العنوان المجتمع التربوي (العدد 1487)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 02-فبراير-2002
مشاهدات 85
نشر في العدد 1487
نشر في الصفحة 54
السبت 02-فبراير-2002
إعداد: عبد الحميد البلالي
وقفة تربوية
فجر الأجر
ما الذي يجعل المريض يقبل تناول الدواء المر؟
وما الذي يجعل العامل يرضى بالعمل المضني والتعب؟
وما الذي يجعل الطالب يسهر ليله, ويجهد نفسه؟
إنه تذكر النتيجة، فالمريض يتذكر الشفاء فتهون عليه مرارة الدواء, والعامل يتذكر المال فيهون عليه التعب والجهد, والطالب يتذكر النجاح فتهون عليه قلة النوم, وتعب الدراسة.
والتكاليف التي افترضها الله على عباده ما هي إلا مجموعة من الأعمال المتعبة الشديدة على النفس، ولهذا فإن الله تعالى ملأ قرآنه بذكر الجنة، بل بتفاصيل ما يحدث فيها، وصفات حورها وثمارها وأنهارها، وقصورها، وغلمانها، وأوانيها وروائحها، وما فيها من نعيم مقيم.
وكذلك ترى في السنة المطهرة؛ إذ قل أن ترى دعاء أو أي نوع من أنواع الأذكار، إلا وتراه مقرونًا بنتيجة من النتائج، فهذا تنال عند قوله كذا من الأجر، وهذا يجعلك في حفظ الله حتى المساء, وهذا يمنع عنك عذاب القبر، وهذا يجعلك تموت على الفطرة, وهكذا تربى الصحابة الكرام واندفعوا نحو الآخرة، واحتملوا البلاء تلو البلاء، بتذكرهم للنتيجة التي سيؤولون إليها، ألا وهي جنة عرضها السموات والأرض.
وصدق الإمام ابن الجوزي حينما قال: «تلمح فجر الأجر يهن ظلام التكليف» (اللطف في الوعظ: ص ٥٤).
فلا تنس الأجر في كل ما تقوم به لله, أو حينما يعترضك البلاء، ولن يضيع عند الله شيء، إنما هي ساعة صبر يعقبها نعيم خالد .
أبو خلاد
albelali@bashaer.org
الحج الصادق إلى الله
كيف تتعايش مشاعرنا مع مناسكه وتتطابق أعمالنا مع مقاصده؟
د. حاتم شلبي
نعيش أيام الصدق مع الله.. ولا بد من طواف القلوب قبل طواف الأجساد
في خضم ما تتعرض له أمتنا الإسلامية من أحداث جسام، وما يتقاذفها من متغيرات, والمسلمون يتحسسون طريق النجاح والفلاح، تظلنا أيام مباركة، مفضلة عند الله بما فيها من فيوضات رحمة منه, ومناسك طاعة له، ومن هنا فإنا علينا أن نعايش مناسك الحج بقلوبنا، وأن نقدم بين يدي الله تعالى الشوق الصادق لأداء هذه الفريضة من خلال مطابقة مشاعرنا وأعمالنا في الأيام الحالية لروح مناسك الحج وجواهرها.
إذا كان حجاج بيت الله يلبون هذه التلبية التي يهز هديرها القلوب وتقشعر خاشعة لها الأبدان, فإن معنى التلبية الحقيقي الذي يجب علينا أن نحققه في حياتنا هو تلبية أوامر الله فينا بالمسارعة في الطاعات، وفعلها خالصة لله تلبي بها قلوبنا حتى يأذن الله أن تلبي بها ألستنا في أراضيه المقدسة «لبيك اللهم لبيك, لبيك لا شريك لك لبيك, إن الحمد والنعمة لك والملك, لا شريك لك».
وعلينا أن نستشعر حمد الله على كل شيء, والشكر له على كل نعمة، مفردينه سبحانه بحقوق الألوهية والربوبية، إننا إن صدقنا الله سبحانه فستكون تلبية القلوب سعيًّا نحو كل طاعة انتدبنا لها، وكفًا عن كل معصية نهانا عنها، وكذا إن أخلصنا له ولم نشرك معه أحدًا، فإنه سبحانه أكرم مسؤول وخير شهيد على صدق الصادقين فيجيب سؤلهم، ويكرم نزلهم.
