; المجتمع التربوي (1554) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1554)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 07-يونيو-2003

مشاهدات 55

نشر في العدد 1554

نشر في الصفحة 54

السبت 07-يونيو-2003

وقفة تربوية

دواء الدعوة

دُعي الإمام حسن البنا لإلقاء محاضرة في بورسعيد، وحشد المنظمون للمحاضرة أعدادًا كبيرة من الجمهور، وعندما جاء يوم المحاضرة أصاب الإمام «حسن البنا» احتقان شديد في اللوزتين حيث لم يستطع السفر من الإسماعيلية إلى بورسعيد إلا مضطجعًا لشدة المرض، وقد حذره الطبيب محمود بك صادق من أنه إذا خطب هذه الليلة فإنه سيجني على نفسه... يقول الإمام «حسن البنا » عن تلك اللحظات ولكن مع هذا صممت على السفر ونزلت من القطار إلى دار الإخوان، وصليت المغرب فيها من قعود للإعياء، وانتابتني بعد الصلاة حالة نفسية عجيبة، فقد تصورت سرور الإخوان البورسعيديين بحفلهم هذا، وآمالهم المعلقة عليه، ونقودهم التي أنفقوها من قوتهم من أجله، ودعوتهم التي بذلوا كل الجهد في توجيهها ثم تكون النتيجة اعتذار الخطيب تصورت هذا فبكيت بحرارة، وأخذت أناجي الله تبارك وتعالى في تأثر عميق واستغراق عجيب إلى وقت صلاة العشاء، فشعرت بشيء من النشاط، وصليت العشاء من قيام، وجاء وقت الحفل وافتتح بالقرآن الكريم، ووقفت للخطابة وبدأت وأنا لا أكاد أسمع نفسي وسرعان ما شعرت بقوة عجيبة، وشفاء تام وصفاء في الصوت غريب وارتفاع فيه (مذكرات الدعوة والداعية ص 98-99).

أتذكر وأنا أقرأ ما قاله الإمام عن هذه الحادثة، أنه يحدث لي مرارًا صداع شديد يكاد يقعدني عن أي نشاط ويقدر الله أن يكون ذلك الصداع وقت أحد الدروس، وما إن أبدأ الدرس حتى يزول الصداع رويدًا رويدًا. فلا ينتهي الدرس حتى أعود كأصح ما يكون معافى من كل ألم، وكم من المرات لا يتوقف ألم الصداع بشتى أنواع الدواء، فيأتي إلقاء الدرس أو الانشغال بأحد الأنشطة الدعوية حتى يتلاشى ذلك الصداع، إنه دواء الدعوة إلى الله .

أبو خلاد

albelali@bashaer.org

وقفات إيمانية في حياة الإمام ابن الجوزي

احذر أن تتعدى حدود الله .. فتهون عنده وعند خلقه

سيد جويل

ما أجمل أن يسجل العلماء بعض المواقف في حياتهم، وكيف جاهدوا أنفسهم والدروس التي استفادوها مما رأوا وسمعوا، فالناس يتعلمون بالعمل أكثر مما يتعلمون بالكلام. ولقد قمت بتلخيص كتاب صيد الخاطر، لابن الجوزي، فكان أهم ما وقفت عنده طويلًا واستفدت منه المواقف التربوية التي تعرض لها، وهاكم بعضًا منها ملخصًا مع تصريف يسير: ابن الجوزي يجاهد نفسه خوفًا من غضب الله وثقة بأنه محاسب على كل صغيرة وكبيرة.

يقول: تراعنت علي نفسي في طلب شيء من أغراضها، بتأويل فاسد فقلت لها بالله عليك تصبري، إذا هممت بفعل فقدري حصوله ثم تأملي عواقبه، وما تجنين من ثمراته، فأقل ذلك الندم على ما فعلت، ولا يؤمن أن يثمر غضب الحق  وإعراضه عنك.

ثم اعلمي أيتها النفس أنه ما يمضي شيء جزافًا، وأن ميزان العدل تبين فيه الذرة، فتأملي الأموات والأحياء، وانظري إلى من نشر ذكره بالخير أو الشر.

إن الله سريع الحساب:

يقول ابن الجوزي: «أطلقت نظري فيما لا يحل لي ثم كنت أنتظر العقوبة، فألجئت إلى سفر طويل لا نية لي فيه فلقيت المشاق».

قلت وأنا بدوري أهدي هذا الموقف للعاكفين على الفضائيات والمجلات والأفلام والأغاني والصور، وما فيها من فتنة وفساد.

علماء يداهنون الظلمة من أجل الدنيا:

يقول ابن الجوزي: وقد رأينا جماعة من العلماء يغشون الولاة لأجل نيل ما في أيديهم فمنهم من يداهن ويرائي، ومنهم من يمدح بما لا يجوز، ومنهم من يسكت عن منكرات، إلى غير ذلك من المداهنات وسببها الفقر، فعلمنا أن كمال العز والبعد عن الرياء يكون في البعد عن الولاة الظلمة، ولم نر من صح له هذا إلا في أحد رجلين:

- من كان له مال كسعيد بن المسيب، كان يتجر في الزيت وغيره، وسفيان الثوري كان له بضائع، وكذلك ابن المبارك.

- من كان شديد الصبر، قنوعًا بما رزق، وإن لم يكفه كبشر الحافي، وأحمد بن حنبل. ومتى لم يجد الإنسان كصبر هذين ولا كمال أولئك فالظاهر تقلبه في المحن والآفات وربما تلف دينه .

فعليك يا طالب العلم بالاجتهاد في جمع المال لغنى عن الناس، فإنه يجمع لك دينك فما رأينا في الأغلب منافقًا في التدين ولا آفة طرأت على عالم لا يحب الدنيا. وغالب ذلك الفقر، فإن كان له مال يكفيه ثم يطلب بتلك المخالطة الزيادة، فذلك معدود في أهل الشره خارج عن حيز العلماء.

قلت: ولا يتعارض هذا مع بعض العلماء الذين خالطوا الحكام وأمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر وتصدقوا بأموالهم على الفقراء وطلاب العلم مثل الزهري مع عبد الملك ابن مروان.

ومن يتق الله يجعل له مخرجًا:

 يقول ابن الجوزي ضاق بي أمر أوجب غمًا لازمًا دائمًا وأخذت أبالغ في الفكر في الخلاص من هذه الهموم بكل وجه، فما رأيت طريقًا للخلاص، فعرضت لي هذه الآية: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا  وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ﴾ (الطَّلَاق : 2-3)

فعلمت أن التقوى سبب للمخرج من كل غم. فما كان إلا أن هممت بتحقيق التقوى فوجدت المخرج.

فلا ينبغي لمخلوق أن يتوكل إلا على الله، فالله عز وجل كافيه، فيقوم بالأسباب ولكن لا يعلق قلبه بها.

احذر أن تتعدى حدود الله فتهون عنده وعند خلقه:

يقول ابن الجوزي: لقد رأيت من أنفق عمره في العلم إلى أن كبرت سنه، ثم تعدى الحدود، فهان بند الخلق، فكانوا لا يلتفتون إليه مع غزارة علمه. قوة مجادلته، ولقد رأيت من كان يراقب الله  في صبوته أي في شبابه وميله إلى الله، مع قصوره، بالإضافة إلى ذلك العالم، فعظم الله قدره في القلب حتى علقته النفوس، ووصفته بما يزيد على ما فيه من الخير.

كيف تستبطئ إجابة الدعاء.. وقد سددت طريقها بالمعاصي ؟!

هل تتأخر إجابة الدعاء بسبب المعاصي؟

 يقول ابن الجوزي: نزلت في شدة، وكاثرت من الدعاء أطلب الفرج والراحة وتأخرت الإجابة فانزعجت النفس فصحت بها: ويلك، تأملي أمرك أمملوكة أنت أم مالكة؟ أما علمت أن الدنيا دار ابتلاء واختبار، فإذا طلبت أغراضك، ولم تصبري على ما ينافي مرادك فأين الابتلاء؟

ثم قلت لها: إنك قد استبطأت الإجابة وأنت سددت طرقها بالمعاصي كأنك ما علمت أن سبب الراحة التقوى: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا  وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ ﴾ (الطَّلَاق : 2-3).

وقلت لها: إنك تطلبين ما لا تعلمين عاقبته وربما فيه ضررك. ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ﴾ (البَقَرَةِ : ٢١٦).

لا تظاهر مسلمًا بالعداوة، فقد تحتاج إليه:

يقول ابن الجوزي مما أفادتني تجارب الزمان أنه لا ينبغي لأحد أن يظاهر بالعداوة أحدًا ما استطاع، فإنه ربما يحتاج إليه مهما كانت منزلته. وإن الإنسان ربما لا يظن الحاجة إلى مثله يومًا ما، لكن كم من محتقر احتيج إليه، فإذا لم تقع الحاجة إلى ذلك الشخص في جلب نفع وقعت الحاجة في دفع ضر.

ولقد احتجت في عمري إلى ملاطفة أقوام، ما خطر لي قط وقوع الحاجة إلى التلطف بهم.

اكلفوا من الأعمال ما تطيقون:

يقول ابن الجوزي ولقد شاهدت رجلًا بجامع المنصور وهو يمشي كثيرًا سألت ما السبب في ذلك؟

فقيل لي حتى لا ينام.

وهذه كلها حماقات أوجبتها قلة العلم، لأنه إذا لم تأخذ النفس حظها من النوم اختلط العقل وفات المراد من التعبد.

لماذا تأثر بعبد الوهاب الأنماطي وأبي منصور الجواليقي؟

يقول ابن الجوزي: لقيت مشايخ... أحوالهم مختلفة، يتفاوتون في مقاديرهم في العلم، وكان أنفعهم لي في صحبته العامل منهم يعلمه، وإن كان غيره أعلم منه.

ولقيت جماعة من علماء الحديث يحفظون ويعرفون، ولكنهم كانوا يتسلحون بغيبة يخرجونها مخرج جرح وتعديل، ويأخذون على قراءة الحديث أجرة، ويسرعون بالجواب لئلا ينكسر الجاه وإن وقع خطأ، ولقيت عبد الوهاب الأنماطي، فكان على قانون السلف، لم يسمع في مجلسه غيبة وكنت إذا قرأت عليه أحاديث الرقائق بكي واتصل بكاؤه.

فكان . وأنا صغير السن حينئذ - يعمل بكاؤه في قلبي، وكان على سمت المشايخ الذين سمعت أوصافهم في النقل.

ولقيت الشيخ أبا منصور الجواليقي، فكان كثير الصمت شديد التحري فيما يقول متقنًا محققًا، وربما سئل عن المسألة الظاهرة التي يبادر بجوابها بعض غلمانه، فيتوقف فيها حتى يتيقن وكان كثير الصوم والصمت فانتفعت برؤية هذين الرجلين أكثر من انتفاعي بغيرهما .

فهمت من هذه الحالة أن الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول.

﴿وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ (السَّجۡدَة : ٢٤).

﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ (الفُرۡقَان : ٧٤).

تفاوت الهمم

أسامة على متولي

ومن نفوسنا نفوس تؤثر الدعة والخمول، تحب النوم والأكل، يتعلق صاحبها بالدنيا، ويجري لها جري الوحوش في البرية، عبد لبدنه، خادم لبطنه، يرضى بالتفاهات يحوم حول الدناءات جبان رعديد، يخاف الموت، ويحب الحياة همه خاصة نفسه ربه يرفعه وهمته تضعه، يقعد عن معالي الأمور، لا يطلب علمًا، ولو علم لما عمل. إذا أنجز القليل استكثره، ولو أعطى اليسير استعظمه.

وتعظم في عين الصغير صغارها                 وتصغر في عين العظيم العظائم

ينشغل بما لا يعنيه، يتكلم في الأعراض يلوم هذا وينتقد ذاك ينسب الفشل إلى غيره إلى الظروف والملابسات إلى الأوضاع والبيئة.

طريقة طريق المنافقين: ﴿ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمۡ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ﴾ (التَّوۡبَة : ٥٤) ، ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ ﴾ (البَقَرَةِ : ١٤).

يحلم، لا يتعدى الحلم، يؤمن بالسين وسوف يحيا في يأس مطبق يتطير ويتشاءم، سرعان ما ينسحب من الميدان، لا صبر لديه ولا طاقة.

فقد الغيرة والإحساس، أمته تضيع ولا يتحرك، يخضع لعدوه، يخدمه، يتشبه به في ملبسه ومأكله.

يأتي الدنيا ويغادرها، لم يترك بها بصمة. ينتهي ذكره بموته، يعدونه من سقط المتاع.

أما صاحب العزيمة القوية الصادقة، فيستيقظ من نومته، وينهض من كبوته، ينحت الصخر، يحفر اسمه في ذاكرة الدنيا، يزاحم باكتشافه العظماء كالنسر فوق القمة الشماء. لا يقنع أبدًا بالدون ولا يرضى بالطين.

يحب معالي الأمور ويكره سفسافها، لا يذل المعصية، لا يخضع للذة، خلى الذنوب صغيرها وكبيرها، يجاهد نفسه، ويربيها ويزكيها .

يشعر ويجد يتقدم لا يتردد، لا يتحير، لا يتلكأ، ينافس ويسابق ويسارع، ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ ﴾ (المُطَفِّفِين : ٢٦).

فرد كالأمة، يشار إليه بالبنان، وتضرب به الأمثال، تعقد أمته عليه الآمال، لينتشلها من وحلها، يتقدم الصفوف، يدعو: ﴿وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ (الفُرۡقَان :74).

يردد:

سيذكرني قومي إذا جد جدهم                 وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر

ويردد أيضًا:

إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني         دعيت فلم أكسل ولم أتبلد

أخلاقه تحدوه صدق وتواضع وحلم وحياء، يسير على هدى وبصيرة وإذا بلغ الآفاق لم يتغير، لا ينسب الفضل إلا لربه: ﴿ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيٓ﴾ (يُوسُف :37)، ﴿هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي﴾ (النَّمۡل :40) .


روائع محمد أحمد الراشد تطل من جديد

بين السهول والجبال.. وفي مكان قصي. هناك يعيش الداعية محمد أحمد الراشد ينبيك عن حاله هو بنفسه إذ يقول لك: هكذا هو قدرنا ... نحن الدعاة الأحزان قرباننا ... والآلام نشيدنا والحمد لله على كل حال.. كان ذلك قبل أن يزول نظام البعث في العراق ويستعد الشيخ للعودة إلى بلده ليمارس دوره بين إخوته.. في ذلك المكان البعيد، حيث لا مساجد عامرة، ولا ملتقيات مباركة، قابلت شيخي وأستاذي حكى لي قصة الكفاح، وسعيه ليعيش حياة الشرف، ولو قل الناصر، وما زالت كلمته ماثلة بين عيني عندما ذكرني بقصة سفيان الثوري لما سئل: ما التواضع قال: التكبر على الأغنياء، فعلق قائلًا:

ونحن الدعاة أهل مؤاخاة لكل مسلم بحمد الله الغني منهم والفقير، ولن تتكبر على أحد حسدًا أو كراهة، ولكن لغة سفيان دعوية خاصة ومعناها أن نريهم العفاف والنفس الغنية .. ونشعرهم بأننا لا نطمع بما في أيديهم، بل نرنو إلى الآخرة. ويبدو أن سفيان قد صدمه بطران فاضطره إلى هذه اللغة الغليظة، تمامًا كالذي يجري معنا اليوم حين نزور أهل المال نستعطفهم، وتخبرهم . بوكالتنا عن المسلمين، فنلمس تثاقلًا، لكن سفيان نطق تسعفه مكانته، ونخرس نحن» ..

كم كان للشيخ الراشد أثر بالغ في حياة كثير من الدعاة، وكم كان لكتابته من هداية خير في نفوس العلماء والأخيار.

سأل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله عنه مرارًا، بعد أن قرنت عليه كتب الشيخ «المنطلق العوائق الرقائق» وقبل وفاة سماحته بشهرين أرسل إلى أحد علماء الخليج يوصيه بالشيخ الراشد، ويدعوه لمقابلته، ولكن القدر حان. وبقيت الأرواح متصلة محبة ووفاء. لقد غاب ابن باز صاحب الوفاء، فمن سيرشحه القدر ليفي بحق الشيخ الراشد وهو في الرابعة والستين من عمره؟ وها هو يعظك بعد هذا الشوط الأكبر من العمر فيبلغ لك الموعظة قائلًا:

«وأخاف من يوم الحساب وكيف يكون التدرج، وفيه إبطاء، والأمر جد، والحساب قريب لست تدري متى الموت، وما أنت بضامن نفسك.

فكن على حذر، وتخيل يوم استيفاء الحقوق.... إذا وثب عليك خصماؤك وهجم عليك طالبوك وأحاطوا بك ومدوا أيديهم إليك، فهذا يأخذ بيدك وهذا يشعرك، وهذا بما أمكنه مما أذن الله تعالى أن يأخذه منك..

فواحد يقول: يا رب هذا ضريني. وثان يقول: يا رب هذا شتمني وثالث يقول يا رب هذا اغتابني. وهذا احتقرني هذا غصبني هذا ظلمني حقي هذا عاملني فغشني ولم ينصحني. هذا رأني مظلومًا وقدر على نصري فلم ينصرني هذا علم أني جائع ولم يطعمني وكيف كانت معاملتك مع الناس وكيف كانت معاشرتك لهم، فبينا أنت كذلك لا تدري ما تقول ولا تدري ما تعمل ولا أين تقر ولا كيف تتخلص وقد أبهتك الأمر وأدعشك الحال إذ سمعت نداء المنادي: «ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۚ لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ» (غَافِر : ١٧).

أحوال مخيفة، ليس منها مهرب، إلا أن تلح في الاستغفار والإنابة والاطراح بين يدي الله  تسأل التجاوز، وتكرر مرة ومرتين كل يوم.

إلهي تحملنا ذنوبًا عظيمة

أسأنا وقصرنا، وجودك أعظم

سترنا معاصينا عن الخلق جملة

وأنت ترانا، ثم تعفو وترحم

لك الحمد عاملنا بما أنت أهله

وسامح وسلمنا، فأنت المسلم

تقولها مع الخشية والانكسار وتمام الضراعة والتوسل.

فإذا نزلت منك دمعة.. كان نزولها إذنًا لك أن تأمل وترجو وتطمع فبادر إلى رفدها بدمعتين ».....

وبعد الرابعة والستين يطل النور من جديد، لم تكن هذه السنوات التي صمت فيها قلم الشيخ هينة على طلابه ومتابعيه، بل كان السؤال عنه متواصلًا لكل عارفيه. وقد أبدع أحد طلابه حين أنشأ موقع «المسار» www.almasar.net وضمنه سيرة الشيخ ومقالاته وكتبه الحديث منها والقديم ومحاضراته وتفريغًا لبعض الأشرطة المسجلة، وإن لم يسعفنا بأخبار الشيخ.

ولكن بعد المرحلة المريرة التي قدر الله للشيخ أن يعيشها مهاجرًا بين البلدان ها هو يطل من جديد عبر رسائله الجديدة، وروائع عباراته الراقية. يمضي بنا الشيخ الراشد في هذه الفترة القادمة إن شاء الله في رحلتين:

الرحلة الأولى رحلة فقه الدعوة، ضمن سلسلة جديدة أسماها مواعظ داعية تقرأ فيها العديد من الرسائل إن شاء الله، وتعود إلى روائع الراشد من جديد.

كن معي الآن عبر رسالة «صراطنا المستقيم».

ليهديك روائعه فيقول:

الخير له عدوى، كما أن للشر عدوى. وانظر كيف تبدأ أحزاب السوء وتستولي على بلد تكون مناجاة بين القلائل، فتكون عصابة تقوى وتستولي.

وكذلك أمر الإيمان، يبدأ بتكتل أهل الخير والأكثر بذلًا هو الذي سينتهي له الأمر، المؤمن أو الفاجر، ونحن الذين بيدنا أن نحيا الحياة العزيزة أو أن يستبد بنا فساق من أبناء جلدتنا إذا دأبوا وانتظموا.

واقرأ له قربة الأحزان، إذ يقول: وهذه هي الهموم الشخصية وآلام العيش اليومي الصعب كتمها ونصبر على اللأواء، أما هموم الأمة ومواساة جمهور المسلمين في نكباتهم فإن حملها هو صنعة الدعاة الرئيسة، وقد اختارنا الله تعالى ذلك بحكمته، وكتب علينا الألم، وبه يتمثل الخلق الأول من سلسلة أخلاق دعوية أخرى نتحلى بها تجميل أنفسنا وصقلها وتزيينها وإكسابها الهوية الخاصة المميزة لها عن هويات غيرنا اللا أباليين أولي الأذان الصم عن سماع الغصص الإفريقي والعويل البورمي، والأنين القوقازي.

 فذلك هو الذي أتاح لعلي بن الفتح رحمه الله في الزمن القديم أن يبتكر ابتكاره، ويخترع مهنته. كما خرج يوم عيد الأضحى فرأى الناس يضحون بضحاياهم، وهو فقير لا دينار له، ورأس ماله علو الهمة، فانتحى جانبًا وقال:

يا رب وأنا تقريت إليك .... بأحزاني.

هكذا هو قدرنا .... نحن الدعاة

 الأحزان قرباننا ... والآلام نشيدنا ..

ندير تجارتنا عبر مصرف يتقبل ودائع اللذعات

انتباهة.. فانتفاضة فتأمل فدراسة ... فمشاركة ...

فمعايشة... وتكون لكل منكوب الظهير المنجد والناصر المغيث.

وهذا هو الحزن الإيجابي الذي لا يعرفه كثير من الناس، واستقصينا نحن فنونه، فما نزال بعد نعيش في رحاب لذائذه.

إجابة المظلوم.... وتلقين الساذج... وإيقاظ الراقد .... ورفد المجاهد ... ومصافحة الناهض.. لعمارة المحاريب... وستر النجائب..... كل ذلك مهنة المقدمين رجال النفيضة، ولأصحاب الطنابير ما وراء الساقة..

ثم لتقف معي عند عبارات الشيخ، وهو يهتف بحكمه:

دمعة الداعية غالية، ولن يفجرها طول سجن وضيق قيد، ولكنها مخافة سوء المنقلب الأخروي، وتدمع عينه المستضعف يروم الالتجاء إلى ركن دعوي يلوذ به ويحميه وينادي بحقوقه، فيجد أن من عرف قصة الحياة من شباب الإسلام وحازوا لوعي قد استروحوا لعمل فردي ولم تدفعهم سمهم لعمل جماعي وإسناد من بدأ وانتصب في الساحة، فتستقبل المستضعف وحشة ... ووحوش».

 وسيحلق الدعاة، ويبدؤون ينتظمون في صفوفهم، ويبرمجون خططهم في وصف دقيق في الرحلة الثانية عبر كتابه «مرحلة المنهجية التربوية» ليسمو بنا منذ البداية قائلًا:

يوم كانت الهمة تامة لم تنحت منها السنون بعد: كنت أجمع بعض إخواني الدعاة في جامعة بغداد، بعدد قليل دون العشرين كل أسبوعين لنقوم الليل ونتلو القرآن مع درس دعوي وموعظة مناسبة.

ولأن الرقابة كانت هاجسنا فإنا كنا نتجاوز المساجد الظاهرة العامرة إلى مسجد عتيق رطب عريض الجدران واطئ الطاقات والأقواس بالي الفراش، في زقاق ضيق قديم، يسمى مسجد حسين باشا، وهو الوالي العثماني الذي بناه قبل أربعمائة سنة تقريبًا، ويبدو أن يد الصيانة لم تمتد إليه آنذاك، فكان التلف ظاهرًا في أكثر أرجائه والجص قد سقط من بعض حيطانه.

لكن أولئك المائة الرواد الذين كانوا يتناوبون الحضور أفواجًا صدروا عن إجماع جازم أنهم لم يروا مكانًا تتجلى فيه البركة الربانية ظاهرة كمثل حرم ذاك المسجد، وكان أي مشارك يحس بروحانية عميقة تحت تلك الأقواس، ويشعر بشعور خاص إذ هو بين تلك الجدران الهرمة يفوق تأثير الموعظة ويضاعف إخبات القلوب الذي يولده التهجد والتغني بالآي، حتى إذا حكم وقت أذان الفجر: تصدى لرفع الأذان الحاج أحمد رحمه الله مختار حي الحيدر خانة الذي يقع المسجد فيه، وكان رجلًا ميسورًا لكنه يسكن غرفة في المسجد تطل على ساحة واسعة. فكان إجماع من إخواني أنهم لم يسمعوا أبدًا أذانًا جميلًا آسرًا مطربًا كمثل أذانه، وكان عادل الشويخ يقول: يصح البيات في المسجد ثمنًا لسماع ذلك الأذان، وأنا أشهد بما شهد به يرحمه الله : إني حتى الآن وأنا في الرابعة والستين ما أتلذذ بسماع نغمات أذان تدق أبواب القلب دقًا كنغماته، وآثار أذانه في نفوس أولئك الدعاة تعدل ما يرجعون به من آثار التلاوة والتهجد».

کتاب تخطيط ومنهجية تربية

وسيقرأ الدعاة في كتاب منهجية التربية الدعوية، أفكارًا وخططًا محكمة، وآراء واجتهادات متقنة، ونهديك منها:

«مشاركة الحلقات التربوية في بذل جهد، في تنفيذ مقدار معين من الخطة الدعوية العامة بالتنسيق مع مجموعات الحلقات الأخرى، بمعنى أن الحلقات ليست وحدة تربوية فقط بل وحدة تنفيذية أيضًا، والواجبات المتفرعة عن التوجيهات الخططية كثيرة التنوع قد تبلغ المائة، فمن الأعمال الصغيرة توزيع بيان، أو تعليق لافتة، أو خدمة ضيف دعوي، أو نقل شيء ومن الأعمال المتوسطة التصويت الانتخابي، والقيام بدور المفتاح الانتخابي بجلب أصوات آخرين، سواء في انتخابات البرلمان أو النقابات والجمعيات والنوادي وكذا جمع التبرعات في بعض الأحوال، والأعمال الإغاثية الدائمة أو الطارئة، وإلقاء دروس ومحاضرات وكتابة مقالات في الصحافة وتعليقات وردود، ودخول لجان لبناء مسجد أو مدرسة والتعليم التطوعي في مدارس محو الأمية أو دورات تقوية للطلاب، أو الإمامة في مسجد احتسابًا، ومن الأعمال الكبيرة الترشح في الانتخابات، وتأليف كتب، والجهاد في سبيل الله ويذل الروح. وهذه إنما نسوقها كلها كأمثلة ..

وجعل الحلقة الدعوية محضنًا أوليًا لنمو بذور التخصصات التي تحتاجها الدعوة، فإن العمل الدعوي الناجح الذي يوازي المقاييس العصرية والتطور الحضاري يلزمه الانتقال من العفوية والارتجال والصيحات والتعميمات الغامضة والمسارعات العاطفية إلى أداء متقن قياسي عبر تمكين أهل التخصص في كل فن، وكل قطر يحتاج إلى وجود عشرات في كل حقل، ونحتاج مائة سیاسي قدير ممارس يصلح أحدهم أن يكون رجل دولة، ومائة رجل أعمال متمرس، وخمسين إعلاميًا. ومائة تربوي، وعشرة شعراء وعشرة قصاص وعشرة مؤرخين في التاريخ الإسلامي، ومثلهم في التاريخ السياسي الحديث والمعاصر، ومائة أستاذ جامعي في حقول الشريعة والقانون والفلسفة والأدب والنقد الأدبي وعلم الاجتماع والاقتصاد واقتصاد النفط والإدارة والتخطيط والجغرافية السياسية واستشراف المستقبل وعلم النفس وأمثالهم في العلوم التطبيقية وفروع الفيزياء والكيمياء وأنواع الهندسة، ويلاحظ في كل ذلك: وجوب حيازة الدكتوراة، وهي هوية الاحتلال المراكز المتقدمة.

وتكثيف الخبرة والتجرد للفن الذي يتم التخصص فيه، وتطبيق منهج تطوير .

والعمل مع الأقران كفريق عبر مؤسسات ومراكز حكومية أو دعوية أو شركات.

 والإعلان عن النفس وإشعار الناس بوجودهم وبآرائهم عبر تأليف الكتب والكتابة في الصحف، والظهور في التلفاز وحضور المؤتمرات.

لذلك، ولصعوبة هذه الشروط والمستويات فإن صناعة «داعية متخصص خبير» واحد يلزمه تقدم خمس دعاة ربما لينجح في النهاية واحد، ولذلك يلزم التبكير في توجيه أصحاب الذكاء والقابليات الفطرية الذين تساعدهم ظروفهم العائلية على ذلك، إذ الرحلة طويلة ولا بد من استثمار الفرص التي تتاح».

ثم أما بعد:

فمن عجب أن نعلم أن الشيخ لا يزال حريصًا على التطور والإبداع وهو في الرابعة والستين من عمره ليفل بذلك النظرية التي تدعي أن الإبداع والتطور لا يكون إلا في سن الشباب فلنتابع معًا إبداعات الداعية الراشد في كتبه القادمة التي تصدر من دار المحراب بكندا إن شاء الله تعالى، كما يبشر الراشد القراء بصدور كتاب له أكبر وأهم بعنوان أصول الإفتاء والاجتهاد التطبيقي في نظريات فقه الدعوة الإسلامية وتهذيب لكتابي الغياث الإمام الحرمين الجويني الذي هو من كتب السياسة الشرعية، ومطالعتها تمهد لفهم «موسوعة معالم التطور الدعوي»، في خمسة أجزاء التي ستصدر بإذن الله في أواخر سنة ٢٠٠٣م مع رسائل كثيرة ضمن سلسلة مواعظ داعية، وكتب أخرى صغيرة في فقه الدعوة ثم في خطة دار المحراب كثير جديد إن شاء الله .

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل