العنوان المجتمع التربوي: العدد 1596
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 10-أبريل-2004
مشاهدات 76
نشر في العدد 1596
نشر في الصفحة 54
السبت 10-أبريل-2004
سمير الحلواني
قبل أن تمسي علاقات روتينية فاترة:
الطريق إلى تعميق الأخوة
من اللافت للنظر في سيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم أنه اختار- في المدينة بعد الهجرة وبناء المسجد- أن يؤكد مفهوم الأخوة بشكل عملي واقعي، عندما آخى بين المهاجرين والأنصار، بل تعدى الأمر ذلك إلى أن تكون وراثة بين المتآخين في بداية الأمر ثم نسخت بعد ذلك.
ولكن لعلني ألفت الانتباه إلى أمور عملية لعلها تحيي معنى الأخوة في قلوبنا ومشاعرنا، ذلك المعنى الذي أراد الحبيب ﷺ تثبيته من أيامه الأولى في المدينة المنورة، ومن هذه الومضات ما يلي:
- لماذا أنت أخي؟ ما فائدتك لي؟ ومن ذا الذي أريد أن يكون لي أخًا؟ أسئلة متعددة نحتاج النظر إليها بعمق، مع الرجوع إلى الآيات القرآنية والإشارات النبوية وإرشادات الصحابة والسلف رضوان الله عليهم أجمعين.
قال الله تعالى: ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (سورة الزخرف آية: 67)، وقال ﷺ: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» و «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» و«المؤمن أخو المؤمن لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب إمرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» و«المؤمن مرآة أخيه» و«المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى» و «صديقك من صدقك لا من صدقك».
حقوق الأخ وواجباته
علينا اختيار الأخ بحرص ودقة ومعرفة حقوقه وواجباته، ومنها.
أولًا: السلام والمصافحة: من الأمور العملية المهمة التي نحتاج إلى الانتباه إليها ما وصى به الحبيب ﷺ «لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» السلام بصيغته الإسلامية: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أو السلام عليكم ورحمة الله، أو السلام عليكم، ولا ننسى أن الحبيب ﷺ قال: «إذا تصافح المسلمان تحات ذنوبهما كما تتحات أوراق الشجر»، ولكن نريد من المصافحة أن تكون حارة كما كان هديه ﷺ، فكان لا ينزع يده حتى ينزع الآخر، وكذلك النظر والابتسامة إلى المصافح وشد يده باعتدال وإشعاره بالدفء والمحبة، فإن هذه المشاعر تنتقل سريعًا من حيث لا نشعر.
هل شعرت أخي بالفرق بين من يصافحك بحرارة وصدق، ومن يصافحك بيد باردة ونظر مشغول ولا يكاد يعطيك إلا طرف يده!!! هل يستويان؟!
ثانيًا: قضاء الحاجات: فهو من الأمور المهمة التي تقوي أواصر المحبة والأخوة حتى قبل أن يطلب أخوك، فهذا الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يأتيه رجل يريده لقضاء حاجة، وهو معتكف في مسجد رسول الله ﷺ وإذا به يلبس نعليه ويخرج مع الرجل، فإذا بالرجل يستدرك ويقول: يابن عم رسول الله، إنك معتكف؟ فيقول رضي الله عنه : أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لأن امشي في حاجة أخي أحب إلى من أن أعتكف في مسجدي هذا شهراً ؟!» وكم من إخوة قويت علاقاتهم لاهتمام بعضهم بحوائج بعض حتى وإن كانت في نظر البعض بسيطة تافهة.
ثالثًا: المصارحة والنصيحة بالحسنى: وهي أيضًا من الأمور التي ينبغي أن ننتبه لها، فكم من أخوة قويت بالنصيحة والصدق والمصارحة، وردت الأخ عن انحراف أو تهاون، وأذكر أن أحد إخواني وقع منه تفريط في إحدى السنن فكان الكثيرون لا يصارحونه بذلك لشدته، فلما نصحته بذلك شكرني وقال لي: أشكرك على ذلك وإن كنت أختلف معك إلا أنني أعرف أن الكثيرين من إخواني يتكلم عني ولا ينصحنى، فقلت له: بل أنصحك مرة واثنتين ومائة، فما أريد لك إلا الخير فكان ذلك استئناسًا بيني وبينه ولله الحمد.
رابعًا: إبقاء صفاء القلب دائمًا: لأن الشيطان حريص على تضخيم أي خلاف بين الإخوة، والخلافات تكثر خاصة إذا كان التعامل بين الإخوة مستمرًا في الأنشطة واللقاءات والاجتماعات أو حتى في العمل العادي، لذلك المطلوب تصفية القلب دومًا حتى وإن كان الأمر بسيطًا، وأتأكد من خلو قلبه وقلبي من أي شحناء، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجري الدم من العروق.
خامسًا: المجاملة والهدية: وهي من الأمور المهمة التي تطيب الخاطر وتقوي العلاقات وهي أيضًا سنة نبوية عظيمة، قال عنها الحبيب ﷺ: «تهادوا تحابوا»، وليس شرطًا أن دون الهدية غالية أو تكون دائمًا شريطًا أو كتاباً، وإنما بالإمكان أن يكون شيئًا رمزيًا وقد تكون مضحكًا بعض الأحيان، ولكن الهدية تبقى هدية، ومن ظريف ذلك أنني كنت مع بعض الإخوة الأفاضل وأحببت أن أحيي سنة الهدية، فوجدت عند المسجد بعد صلاة العشاء من يبيع بعض الخضار كالليمون والجزر، فاشتريت كيسًا من كل واحد وأخذته لصاحب المنزل الذي استغرب هذه الهدية وأصبحت مثلًا لطيفًا يذكر بالهدية.
ومن الأمور التي كانت ولا تزال موجودة، أن الشاب عندما يكون حديث عهد بالتزام فإن أخاه الأقدم منه التزامًا، يتودد إليه بالهدايا والمرور عليه للذهاب لصلاة الجمعة مثلًا، ثم بعد أن يقوى عود هذا الشاب وينتظم فإن تلك الاهتمامات تكاد تختفي!!
سادسًا: الستر والتواصل حتى بعد الانقطاع: وهذا يحدث إذا وقع فتور بين بعض الإخوة لأمر أو لخلاف فابتعد أحد الإخوة عن المجموعة، فينبغي ألا نترك هذا الأخ ولا نكون عونًا للشيطان عليه، بل علينا مواصلته وإرجاعه أو إبقاؤه على أدنى حدود الالتزام على أقل تقدير، ونتجه إلى فضحه وإفشاء سره، فإن هذا مناف لأخلاق الأخوة الإسلامية.
سابعًا: التواصل حين الغربة والبعد: وهذا مما ينبغي التنبه إليه لأنه مهم في إبقاء الصلة مع الأخ وتذكيره بنشاطه واستمراره وألا يخفت وينقطع نشاطه لبعده عن الصحبة والمؤازرة والتوجيه، ولابأس بأن پزوره البعض في إحدى الإجازات خاصة إذا كان المكان قريبًا، وإن كان المكان بعيدًا فالاتصال عبر الهاتف والبريد الإلكتروني من الأمور المتيسرة التي تبقي حبل المودة والتذكير، ولابأس بأن نوصي من هم في البلد من قدامى الإخوة بزيارته والتوصية عليه قدر الاستطاعة.
ثامنًا: أمر أخير وهو من الأهمية بمكان: وهو مرتبط باستمرار التواصل، ألا وهو أنه إذا كان لقاء مستمر بين مجموعة من الإخوة ثم انقطعت لسبب أو لآخر فينبغي أن تبقى العلاقة دافئة مستمرة حتى وإن لم تكن هناك علاقة عمل أو دعوة، وأذكر بشيء من الحزن إنني كنت مع بعض الإخوة الأفاضل لفترة تقرب من الخمس سنوات، ثم عندما اختلفت مناطق عملنا انقطعت العلاقة بشكل مفاجئ حتى بدون لقاء توديع أخير، ولعلني ألوم نفسي كذلك أنني قصرت في هذا الأمر أيضًا.
أيمن حمودة (*)
(*) خدمة مركز الإعلام العربي- القاهرة
النجاح الحقيقي والتعب المريح
النجاح أمنية غالية يحرص كل إنسان على تحقيقها البعض يعمل وينجح ويتألق، بينما البعض الآخر يفشل والحقيقة التي ينبغي معرفتها أن لكل مجتهد نصيبًا، وأن النجاح لا يأتي صدفة أو بضربة حظ أو بطريق الفهلوة والنصب، ولكن للنجاح شروط ومتطلبات لابد من توافرها حتى يستطيع الإنسان أن ينجح في الحياة.
فنجاح الإنسان يتطلب منه عملًا وجهدًا دؤوبًا متصلًا لا يعرف الكلل أو الملل.
فالغالبية العظمى من رجال الدولة المرموقين أو السياسيين الناجحين أو المهنيين المشهود لهم بالكفاية والاقتدار أو الرياضيين المشهورين أصحاب البطولات العالمية.. لم يبلغوا ما بلغوه اعتمادا على الحظ أو الصدفة البحتة، كما يحلو لبعض الفاشلين في أن يدعوا لتبرير فشلهم، بل إن هؤلاء جميعًا بدأوا من الصفر، وتدرجوا في أعمال مناصب عديدة ومتنوعة، وواجهتهم صعاب ومشکلات لم يستسلموا لها، ولكنهم تخطوها وتغلبوا عليها بالعزيمة القوية والجهد المخلص حتى حققوا ما تمنوه من نجاح كبير.
والنجاح الحقيقي يحتاج إلى جهد وكفاح وتعب يعقبه راحة وسعادة، فأوائل الطلبة المتفوقون في الشهادات الثانوية على سبيل المثال تعبوا وسهروا الليالي في المذاكرة والتحصيل، ولكن النتائج التي حققوها أراحتهم، إذ مكنتهم من دخول كليات القمة التي يرغبونها كالطب والهندسة، أو غيرهما من الكليات المرموقة.
الناجح حقًا
أما الناجح حقاً فهو المؤمن التقي النقي الذي يعمل لآخرته حيث يجعلها أكبر همه ومبلغ علمه، فحياته الحقيقية هي الآخرة وكل عمل صالح يقربه من رضوان الله ودخول الجنة، قال تعالي: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ (سورة الإسراء آية: 19)، وقال تعالى: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (سورة هود آية: ۱۰۸).
فالجنة ورضوان الله غاية المتقين والسعداء والناجين حقًا، ولكن الجنة ليست درجة واحدة، بل درجات، ومن كانت همته عالية كانت الدرجات العلا في الجنة أمنيته ورجاء له، وكان عليه أن يبذل أقصى جهد ممكن لنيل الفردوس الأعلى في الجنة، وهناك مجالات كثيرة أمام كل راغب في الجنة مثل صلة الأرحام والمحافظة على الصلاة في جماعة، وقضاء حوائج الناس والإكثار من ذكر الله، ونشر العلم النافع، وإغاثة الملهوفين، وحسن الخلق في التعامل مع الناس، والدعوة إلى الله، وأخيرًا النجاح حقيقة ورغبة يحركها عمل متواصل وإخلاص وتفان لبلوغ ذلك النجاح مع استعانة بالله وتوفيق من الرحمن.
وما أجمل ما لخصه العلامة القيم ابن قيم الجوزية «رحمه الله» لبلوغ النجاح بقوله: «وقد أجمع العقلاء في كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من آثر الراحة فاتته الراحة، وأن بحسب ركوب الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة، ولابد دون الشهد من إبر النحل».
صور من علو الهمة
منير بن أحمد الخالدي
إذا تأملت أخي سيرة النبي المصطفى ﷺ، والصحب والتابعين الكرام، فإنك ولاشك سترى الهمة العالية في أبهى صورها، والأهداف السامية التي كانوا يسعون لتحقيقها، وهي لم تكن مجرد أمان دون عمل، بل لحق تلك الأماني العمل الدؤوب والجهد المتواصل حتى وصل الواحد منهم لمراده، وتأمل ماذا طلب ربيعة بن كعب وماذا أراد أبو هريرة وما حققه ابن عباس.
هي قمم يطلبها الإنسان بقلبه ولسانه وعمله وبدون ذلك يكون قد غرق في الأحلام وغطاء بحر الأماني:
على قدر أهل العزم نأتي العزائم *** وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها *** وتصفر في عين العظيم العظائم
أهمية علو الهمة
كل شيء يحتاج إلى همة لإنجازه، وعلى قدر عظم هذا الشيء تعظم الهمة المطلوبة لتحقيقه.
يقول ممشاد الدينوري: «همتك فأحفظها، فإن الهمة مقدمة الأشياء، فمن صلحت له همته وصدق فيها صلح له ما وراء ذلك من الأعمال».
ويقول الإمام ابن القيم: «لابد للسالك من همة تسيره وترقيه، وعلم يبصره، ويهديه».
وتتجلى أهمية التحلي بهذه الصفة الجليلة فيما يلي:
1- تحقيق كثير من الأمور مما بعده عامة الناس خيالًا أو يستصعبون تحقيقه، ومن ذلك أن:
الرسول ﷺ يبني أعظم أمة أخرجت للناس ويربي جيلًا قرآنيًا فريدًا خلال ٢٣ سنة.
- أبو بكر الصديق في أقل من سنتين ينهي فتنة المرتدين ويرجع الجزيرة إلى حظيرة الإسلام ولم يمت- رضي الله عنه- إلا وجيوشه تحاصر الروم.
- أبوحاتم رحمه الله- يقول: ذهبنا إلى عبد الله بن مسلمة- من علماء القرن الثاني- فسألناه أن يقرأ علينا الموطأ، فقال: تعالوا بالغداة، فقلنا: لنا مجلس عند حجاج بن منهال، قال: فإذا فرغتم، قلنا : نأتي مسلم بن إبراهيم- قال: فإذا فرغتم، قلنا: نأتي أبا حديقة النهدي- قال : فبعد العصر، قلنا: نأتي عارم أبا النعمان، قال: فبعد المغرب.. فكان يأتينا بالليل.
إن الإنسان العادي يستصعب تلك الأعمال بل البعض يجعلها من المستحيلات، لكن صاحب الهمة العالية المرتبطة بهدف نبيل وغاية عزيزة له نظرة آخري، وهذه الأمور العظيمة التي سنحققها إن شاء الله تعالى بهممنا السامية تكون في مجالات شتی:
- في طلب العلم.
- في العبادة والزهد.
- في الدعوة إلى الله تعالى
- في تنفيذ مشاريع كبيرة..... إلخ.
2- البعد عن سفاسف الأمور:
يقول الإمام ابن الجوزي: قد رأيت عموم الخلق يدفعون الزمان دفعًا عجيبًا إن طال الليل فبحديث لا ينفع أو بقراءة كتاب فيه غزل وسمر، وإن طال النهار في النوم وهم في أطراف النهار على دجلة أو في الأسواق.. ورأيت النادرين من الناس قد فهموا معنى الزمان وتهيؤوا للرحيل، فالله الله في مواسم العمر، والبدار البدار قبل الفوات، ونافسوا الزمان
لا أدري ماذا كان ابن الجوزي يقول عن زماننا لو رأى كيف يقضي أبناء المسلمين وشبابهم بل أحياناً كبراؤهم وعقلاؤهم أوقاتهم، في التسكع في المجمعات ومضايقة الخلق وفي اللعب الباطل أو في المقاهي العابئة: لايقيمون للوقت وزنا ولا لحياتهم معنى.
وهذا الإمام عبد الغني المقدسي من علماء الحنابلة في القرن السادس الهجري «كان لا يضيع شيئًا من زمانه بلا فائدة، فإنه كان يصلي الفجر ويلقن القرآن وربما أقرأ شيئًا من الحديث تلقينا ثم يقوم فيتوضى ويصلي إلى قبل الظهر ثم ينام نومة يسيرة ثم يصلي الظهر ويشتغل إما بالتسميع أوالنسخ إلى المغرب، فإن كان صائمًا أفطر وإلا صلى من المغرب إلى العشاء، ثم ينام بعد صلاة العشاء إلى نصف الليل أو بعده ثم يقوم كان إنسانًا يوقظه فيتوضأ ويصلي إلى قرب الفجر، ثم ينام نومة يسيرة إلى الفجر، وهذا دأبه.
والهمة العالية في ذلك تتضح في أنه لم يتحمس يومًا أو يومين لسماع موعظة أو نصيحة ثم فتر، بل هذا كان دابه.
قال عنه موفق الدين: كان الحافظ عبد الغني جامعاً للعلم والعمل، وكان رفيقي في الصبا وفي طلب العلم، وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقني إليه إلا القليل.
إن صاحب الهمة العالية يستفيد من أوقاته أيما استفادة فتكون مثمرة بناءة فساعاته محسوبة وأيامه لا تضيع سدى.
3- صاحب الهمة العالية عبد لله وحده
فهو يتحرر من الانغماس في هواه ومن ذل نفسه للمال ومن تتبع شهواته للجاه والنساء، يتحرر من عبوديته للأشخاص.
هو إنسان لا ينقاد لتسلط الأمر الواقع بل يعمل لتغييره بما يوافق أحكام دينه، هو لا يرضى لنفسه أن تنقاد لكافر، بل يتطلع يوم تعلو فيه راية الإسلام ويعمل لأجل لك.
كیف نرقى بهمتنا؟
لا يمكن لأي مسلم أن يرقى بهمته إلا بعدة وسائل وأسباب، وهي كثيرة، نذكر منها:
1- المجاهدة: وهي أهم وسيلة تأخذ بيدك للمعالي: يقول تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (لعنكبوت: 69).
فأن تطلب العلم، وتدعو إلى الله تعالى، يكون لك تميز في أعمالك، تخطط لمشروع دعوي بارز، كل ذلك يحتاج إلى مجاهدة ومصابرة وسهر ليال وإشغال فكر.
فلنتأمل في هذا الموقف وتخيل مقدارما فيه من مجاهدة.
قال ابن القيم: «أعرف من أصابه مرض من صداع وحمى، وكان الكتاب عند رأسه فإذا وجد إفاقة قرأ فيه فإذا غلب وضعه».
2- الدعاء الصادق والالتجاء إلى الله تعالي: أن يقوي إرادتنا وعزيمتنا ويشحذ من هممنا، الدعاء بإخلاص وتذلل وقت الأسحار، وبين الأذان ويوم الجمعة وسائر الأوقات المباركات.
3- اعتراف الشخص بقصور همته: واعتقاد إمكانية تطويرها دون يأس ولا عجلة.
4- قراءة سير سلف هذه الأمة: يقول الإمام ابن الجوزي: «وعليكم بملاحظة سير القوم ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم فلاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم».
5- مصاحبة صاحب الهمة العالية: من يؤثر فيك فعله قبل مقاله.
٦- الابتعاد عن كل ما من شأنه الهبوط بالهمة وتضييعها: وكل إنسان أعرف بنفسه ما يؤثر فيها ويحبطها، ومن ذلك:
- مصاحبة البطالين وذوي الهمم الدنيا من ليس عندهم أي همة أصلًا.
- الانهماك بتحصيل المال.
- كثرة التمتع بالمباح وأن يكون هو الشغل الشاغل.
نسال الله تعالى أن يعلي همتنا ويقوي إرادتنا وينصرنا على أنفسنا وأعدائنا.
بين الداعية والدعي
شادي الأيوبي
كثير من الناس في هذا الزمن يخاطبون العامة في المساجد ويرفعون أصواتهم بالدعوة إلى الله بين الجماهير ويسمون أنفسهم أو يصفهم غيرهم بالدعاة إلى الله: لكنهم أبعد ما يكونون عن الدعوة إلى الله من حيث يشعرون ولا يشعرون، وما الشكاوى التي تنطلق اليوم ضد الكثير من القائمين على المساجد والجمعيات الإسلامية، والنفور من التعامل مع بعضها الآخر إلا صورة للأزمة التي يسببها هؤلاء بإبعادهم الناس عن العمل الدعوي بل عن الالتزام بالدين في أحيان آخري.
ومن المعروف اليوم أن كثيرًا من الناس ولأسباب كثيرة- وإن كانت غير صحيحة- لا يفرقون كثيرا بين المبدأ والشخص الذي يدعو له ويخلطون بين الأمرين بشكل كبير: مما يوجب على الداعين إلى الله أن ينظروا كثيرًا في تصرفاتهم وأن يقدروا أن أفعالهم وأقوالهم تحسب عليهم من قبل الكثيرين، وأنها تنعكس سلبًا أو إيجابًا على من يعرفهم، ومن الأمور السيئة أن الكثيرين من أصحاب القلوب المريضة لا هم لهم إلا تتبع عثرات الناس خصوصًا الذين يدعون إلى الله والتشهير بهم وتسليط الأضواء على أخطائهم وعيوبهم.
والفرق بين الدعاة والأدعياء يمكن أن يلاحظ للعارفين عند مسائل منها:
- التعامل المالي: فالأدعياء مهما تكلفوا في مصانعة الناس تراهم عندما يتعلق الأمر بالمعاملات المالية يضيقون صدرًا ويبتعدون عن المسامحة ويطالبون بكامل حقوقهم وربما أخذوا أكثر من حقوقهم في كثير من الأحيان، ويا له من تناقض في بين الدعوة إلى التسامح والتعامل بمبادئ الإسلام السمحة في البيع والشراء والقضاء والواقع الذي يعيش فيه هؤلاء.
- الانتقام للنفس: وعندما يتعلق الأمر بحق شخصي مادي أو معنوي فهم لا يتساهلون بأي شكل وتثور ثائرتهم لأقل خطأ من الطرف المقابل: بينما يتفننون في تبرير تصرفاتهم وأخطائهم ويتبجحون بتهجمهم على الآخرين وكأنهم حققوا بذلك نصرًا عظيمًا.
- الانتصار للرأي: والأدعياء يضيقون صدرًا بسماع الرأي المقابل: فضلًا عن أن يقتنعوا أو يعملوا به، ويقعون في جدالات عقيمة تدوم أوقاتًا طويلة لا فائدة عملية منها، لكن الكبر المسيطر في نفوسهم يجعل من المستحيل عليهم التسليم بصحة الرأي الآخر.
- إساءة التصرف عند الخلاف: وهذا داء مرير يقع به الكثير من الناس، فتراهم عندما يصادقون شخصًا ما يبجلونه ويعظمونه أيما تعظيم وكأنما صار خاليًا من العيوب والمثالب، فإذا انقلبت الصداقة إلى سوء فهم أو خصومة، طووا صفحة الحسنات ونشروا صحيفة السلبيات وأمعنوا في ذكر المساوئ وأفحشوا في الكلام، حتى يخيل للسامع أن الطرف الذي يجري الكلام عنه شيطان من المردة جدير بأن يختفي عن الأرض حالًا.
- عدم الغيرة على الإسلام: والدعاة الحقيقيون إلى الله يظهرون حقًا عند اشتداد الأزمات والحاجة إلى مواقف الرجال الحقة، حينها فقط يبدو من بكى ممن تباكى، أما الأدعياء فساحات نضالهم فارغة خاوية، وعندما تحتاج الأمور لوقفة حق وكلمة صدق فهم إما يتهربون وإما يقعون في فخ الترغيب، والترهيب ويبررون الأوضاع غير السليمة.
- الاستغراق في التنظير والبعد عن الأمور العملية: والدعي لا يمكن أن يكون رجلًا عمليًا ولا أن يقدم للأمة شيئًا عمليًا أبدًا، فتراه في المجالس، بل جل ما يقدمه أن يغرق السامعين في النظريات والفلسفات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
- الكبر الواضح في الأقوال والأعمال: والناس لا يخفى عليهم المتكبر من المتواضع، والمتصنع لا يمكن أن يتصنع أبد الدهر بل لا بد أن يظهر من مواقفه ما يدل على حقيقة نفسه.
ولا بد في النهاية من الإشارة إلى أن الموضوع على قدر من الأهمية؛ لأن النتائج لا تأتي على الأدعياء وحدهم، بل تنعكس على العمل بأجمعه وترجع به إلى الوراء؛ بل إن تصرفات خاطئة لا يحسب فيها حساب الجماعة وينتصر فيها للنفس كثيرًا ما تأخذ أعمالًا لاستغرق بناؤها سنوات عديدة، وهذا ما حدث ويحدث في الكثير من الأماكن على الساحة الإسلامية اليوم.