مشاهد.. ومشاعر
إننا حين نرى الحجاج وهم يرتدون ملابس الإحرام لا فرق فيهم بين غني وفقير أو أبيض وأسود، فإن لهذه الرؤية أثرها في النفوس إن وعتها؛ إذ ستجعل أداءها تخففًا من الدنيا وانخلاعًا عن زينتها، واستشعارًا لموقف الحشر والحساب والبعث, ومعايشة لمشاعر الرابطة بين كل المسلمين على اختلاف ألوانهم وبيئاتهم، ولغاتهم، وإن فقه الإحرام الذي يحرم- بعيد ارتداء زيه- أفعالًا كانت حلالًا على المحرم قبلها بلحظات. يجب علينا معايشته في الصلاة والصيام، ففيهما الأداء نفسه وإذا رأينا طواف الحجيج بالبيت الحرام، فإن مشاعر القلوب يجب أن تتعلق بحب زيارة هذا البيت والإلحاح في الدعاء بذلك، والتعلق برب البيت سبحانه، وأن نجعل للقلوب طوافًا قبل طواف الأجساد، وأن نصدق هذه المشاعر بتعلق قلوبنا بالمساجد، وبالمحافظة على الصلوات في أوقاتها، وأن نحرم محارم الله في الأرض كحرمة بيته الحرام في مكة، فلا نستسيغ المنكر في مجتمعاتنا، ونطبع قلوبنا على كرهه، ونفعل ما نستطيعه من النهي عنه بما يتفق مع فقه المسلم الواعي، حتى لا يحدث منكرًا أشد منه، وأن نقيم الحق ما استطعنا بين الناس، ونحيي في نفوسهم حب إقامته، وحرمة تضييعه.
وإذا رأينا الحجاج ساعين بين الصفا والمروة, باذلين في ذلك الجهد تذكرنا الموقف الخالد لزوجة نبي الله إبراهيم حينما لم يمنعها من السعي، يقينها بأن الله لن يضيعها، لتبرز لنا معلم التوكل الحق كما أبرزت من قبل معنى التعضيد للزوج على طريق الطاعة، لتشعر كل زوجة مؤمنة بمسؤوليتها في إعانة زوجها على الطاعة وطمأنة قلبه تجاه بيته وأبنائه, باذلة في سبيل ذلك كل الجهد، متحلية بالصبر, ومعلقة قلبها بالله سبحانه وتعالى في كل مأمول ومطمئنة إلى عاقبة السعي، وإذا رأينا ذلك السعي سعينا لقضاء حوائج الناس ومنافعهم وإصلاح ذات بينهم، قاصدين وجه الله دون أي وجه.
المعايشة بالمشاعر
وإذا رأينا الحج واقفين منتصبة أقدامهم لله بعرفات تحت أي ظروف وأجواء فعلينا أن نعايش ذلك بانتصاب أقدامنا لله قيامًا في الليل، حيث ينام الناس مستشرفين شوق الوقوف بعرفات، نري الله وحده منا هذا القيام الخاص الذاكر القانت الحبيب لنفس فاعله دون الراحة والمنام، وتذكرنا كذلك مشهد الحشر وعرض الأعمال وقراءة الكتب على رؤوس الأشهاد، قال تعالي: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا, اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (الإسراء: 13-14)، فكان لنا مع أنفسنا وقفة المحاسب قبل أن يُحاسب، والراجع إلى الله قبل أن يكون «لا رجوع».
وإذا رأينا رمي الجمار, وتذكرنا عداوة الشيطان وأحيينا في نفوسنا إعلانًا للحرب عليه في كل خاطر يطوف به علينا وجاهدنا الأنفس أعظم الجهاد, وجعلنا مداومة ذكر الله وطاعته هي جمراتنا التي نلقيها في وجه الشيطان؛ ليرتكس وينتكس ويؤوب بالخسران موفين بعهد الله وأمره إذ قال: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ, وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ, وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ (يس: 60- 62)
وإذا كان ربنا سبحانه وتعالى يوجه الحجاج إلى أمره بقوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: 197)، وإذا كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا زعيم بيت في رياض الجنة لمن ترك الجدال وإن كان محقًا». فإننا يجب علينا أن نعيش بمشاعر الحب والتآلف والبعد عن كل ما ينغص ما بيننا من علاقات في هذه الأيام المباركة تاركين الخلاف والجدال المذموم موحدين القلوب وموجهينها نحو الواحد الأحد, ونحن ندعوه أن يجمع قلوب الأمة على طاعته ونصرة دينه وإعلاء كلمته كما جمعها تحت لواء هذه الشعيرة المباركة.
صدق الشوق
نستطيع حقًا أن نعايش الحق في كل نسكه وشعائره ونري الله منا صدق الشوق له بصدق المعايشة لمناسكه، وإذا كان الحج المبرور يعود منه صاحبه مغتسلًا من ذنوبه، مستبرئًا منها كيوم ولدته أمه، فعلينا- ونحن نستلهم منه سلوكًا عمليًا نتقرب به إلى الله- أن نقف وقفة التائبين المكثرين من الاستغفار من الذنوب, النادمين على فعل المعاصي والعازمين على عدم الرجوع إليها مستعينين بالله, تطوف قلوبنا حول بيته في كل صلاة نقف فيها إلى القبلة، وفي كل عمل نقصد به وجهه، ونجهر بالتلبية في ساعات الطاعة، قاذفين الشيطان بجمار الذكر والعمل الصالح، متخففين من الدنيا وزينتها، ناصبين أقدامنا لله قيامًا والناس نيام، متغافرين متراحمين تاركين كل جدال يفرق القلوب، داعين المولى عز وجل أن يوحد المسلمين وينصرهم ويعلي كلمتهم ليسودوا الدنيا كما سادوها من قبل.
وإذا كان هذا هو تعايشنا مع شعيرة الحج بدروبها العظيمة التي رأينا فيها إبراهيم وآل بيته- عليهم السلام- يبذلون أغلى ما يملكون في سبيل التلبية الصادقة لله، علمنا أن لأنفسنا دورًا فاعلًا في تغيير ما بنا من أحوال حتى ينعم الله علينا بأسبابه في التغيير، قال سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)، وعلمنا أيضاً أن للقيام بذلك تبعات ومشاق وتضحيات دونها النفوس, ثمنًا لصدق هذه التلبية، ووفاء لذلك البيع مع الله, فإذا بنا يهون علينا كل شيء، ونبذل كل غال رخيص, نشمر عن السواعد، ونتلذذ بالعمل في الهواجر ونفني الأعمار إعلاء لكلمة الله موقنين بنصره سبحانه، ووعده الذي لا يكذب. قال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (غافر: 51).
وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: 55).
صفقة العمر
مواقف الحج تقرير للوحدانية وإسلام الوجوه والقلوب
محمد عبد الله الباردة
دعاني ربي في العام الماضي لزيارة بيته, وأداء مناسك الحج، فلبيت النداء فامتلأ ومشاعري وكل وجداني وأحاسيسي به الحج، وأن ديننا الحنيف دين اتباع لا ابتداع, والحج يؤكد ذلك، فرسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: «خذني مناسككم»، فالمسلم يحرص كل الحرص، على اتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في الحج في السنة الأبيض للإحرام، ورفع صوته بالتلبية التي تعني إجابة نداء الله القائل: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ﴾ (الحج: 27)، وكذلك في التكبير بمواطن محددة, ورفع اليدين فوق الصفا والمروة.
وبعد رمي الجمرة الوسطى والصغرى وبعدهما الكبرى ينطلق ولا يدعو ويقتدي بالرسول فيضطبع في طواف القدوم «يكشف الكتف الأيمن» ويستلم الحجر الأسود فيقبله أو يشير إليه مع التكبير في كل طواف، ويستلم الركن اليماني ويطوف حول البيت سبعًا ويطوف ويسعي بين الصفا والمروة سبعًا ويرمي الجمرات سبعًا لكل جمرة مع قصر الصلوات الرباعية أيام الحج «8, 9, 10, 11, 12من ذي الحجة و ١٣ لمن نحر».
ويجد الحاج أن رسولنا صلى الله عليه وسلم كان يكثر من قول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (البقرة: 201)، خاصة بين الركن اليماني والحجر الأسود.
وفي يوم عرفة الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم :«الحج عرفة»، نجد الحجاج وعددهم أكثر من مليوني حاج يحرصون على الإكثار من قول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم, ليعلموا أن الله على كل شيء قدير، وطوال العام يحثنا الرسول صلى الله عليه وسلم على قولها يوميًا مائة مرة, وقولها كذلك بعد صلاة الفجر والمغرب عشر مرات لنعلم أن الله على كل شيء قدير, ومستشعرين يوم عرفة قول الله تعالى في الحديث القدسي: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئًا»، فيكثرون من الدعاء لهم وللإسلام والمسلمين خاصة في ظل الحملة الشرسة من الكفار حاليًّا، والتآمر العالمي للقضاء على الإسلام والمسلمين. ولا يجوز الصيام في هذا اليوم للحاج، أما لغير الحاج فصيام المرء يكفر سنة ماضية وسنة باقية كما رواه مسلم.
بعد عرفات
ثم يستشعر الحاج بعد خروجه من عرفات ومبيته بمزدلفة بعد صلاتي المغرب والعشاء مباشرة، وذكره لله في المشعر الحرام بعد الفجر إلى أن يسفر الضوء قبل الشمس: ﴿إِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (البقرة: 198)، وينشرح الصدر بالرمي بسكينة وذكر الله بقول: «الله أكبر»، مع كل حصاة مستشعرًا ثبات الشعب الفلسطيني بالحجارة أمام العدو اليهودي، وينشرح الصدر بحلق شعر الرأس للرجال مستشعرًا أنه بدأ بما بدأ الله به لقوله تعالى في صورة الفتح: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (الفتح: 27)، ودعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم بالرحمة، وكذلك الذبح مستشعرًا قوله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ ( الحج: 37).
ويستشعر تيسير الإسلام بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم العاشر من ذي الحجة أنه لا حرج في تقديم أو تأخير الرمي والحلق والطواف والذبح، وينشرح الصدر بتأخر رمي الجمرات إلى اليوم الثالث (۱۳ ذي الحجة) مستشعرًا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (البقرة: 203).
والشاهد «لمن اتقى»، وينشرح الصدر بذكر الله بالتلبية والتكبير والمحافظة على الصلاة خاصة في منى بمسجد الخيف عند الجمرات الذي صلى فيه ٧٠ نبيًا كما ذكر الشيخ الألباني- رحمه الله.
شبهة مردودة
هناك شبهة يرددها أعداء الله بقولهم: إن هذه الكعبة والحجر والجمار بقية وثنية الجاهلية، ورد على هذه الشبهة الإمام حسن البنا في كتابه: «حديث الجمعة» بقوله: «إنما جاء الإسلام ليحطم الوثنية في كل صورها وليقضي على عبادة الأوثان والأصنام، وإن كل موقف من مواقف الحج، إنما هو تقرير لهذه الوحدانية وإسلام الوجوه والقلوب لله وحده الملك العلام، وإنما مثل الكعبة والحجر كمثل هذا العلم تنصبه الدول رمزًا لمجدها وشعارًا لوطنها فتخفق لها القلوب وتهتز لاهتزازه الأفئدة لا لذاته، ولكن لما يشير إليه من معنى عظيم وشعور كريم، ولقد أراد الله العليم الحكيم أن تكون الكعبة علمًا مركوزًا على الأرض، تتجسم به الوحدة العالمية، ويرمز إلى هذه الأخوة الإنسانية, والمسلم لا يجفو الرسول صلى الله عليه وسلم وزيارته والسلام عليه فيشد الرحال للصلاة في مسجده والسلام عليه مستشعرًا سلامه في كل صلاة بالتشهد: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته»، وكذلك السلام على أبي بكر وعمر مستشعرًا دورهما العظيم في نصرة الإسلام والمسلمين.
بعدها يعود الحاج إلى بيته، وقد امتلأ قلبه بحب الله وحب نبيه، وعزم على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم, وجعله قدوته العظمى في هذه الحياة ويتذكر رابطة الأخوة لكل مسلم في الأرض، ولا ينسى دعم إخوانه بالمال والدعاء والنفس إن أمكن.
المجتمع التربوي
أمانة القيام بالقسط بين الناس
ما أجمل الحديث عن العدل والقانون وما أصعب تطبيقهما في حياة الشعوب
د.محمد إياد العكاري
جاء الإسلام قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا بالعدالة والمساواة، واستطاع أن يُخلص العرب من ربقة الجاهلية وعاداتها لينزع عنها الحمية القبلية والعصبية الجاهلية التي مثلها شاعرهم بقوله:
وما أنا إلا من غزية إن غوت
غويت وإن ترشد غزية أرشد
إنه يسير حيث ساروا، ويمضي حيث شاءوا, يظلمون فيظلم، يقتلون فيقتل، ويشرقون ويغربون ويمضي بظلمهم معهم، ولو إلى حتفه، وما داحس والغبراء عنا ببعيد، والتي استعر فيها القتل أكثر من أربعين سنة بتهييج من النعرات القبلية والعصبيات الجاهلية، فجاء الإسلام بقانونه الخالد, وميزانه العادل، ليرسخ قواعد الحق، ويقيم مبادئ العدل بدل العادات الظالمة والقوانين الجائرة لتسوس أمور الناس، وتحكم بينهم بالقسم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء:135).
إنها أمانة القيام بالقسط على إطلاقه التي أمر الله سبحانه وتعالى باتصاف المؤمنين بها في كل حال وفي أي مجال.
القسط الذي يمنع الناس من البغي في الأرض والتسلط على الناس.. فالخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.
القسط الذي يكفل العدل بين الناس ويضمن المساواة فيما بينهم, فالناس سواسية كأسنان المشط في ميزان الإسلام.
القسط الذي يُعطى فيه كل ذي حق حقه من المسلمين وغير المسلمين، حيث يتساوى أمام هذا الحق- عند الله- المؤمنون مع غير المؤمنين, والأقارب مع الأباعد والأصدقاء مع الأعداء, والأغنياء مع الفقراء.
أجل ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لله﴾ (النساء: 135)، حسبة لله وابتغاء وجهه الكريم, وتعاملًا مباشرًا معه، وتجردًا من كل ميل أو هوى أو مصلحة أو اعتبار.. نقوم بالشهادة لله لا الحساب أحد من المشهود لهم أو عليهم, ولكن الإقامة الحق, فالقسط هو المطلوب، والعدل هو المقصود.
كبح جماح النفس
نرى في هذه الآية العظيمة كيف تُوجه النفس لتقف أمام الحق في وجه ذاتها, وفي وجه عواطفها, وفي وجه مشاعرها الفطرية, وفي وجه مقتضياتها الاجتماعية حين يكون المشهود له أو عليه غنيًا أو فقيرًا، بعيدًا أو قريبًا، فتأتي الآية؛ لتكبح جماح النفس ورغباتها ولواعجها ونزعاتها، حتى لو كان المشهود له أحد الوالدين لتعدل وتكون مقسطة، ثم توجه الآية نفوس المؤمنين لتقف أيضًا شامخة أمام الهوى أيًا كان لونه، وأيًا كانت صفته إذا كان حائلًا عن إحقاق الحق، وإقامة العدل ليأتي بعد ذلك التهديد والوعيد من تحريف الشهادة عن مسارها أو الإعراض عن إقامة القسط والعدل بين الناس, قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: 135).
فما أجمل الحديث عن العدل والقانون والقضاء، وما أصعب تطبيقه في واقع الحياة إن لم تتجرد النفوس البشرية من علائقها وجواذبها ونوازعها وأهوائها، وهذا ما حرص عليه الإسلام من القسط والعدل، وهذا ما جعل القاضي شريح يحكم لليهودي ضد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في درع اختصما فيها، ليس هذا فحسب، بل يرفض شهادة ابنه الحسن بن علي رضي الله عنهما؛ لأن شهادة الابن للأب لا تجوز, الأمر الذي جعل اليهودي يقف مشدوهًا أمام نزاهة القضاء الإسلامي، وعدالته ليقول: «أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه وقاضيه يقضي لي»، فدخل الإسلام، ونطق بالشهادتين.
هذا هو الإسلام، وهذه هي مبادئ العدل التي يحملها للبشرية جمعاء، أما ما رأيناه هذه الأيام مع مطلع القرن الحادي والعشرين الذي بُشرنا، وأنه سيكون قرن العدالة والسعادة، وزمن العيش بحرية وكرامة، وعصر الرفاهية للشعوب وتحقيق متطلبات الأمم- فلم نجده إلا قرنًا بدأ ناطحًا بقرنيه بكل ما أوتي من قوة وعنف، بل رأينا أنفسنا أمام بلاد تُدمر، وشعوب تُذبح، وأمم تُمتهن، وحرب نووية محتملة، فيا لهول ما رأيناه!.
حقوق مضاعة للإنسان, وكرامة مهدورة, وعدالة تُداس بالأقدام، وقوانين تسن ضد البشرية. هذه بداية الألفية الثالثة التي يزعمون أنها عصر الدخول في أحط مراحل الإنسانية تحدرًا, وأبغضها في مجال كراهية الأمم والشعوب, وأدناها في مجال العدالة وحقوق الإنسان.
واقع ملئ بالمظالم
لقد جاء إلينا القرن الجديد، بسموم أفتك, وظلم أردى شعوبًا بأسرها، ودمرها تدميرًا كاملًا, وبمجلس أمن دولي همش دوره، وأُميط جانبًا, وأصبح لا يتخذ إلا مطية للقوي لتمرير ما يريد من التسلط على الأمم والشعوب, والنيل منها، وتحقيق أهوائه ومصالحه أولًا وأخرًا!.
هذا ما رأيناه ونراه ونسمعه ونشاهده، هنا في فلسطين، هناك في أفغانستان، وهنالك في البوسنة وكوسوفا، وما يدبر من محاولة تجريد الأمم من ثقافتها والسعي لتشويه هويتها، والنيل من تراثها أشد وأدهى ولكن؛
خسئوا فما عرف الحقيقة أرعنّ
ميت الضمير ولا ظلوم أحمقُ
فحري بالمدعين للحرية، وهي مطلب حق للإنسان، والمنادين بالديمقراطية، وهي بغية للشعوب التي ترزح تحت أغلال التسلط, والمطالبين بالمساواة وحقوق الإنسان، وهذه أمنية عزيزة علينا، «فمتى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا»، وهي العبارة التي قالها عمر الفاروق رضي الله عنه للقبطي حين اعتدى عليه ابن عمرو بن العاص عندما سبقه القبطي فاقتص له منه.
حري بهم جميعًا أن يتبصروا حقائق الأمور ليروا الحقيقة بجلاء وأين هي؟! وأين العدل ؟! ليحكموا بأنفسهم دون تعصب طائفي أو مذهبي ولا نزعة عدائية أو قبلية وبلا حمية وطنية أو قومية, فالحق أحق أن يتبع, والله سبحانه وتعالى هو العدل، وهذه صفته، وبالعدل قامت السموات والأرض، ويقول في محكم كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 8).
أجل؛ العدل والقسط حتى مع أعدائنا هو المطلوب تحقيقه، هذا هو أمر الله، وهو التقوى, وهو النور, الذي أشرقت شمس عدالة الإسلام به, وتألقت فيه أنوار سماحته.
قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين, إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الممتحنة: 8-9﴾.
هذا هو الإسلام دين السلام وعقيدة الحب ونظام العدل، وقانون القسط, السلم أساس شريعته وتعاملاته الدولية، إذ يستبقى أسباب الود في النفوس، ويستحضر البر في التعامل والاستقامة في السلوك, والعدل في المعاملة, والحكم بين الناس بالقسط, ولِم لا وهو الدين الذي ارتضاه الله للبشر؟.
التكريم الإلهي وواجب الشكر
مظاهر التكريم كثيرة ومتعددة.. والواجب شكرها بالطاعة والحمد
عمر بن إدريس الرماش
خلق الله سبحانه الإنسان وكرمه واستخلفه، وأسبغ عليه نعمًا كثيرة لا تعد ولا تحصى، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: 70)
وإن مظاهر التكريم الإلهي للإنسان كثيرة ومتعددة، ونعمه المسبغة عليه لا تعد ولا تحصى, قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 18). وهذا يوضح بجلاء عظمة الله تعالى، وفضله ومنه الذي يستوجب الشكر والحمد.
التكريم بالروح
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ, فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (ص: 71- 72 ﴾
هذه النفخة الروحية ليست خاصة بآدم أبي البشر، بل هي في بنيه ونسله، وهذا التكريم لآدم عليه السلام هو تكريم للنوع الإنساني كله في شخصه.
والروح هي سر الحياة في الإنسان الذي حير البشرية منذ القدم، خاصة العلماء والفلاسفة الذين كانوا ولا يزالون يبحثون عن أسرار الروح, قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 85).
الخلق في أحسن تقويم
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ, ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ, ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ, ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ, ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون: 12- 16).
وقال أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ, الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ, فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (الانفطار: 6- 8).
وهكذا تتبين لنا عظمة الله سبحانه وتعالى, وقدرته الفائقة في الخلق، مصداقًا لقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: 82).
ومن دلائل قدرة الله أن جعل حياة الإنسان تمر بمراحل متعاقبة من طفولة وشباب وكهولة وشيخوخة، كما تمر بفترات من الضعف والقوة, وجعل له أجلًا مسمى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (غافر: 67).
الاستخلاف في الأرض
من تكريم الله ونعمته على الإنسان أن جعله خليفة في الأرض يعمرها ويصلحها ويعبد الله فيها، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الأنعام: 165).
تسخير الكون
سخر الله عز وجل للإنسان كل ما في السموات والأرض من أجل استخلافه وعبادته إياه وعمارة الأرض, قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ, وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ, وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم: 32- 34).
التكريم بالعقل والإدراك
أعظم ما يميز الإنسان العقل الذي يقوده ويوجهه ويعينه على التمييز بين النفع والضرر, والطيب والخبيث، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۖ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ (الملك: 23).
التكريم بالعلم
زود الله عز وجل الإنسان بملكة العلم, والقدرة على تحصيله، وحثه على طلب المعرفة الدينية من أجل خيري الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ, خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ, اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ, الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ, عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 1-5).
نعمتا الصحة والفراغ
نعمتان عظيمتان أعطاهما الله للإنسان، وهما الرأسمال الذي يستطيع به التحرك والعمل والسعي في الأرض وعمارتها ، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ, وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ. وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (البلد: 8- 10).
وقال رسول الله ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»,
وقال ﷺ: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك, وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك».
واجب الشكر
التكريم الإلهي للإنسان يستوجب الشكر والحمد والمنة والطاعة والعبادة وعمارة الأرض بالخير. ووسائل الشكر كثيرة ومتنوعة، منها:
معرفة الله تبارك وتعالى والإيمان به وخشيته، وعمل الصالحات. قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ, ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ, إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (التين: 4-6).
شكر الله بالقلب واللسان وحمده وذكره والثناء عليه وقول الكلام الطيب وصيانة اللسان من الفحش والسوء، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: 78)
العمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وفعل المعروف والخير والإحسان. قال تعالي: ﴿وَالْعَصْرِ, إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ, إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (سورة العصر: 1-3).
امتثال أوامر الله تعالى وأوامر رسوله ﷺ واجتناب نواهيهما: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (المائدة: 92)
استغلال النعم وتوظيفها في خيري الدنيا والآخرة- وخاصة نعمتي الصحة والفراغ- في طلب الرزق والسعي في الأرض والتزود للآخرة قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 77).
الاستفادة من نعم الله والتمتع بها قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 32).
وورد أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده».
الاعتراف بفضل الله ومنه وعدم الكفر والجحود بنعم الله. قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ, ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ, لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ ۚ فَتَمَتَّعُوا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 53- 55).
عدم استغلال النعم في أمور لا يرجى منها نفع ولا مصلحة دنيوية أو أخروية؛ مثل تضييع الوقت والفراغ في اللهو والعبث والباطل وتعاطي المخدرات والمناكر واقتراف المعاصي والذنوب ما ظهر منها وما بطن صغيرها وكبيرها، والكسل وعدم القيام بالواجبات الدينية والدنيوية.
عدم الإفساد في الأرض: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (الأعراف: 56).
والامتناع عن الإسراف والترف، لأن ذلك يفسد الحياة ويهلك الأمم. قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل