من فضلك وأجرك، وعظم قدرك حتى فاقت منزلتك منزلة الرجال الذين جعلهم الله قوامين على النساء..  ألم يرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قدرك في جواب لمن سأله: من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أمك، قال ثم من؟  قال: أمك، قال ثم من؟ قال أبوك.

أنتِ المدرسة الأولى للطفل.. تغرسين فيه الأخلاق الإسلامية إن شئتِ، وإن أردتِ جعلت منه ببغاء يتصيد أعمال الآخرين وأقوالهم، ليكونوا قادة لهم في البغي والضلال.

أختي فليكن همك – أولًا – غرس الفضائل الإيمانية فيه، فهو صفحة بيضاء.. كوني خير قدوة له.. ألم يقل المصطفى صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل؟».

فأنتِ والله، الأم، والخيل، والصاحب، وكل شيء بالنسبة لطفلك فيك يقتدي، وبهديك الوضاء يهتدي.

أختي: لا يكن همك التنافس مع صويحباتك على الدنيا وبهارجها، ولا تدعي الحسد يأكل قلبك إن حازت إحدى صديقاتك قصب السبق في تقصي آخر أنواع الموضة أو وفقت لبناء قصر فاخر... أو... أو.

علمي أطفالك الصدق دائمًا في الجد والهزل ولتكوني قدوة في ذلك.. لا تغرنك المكانة التي قد يحصل عليها من يراوغ ويكذب، ولا البسمات التي توشي من يتكلم كذبًا لينال إعجاب الناس، وهنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ويل لمن كذب ليضحك الناس.. ويل له، ويل له».

وكما يقولون: «إن كان في الصدق النجاة فإن في الكذب الهلكة»

وقديمًا قالوا: «إذا كان الكذب ينجي فالصدق أنجى وأنجي».

هيفاء علوان

ذنوب استهان بها كثير من الناس (2 من 3)

بالإحسان والزهد عما في أيدي الناس تمتلك قلوبهم ونفوسهم

لا تعط المخلوق في مخاطبته قلبك وتعطي الله في الصلاة لسانك فقط

سید مصطفی جویل

نتناول في هذه السلسلة 19 سببًا تحط صاحبها عن مرتبة التميز بين الناس، ويستهين بها الكثيرون، وقد تناولنا في العدد الماضي خمسة منها، وهي: الغفلة عن أوامر الله، وترك محاسبة النفس، وضعف تجديد النية لدى كل قول أو عمل، والجزع عند الابتلاء، وضعف تحصيل العلم وقلة تطبيق ما تم تعلمه، وأخيرًا: ضعف الهمة في طلب النفوذ إلى الله والدار الآخرة.

اليوم نتحدث عن ثمانية جدد من هذه الأسباب التسعة عشر كما يلي:

6 - ضعف الخشوع في الصلاة: فللعبد بين يدي ربه موقفان: موقف بين يديه في الصلاة وموقف بين يديه يوم لقائه، فمن قام بحق الموقف الأول هون الله عليه الموقف الآخر، ومن استهان بهذا الموقف ولم يوفه حقه شدد عليه في ذلك.. فلا تعط المخلوق في مخاطبته قلبك، وتعط الله بدنك ولسانك، دون قلبك وروحك.

7 - الأمن من مكر الله، والعجب بالعمل والتزين لغير الله: إن أبعد القلوب عن الله تلك القلوب المتكبرة المعجبة بأنفسها وعلمها وعملها، وأقرب القلوب إليه القلوب المنكسرة لديه:

قال الإمام الشافعي – رحمه الله:

على قدر علم المرء يعظم خوفه

                                            ولا عالم إلا من الله خائف

وأمن مكر الله بالله جاهل

                                      وخائف من مكر الله بالله عارف

فلنحذر التزين بالعلم، كما نحذر العجب به.

8 - الإساءة إلى الناس بالقول أو الفعل: الإنسان عبد الإحسان، وقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها، فهؤلاء الذين يسيئون إلى الناس إنما يبغضونهم فيهم وفي العقيدة التي يعتقدونها، خاصة إذا كانت هذه الإساءة في حقوق الناس وأموالهم كالذين يستحلون أجرة الأجير فلا يعطونه إياها، أو يماطلونه في أدائها، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن هناك ثلاثة سيكون خصمهم يوم القيامة منهم «رجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه حقه» ولذلك قيل: «لا يغرنك من المرء قميص رفعه بل لدى الدرهم انظر فيه وورعه»

9 - مدح الأشخاص في وجوههم وبما ليس فيهم طمعًا في أموالهم ورغبة في قضاء الحوائج من خلالهم: قال عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه: «إن الرجل ليخرج من بيته ومعه دينه فيلقى الرجل له إليه حاجة فيثني عليه، وعسى ألا يحظى من حاجته بشيء فيرجع بسخط الله عليه، وما معه من دينه من شيء»، وقد قيل: الطمع يذل الأمير واليأس يعز الفقير.

والمقصود باليأس هنا قطع الطمع عما في أيدي الناس وإقلال الحوائج إليهم، بالفزع إلى الله عند كل فاقة.

لذلك ليس أنفع في الدنيا للعلماء من جمع المال فإنه إذا أضيف إلى العلم حيز الكمال، واستغنى صاحبه عن الناس.

إن الفقر يؤدي إلى حب الدنيا، وحب الدنيا يؤدي إلى النفاق في التدين، أما إذا كان عند العالم ما يكفيه ثم طلب بمخالطة الناس زيادة أمواله فذلك من أهل الشره، خارج من حير العلماء.

10 -  الغش في المعاملات: جعل النبي صلى الله عليه وسلم الغشاش خارجًا عن سنته بقوله: «من غشنا فليس منا».

لقد كان هناك بائع ألبان يشوب الماء باللبن، فجاء سيل فذهب بالغنم فجعل يبكي، فهتف به هاتف: اجتمعت تلك القطرات فصارت سيلًا.

إن على كل غلطة تبعة، وربما جمعت لضرب العاصي بالحجر الدامغ، وربما خفي على الناس سبب العقوبة فقيل: حدود لذنوب خفية، صار استيفاؤها ظاهرًا.

وقد ذكر ابن الجوزي تجربة شخصية له فقال: أطلقت نظري فيما لا يحل لي ثم كنت أنتظر العقوبة فألجئت إلى سفر لا نية فيه، فلقيت المشاق.

11 - إهمال تربية الأولاد ونصيحتهم والحرص عليهم قولًا وفعلًا: كثير من المسلمين يتركون تربية أولادهم للأم وحدها أو المدرسة وحدها، مما يجعل الأبناء فريسة سهلة لأصدقاء السوء وجنون الفضائيات وفساد أشرطة الفيديو، وعربدة الإنترنت، ولننظر كيف كان حرص سلفنا الصالح على توجيه أبنائهم.

قال سعيد بن المسيب لابنه: إني لأزيد في الصلاة من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك.

وقال سفيان بن عيينة: قال لي أبي وقد بلغت خمسة عشر عامًا: إنه قد انقضت عنك شرائع الصبا، فاتبع الخير تكن من أهله.

إن كثيرًا من الآباء لديهم من الطاقات بفضل الله ما يمكنهم من حسن تربية أولادهم، ولكنهم يقصرون، وينبغي لمن له أنفة أن يأنف من التقصير الممكن دفعه عن النفس.

12 - تناول طعام لم يُدع إليه: عد العلماء هذا من أنواع أكل الحرام إلا عند شخص تعلم أنه يفرح بذلك، لأنه لا يحل له مال امرئ مسلم، إلا عن طيب نفس منه، وقد يحدث في ولائم الزواج أن يدعى شخص فيتبعه اثنان أو ثلاثة.

ولقد روى البخاري ومسلم عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: دعا رجل النبي صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه له خامس خمسة، فتبعهم رجل فلما بلغ الباب قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذا تبعنا، فإن شئت أن تأذن له، وإن شئت رجع» فقال: بل آذن له يا رسول الله.

إن عفة النفس عما في أيدي الناس أفضل من سماء النفس بالبذل، وإن كل بلاء يدخل إلى القلب بالفضول، وهذا التطفل من فضول الطعام الذي لا يصعب على المسلم أن يستغني عنه، حتى لا يذله أحد.

13 - الاختلاط بين الرجال والنساء الأجانب: إن هذا الاختلاط تنتج عنه الفواحش، قيل لامرأة زنت بعبدها– وكانت شريفة قومها: «لم زنيتِ بعبدك وأنتِ سيدة قومك؟ فقالت: قرب الوساد وطول السواد»، أي أن كثرة المخالطة، وطول المحادثة، خرجا بها قليلًا عن حشمتها، ثم من شرفها حتى وقعت في عار الزنا.


أناجيك.. أيها الدين العظيم

أيها الإسلام العظيم نناجيك مناجاة ملؤها الاعتذار من قلوب تتقطع حسرة وألمًا على تنكر فئة مارقة من المنتسبين زورًا إليك: ﴿مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ﴾ (سورة المائدة آية 41)، قوم ناصبوك العداء، وقابلوا إحسانك بالجفاء، وتجردوا من قيمك الخالدة وشريعتك الطاهرة. 
نناجيك، ونحن نستشعر الذنب العظيم في معاداتك والاستماتة في إقصائك عن جل مناحي الحياة، والتظاهر على مبادئك بالإثم والعدوان! استجابة لأعدائك الذين لا هم لهم إلا وأدك وتشويه صورتك البهية الناصعة، وتحجيم دورك المشرق، وتجفيف منابعك العذبة الصافية.
هؤلاء الأذناب – ومن ورائهم الأرباب –  تعاونوا جميعًا في إحلال أنظمتهم وأهوائهم الفاسدة مكان قيمك الخالدة، فشقوا وأشقوا واستكانت أنفسهم على ذلك وعاثوا في الأرض فسادًا وجروا الخليفة إلى أقصى دركات الانحطاط، وأحلوا قومهم دار البوار فأصبحت تعيش غربة في الديار، وأبناؤك في كربة وحصار، ومبادئك في عزلة وانحسار، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير. 
أيها الدين الخالد: إنه ليؤلمنا أشد الألم كيد أعدائك الذين يختلقون لإقصائك الأعذار، فما يزيدك ذلك إلا منعة وكمالًا، ولا يزيد أتباعك إلا قوة واحتمالًا، فبهرت الأبصار، وسعدت بك الأمصار، واستقامت بك الأمور، وأخرج الله بك الناس من الظلمات إلى النور.
ديننا السامي: عزاؤنا أن الله يأبى إلا أن يتمك فأنت نوره ومنته وفضله وعطاؤه لهذه البشرية التي لا تزال وستظل ترمقك بأبصارها وهي تعيش زمن التردي والضياع وتتطلع شوقًا إلى عودة أنوارك الساطعة، وتشكو إليك أحوالها، وتعلق عليك آمالها، وتنتظر فجرك القريب.
إسلامنا: معذرة إذا تحاول الأوغاد على جنابك العظيم، وصرحك السامق الكريم.. معذرة إذا نال منك الطغاة أو وصموك بأقبح الصفات، أو تقولوا عليك الأقاويل، فوالله ما هم إلا حشرات تريد أن تنال من رياضك النضرة، وأنى لهم الحياة في أجوائك العطرة التي تستمد نورها من نور الذي ارتضاك للناس دينًا؟!
نورنا المبين: نحن إذ نقف أمام جلالك ومهابتك وسمتك الحسن في محبة واستحياء وخضوع، ليؤلمنا ما نسمع ونقرأ للسفهاء من أعدائك وأبواقهم وهم يتطاولون على مقامك النقي بالغمز واللمز والانتقاص منك بمقالات فاحشة ركيكة – أجل الله مقامك – مقالات يندى لها الجبين ويدحضها نورك المبين وجنابك المتين، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا.
يخاطبني السفيه بكل قبح
                                            فأكره أن أكون له مجيبًا 
یزید سفاهة وأزيد حلمًا
                                             كعود زاده الإحراق طيبًا
يا ويح قومي ما الذي صنعت بهم حتى يقابلوا أياديك البيضاء بتلك الأيادي السوداء، ألم تكن سبب عزتهم؟ ألم تكن مجدًا خالدًا محا بك الله ممالك الطغيان وأشرقت بك الأرض بعد طول ظلام، وسموت بالعرب فوق الأنام، وصيرتهم سادة أمم بعد أن كانوا رعاة إبل وأغنام؟
يا ويحهم.. ما جريرتك عندما أقصوك؟ ما الشطط الذي أوقعتهم به عندما عصوك؟ ماذا رأوا فيك من عجز عندما انتقصوك؟ 
كم تطلبون لنا عيبًا فيعجزكم
                                          ويكره الله ما تأتون والكرم
لقد ركبوا هواهم، وتقدمهم أشقاهم، فطغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، نحوك جانبًا وتشدقوا بالشعارات فلم يحققوا أدنى كرامة، ولم يرفع أحد منهم بك هامة ،فأصبحوا أصنامًا مؤلهة ومسوخًا مشوهة، واقعهم طأطأة الرؤوس، وظاهرهم اختيال الطواويس، باعوا الذمم وثبطوا الهمم واشتروا بها ثمنًا فبئس ما يشترون.
قوم إذا صفع النعال قفيهم
                                        شكت النعال بأي ذنب تصفع
يا عزنا ومجدنا التليد: ألم تتقازم أمام عظمتك كل الديانات؟ ألم تتهاوى أمامها أصنام الكفر والوثنيات؟ ألم تخضع لحضارتك كل الحضارات.. 
فأي دين أنت؟ وأي هبة ونعمة توازي نعمتك التي من الله بها على الجنة والناس أجمعين. 
قد ينكر الفم طعم الماء من سقم
                                              وتنكر العين ضوء الشمس من رمد 
لقد آن لنا أن نتيه بك فخرًا وعزًا، وآن للبشرية أن ترفع عقيرتها بتمجيدك، ونشر محاسنك ومكارمك الجليلة، كل أمة تدعو من يليها حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
 

جدد خريطة حياتك

لكل إنسان منا في هذه الحياة خريطة داخلية بعقله يسير عليها، وتشكل الخبرات والتجارب والقيم الجزء الأكبر في تشكيل ورسم هذه الخريطة، وتغير باستمرار من صورتها، ومؤدى هذه الخريطة النجاح أو الفشل، الصعود أو الهبوط، التغير نحو الأفضل والأحسن أو الثبات والرضى بما هو موجود.
دعني أعطك توضيحًا أكثر لهذه الخريطة: 
أيام الاحتلال العراقي لدولة الكويت انقسم الناس بحسب خرائطهم تلك إلى محبطين ومتفائلين، صاحب النتائج المحبطة كان يسير وفق اتجاهات بأن أمامه طريقًا مسدودًا، فهو في خريطته ضخم صورة الجندي العراقي والأسلحة العراقية ونتيجة لذلك عاش الإحباط أو خريطة محبطة.
الإنسان المتفائل يعيش يوميًا بخريطة مملوءة بالنجاح.. بالفرص.. بالتحدي.. تأمل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ﴾ (سورة النساء آية 104)، الألم والمعاناة في الحروب والقتال واحد ﴿وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَ﴾ (سورة النساء آية 104).
إنها بعد جيد للنجاح عند المسلم.. فطلب الفردوس الأعلى ومرضاة الله سبحانه وتعالى هو نقطة التميز بين المسلم والكافر، إذ خريطة الكافر يرجو فيها من هذا القتال نصرة قبيلته والفخر، أما خريطة المسلم فقد تعدت الدنيا إلى الآخرة بل إلى الفردوس الأعلى. 
ولهذا عاش المجتمع الكويتي أيام الاحتلال بخريطة ذات اتجاهات إيجابية تعينه على النصر والثبات والتحدي استمدها من آيات القرآن الكريم، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
إن الإنسان الناجح هو ذلك الإنسان الباحث عن كل ما هو جديد وممتع ومثير لتجديد قوة خريطته الداخلية.
قد يجد ضالته في مقالة.. في كتاب.. في شريط يشاهده أو يستمع إليه أو في دورة.. فمتى تجدد خريطة حياتك لتعيش النجاح؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

222

الثلاثاء 24-مارس-1970

كيف أعود ولدي الصلاة؟!

نشر في العدد 4

151

الثلاثاء 07-أبريل-1970

بريد الأسرة 4

نشر في العدد 7

148

الثلاثاء 28-أبريل-1970

عودة إلى الشباب المتهم