العنوان المجتمع التربوي (1494)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 30-مارس-2002
مشاهدات 62
نشر في العدد 1494
نشر في الصفحة 54
السبت 30-مارس-2002
■ وقفة تربوية
■ قلوب متصلة بالله
القلب المتصل بالله هو ذلك القلب الذي لا تمر عليه ساعة دون ذكر الله تعالى، فما تسقط عيناه على شيء إلا ويذكره بالله تعالى، ولا يسمع خبرًا إلا ويذكره بالله تعالى، ولا ينطق لسانه بشيء إلا ويذكره بالله تعالى، ولا يقوم بحركة إلا ذكرته بالله تعالى، فكلامه يذكرك بالله، وصمته يذكرك بالله، وحركاته تذكرك بالله.
هكذا كان أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - عندما «خرج في بعض أسفاره» فلما اشتد الحر عليه دعا بعمامة فتعمم بها، فلم يلبث أن نزعها، فقيل له يا أمير المؤمنين: لم نزعتها؟ لقد كانت تقيك الحر؟ قال: ذكرت أبياتًا قالها الأول:
من كان حين تمس الشمس جبهته *** أو الغبار يخاف الشين والشعثا
ويألف الظل كي تبقى بشاشته *** فسوف يسكن يومًا راغمًا جدثًا
في قعر مظلمة غبراء موحشة *** يطيل تحت الثرى في جوفه اللبثا
«بحر الدموع ۸۲، ۸۳».
قطعًا، فإن أمير المؤمنين لا يعني أن الاستظلال وحماية النفس من حرارة الشمس، أو وقايتها من الحر ذنب أو معصية، لكنه القلب المتصل بالله تعالى الذي يُذكر صاحبه في كل حركة بالله تعالى، حتى يكون في ارتقاء دائم بمدارج السالكين.
أبو خلاد - albelali@bashaer.org
■ عندما يُصاب بالكساد الإنتاجي
الداعية عند «سعر الإقفال»!
عبد الله محمد العسيري
أتمنى ألا يتعجل القارئ في الحكم على العنوان، فليس الحديث مخصصًا للمفلسين من الدعاة في السوق التجارية، ولكن من المفترض أن نقف مع الذين شغلتهم تجارتهم عن دعوتهم بحجة: «دلوني على سوق المدينة» فهؤلاء لهم حديث خاص ليس مجاله الآن.
الذي أقصده - يا أخي الفاضل - تفاعل الداعية في سوق التعامل مع الناس، واختلاف مؤشر أسهم الذوقيات من داعية إلى أخر.
ثمة دعاة يقتربون من الكساد الإنتاجي لخدمة هذه الدعوة، وبهذا فإن الإقبال من عامة الناس لشراء أسهم الداعية، أو حتى القليل من بضاعته يتلاشى بسرعة إذا وصل الداعية.. عند سعر الإقفال!.
هذه بعض الأسهم الفعالة في سوق الدعاة التي تمنع الداعية من الوصول إلى سعر الإقفال.
1 - على الداعية أن يتعلم: «أن يجهل فن صناعة المشكلات» ويكون دقيقًا في تعامله مع المجتمع الذي حوله ومن الدروس الأساسية في هذا الفن «المبالغة في الجرح والتعديل» بيان أخطاء «الآخرين بحجة إظهار الحق».
۲- عليك استخدام مبدأ «من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن» أي رفع مكانة الذين يتوسم فيهم الخير والصلاح من وجهاء الناس، فإنه مكسب كبير للدعوة من هذا السهم الفعال.
3- تفعيل استراتيجية «خاطبوا الناس على قدر عقولهم» يمكن الداعية بقوة من السوق، ويجعله محبوبًا من طبقات المجتمع، وإلا فإن الإفلاس يقف في انتظاره!.
4 - استخدام قوة الخُلق، وليس خلق القوة، وهذه معضلة تواجه الدعاة الذين يغلب عليهم صفة القسوة والعنف في تعاملهم مع الناس، فما أجمل اللين والبساطة والتواضع، لذلك فإن من المداخل الشيطانية أن يقول الداعية في نفسه: «يجب أن أكون قوي الشخصية سديد الكلام، وأن أتصف بعدم التهاون في النصح والإرشاد بلغة واضحة ومباشرة»، وينسى هذا المسكين حياة رسولنا صلى الله عليه وسلم كيف كانت.
5- الدخول الروحي والعقلي والمشاركة التنشيطية مع جميع المساهمين في سوق الدعاة، سواء كانوا أهل الشراء أم أهل البيع فالمشاركة في جميع مؤسسات المجتمع مهمة جدًا لمتابعة الدعوة من قرب والتعالي على هذه المواقع يحدث أثرًا سلبيًا ومثال على ذلك: يقول الأخ: «لقد كبرنا على الأنشطة الميدانية، والتعامل مع الجمهور، ويكفينا أن نكون في اللجان التشريعية فقط»!.
هكذا: إذا تجنب الداعية المعوقات، واستخدم الأدوات الربانية في هذه السوق فسيحقق صفقات مريحة بإذن الله في هذه التجارة «التجارة مع الله» عز وجل، ويرتفع مؤشره إلى أعلى قدر عظيم من الأجر والحسنات، وسيبعد دعوته عن الكساد والإفلاس.
■ مودتنا لا تغسل أحقادهم أبدًا
■ آيات الولاء والبراء في سورة «آل عمران» تسجل حقيقة الشعور السلبي عند غير المسلمين
■ بعض المسلمين في حالة من الهزيمة الروحية تجعلهم يجاملون أعداءهم على حساب عقيدتهم.
سيد مصطفى جويل
هذه دراسة مختصرة لآيات من سورة آل عمران بتفسير «في ظلال القرآن» للشهيد سيد قطب - يرحمه الله - سجلتها مع تصرف يسير يناسب الواقع المشهود، داعيًا الله تعالى أن يطفئ نار الحرب التي تريد جهات كثيرة إشعالها على المسلمين في جميع أنحاء العالم.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (آل عمران:118-119-120).
إنها آيات كأنها أُنزلت الآن، وتمثل صورة كاملة السمات، ناطقة بدخائل النفوس، وتسجل بذلك كله نموذجًا بشريًا مكرورًا في كل زمان ومكان.
إننا نستعرضها اليوم وغدًا في مَنْ هم حول الجماعة المسلمة من أعداء، يتظاهرون للمسلمين- في ساعة قوة المسلمين وغلبتهم - بالمودة، فتكذبهم كل خالجة وكل جارحة، وينخدع المسلمون بهم فيمنحونهم الود والثقة، وهم لا يريدون للمسلمين إلا الاضطراب والخبال، ولا يقصرون في إعنات المسلمين ونشر الشوك في طريقهم والكيد لهم والدس، ما واتتهم الفرصة في ليل أو نهار.
وليس هذا التحذير لزمن معين فقط.
إن هذه الصورة التي يرسمها القرآن الكريم هذا الرسم العجيب، كانت تنطبق ابتداء على أهل الكتاب المجاورين للمسلمين في المدينة، وترسم صورة قوية للغيظ الكظيم الذي كانوا يضمرونه للإسلام والمسلمين، والشر المبيت، في الوقت الذي كان بعض المسلمين فيه لا يزال مخدوعًا في أعداء الله هؤلاء، ولا يزال يفضي إليهم بالمودة، ولا يزال يأمنهم على أسرار الجماعة المسلمة، ويتخذ منهم بطانة وأصحابًا!، فجاء هذا التنوير وهذا التخدير، يبصر الجماعة المسلمة بحقيقة الأمر ويوعيها لكيد أعدائها الطبيعيين الذين لا يخلصون لهم أبدًا، ولا تغسل أحقادهم مودة من المسلمين وصحبة!.
ولم يجئ هذا التنوير، وهذا التحذير، ليكون مقصورًا على فترة تاريخية معينة، فهو حقيقة دائمة تواجه واقعًا دائمًا، كما ترى مصداق هذا فيما بين أيدينا من حاضر مكشوف مشهود.
والمسلمون - في غفلة عن أمر ربهم: ألا يتخذوا بطانة من دونهم، بطانة من ناس هم دونهم في الحقيقة والمنهج والوسيلة، وألا يجعلوهم موضع الثقة والسر والاستشارة... المسلمون في غفلة عن أمر ربهم هذا - يتخذون من أمثال هؤلاء مرجعًا في كل أمر، وكل شأن وكل وضع وكل نظام، وكل منهج، ولكل طريق!.
أمثلة من البغضاء التي ظهرت من أفواههم:
المسلمون في غفلة من تحذير الله لهم: يوادون من حاد الله ورسوله؛ ويفتحون لهم صدورهم وقلوبهم والله سبحانه يقول للجماعة المسلمة الأولى كما يقول الجماعة المسلمة في أي جيل:
﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ﴾ (آل عمران:۱۱۸)
أقول: «قد بدت البغضاء من أفواههم» حين:
- قالوا عند قبر صلاح الدين: «ها نحن عدنا يا صلاح الدين».
- لما احتلوا بيت المقدس: «الآن.. انتهت الحروب الصليبية».
- بعد الحروب التي أُبعد فيها الإسلام فانهزم المسلمون، فقالوا: «محمد مات.. خلف بنات»!.
- حين قالوا في هذه الأيام: «الحضارة الغربية أعظم من الإسلام»!
- حين نادوا بها في الحاضر بأن تكون «حربًا صليبية»!.
لماذا لا نتعظ من أحداث التاريخ؟
مرة بعد مرة تصفعنا التجارب المرة لكننا لا نفيق... ومرة بعد مرة نكشف عن المكيدة والمؤامرة
تلبس أزياء مختلفة... لكننا لا نعتبر!.
مرة بعد مرة تنقلت ألسنتهم فتنم عن أحقادهم التي لا يذهب بها وُد يبذله المسلمون، ولا تغسلها سماحة تعلمها لهم عقيدة... ومع ذلك نعود، فنفتح لهم قلوبنا، ونتخذ منهم رفقاء في الحياة والطريق،
وتبلغ بنا المجاملة، أو تبلغ بنا الهزيمة الروحية أن نجاملهم في عقيدتنا، فنتحاشى ذكرها، وفي منهج حياتنا فلا نقيمه على أساس الإسلام، وفي تزویر تاریخنا وطمس معالمه كي نتقي فيه ذكر أي صدام كان بين أسلافنا وهؤلاء الأعداء المتربصين! ومن ثم يحل علينا جزاء المخالفين عن أمر الله، ومن هنا نذل ونضعف ونستخذى. ومن هنا نلقى العنت الذي يوده أعداؤنا لنا، ونلقى الخبال الذي يدسونه في صفوفنا.
كيف ننجو- إذًا من أذى الأعداء؟
ها هو ذا كتاب الله تعالى يعلمنا - كما علم الجماعة المسلمة الأولى - كيف نتقي كيدهم وندفع أذاهم، وتنجو من الشر الذي تكنه صدورهم، ويفلت على ألسنتهم منه شواظ.
فهو الصبر والعزم والصمود أمام قوتهم إن كانوا أقوياء، وأمام مكرهم وكيدهم إن سلكوا طريق الوقيعة والخداع.
الصبر والتماسك لا الانهيار والتخاذل، ولا التنازل عن العقيدة- كلها أو بعضها - اتقاء لشرهم المتوقع، أو كسبًا لودهم المدخول.
ثم هو التقوى: الخوف من الله وحده، ومراقبته وحده.
وحين يتصل القلب بالله فلن يواد من حاد الله ورسوله طلبًا للنجاة أو كسبًا للعزة.
هذا هو الطريق - ولا طريق غيره-: الصبر والتقوى... والتماسك والاعتصام بحبل الله.
وما استمسك المسلمون في تاريخهم كله بعروة الله وحدها، وحققوا منهج الله في حياتهم كلها... إلا عزوا وانتصروا ووقاهم الله كيد أعدائهم، وكانت كلمتهم هي العليا.
وما استمسك المسلمون في تاريخهم كله بعروة أعدائهم الطبيعيين، الذين يحاربون عقيدتهم ومنهجهم سرًا وجهرًا، واستمعوا إلى مشورتهم، واتخذوا منهم بطانة، وأصدقاء، وأعوانًا، وخبراء، ومستشارين.. إلخ. إلا كتب الله عليهم الهزيمة. والتاريخ شاهد على أن سنة الله نافذة، فمن عمي عنها فلن يرى إلا بالذل والهوان..