العنوان المجتمع التربوي (1646)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 09-أبريل-2005
مشاهدات 64
نشر في العدد 1646
نشر في الصفحة 52
السبت 09-أبريل-2005
محمد نوح (*)
آفات على الطريق
ما أكثر الأمراض الأخلاقية والآفات الاجتماعية التي يعاني منها بعض الأفراد والمجتمعات.. حري بنا أن نتوقف عندها ونحذر منها ونقدم علاجا لها ... وقد اهتم فضيلة الدكتور السيد نوح بهذه القضية وأصدر فيها أكثر من مؤلف. وهذه المقالات التي بين أيديكم د. السيد جديدة في موضوعها وطرحها ولم يسبق نشرها.
الغدر (امن ٢)
صوره.. وعواقبه
الغدر آفة يبتلى بها بعض العاملين. فتترك آثاراً سيئة وعواقب خطيرة عليهم وعلى العمل الإسلاميِّ.
أولاً: الغدر لغة واصطلاحاً
لغة: يأتي على معان، نذكر منها:
۱ -الإخلال بالشيء، وتركه، تقول: غدر فلان بالأمر: أخل به، وتركه والمغادرة الترك، وأغدر الشيء: تركه، وبقاه.
۲ -نقض العهد وترك الوفاء به، تقول: غدر أي نقض العهد ( (۱).
ويقال: الذئب غادر: أي لا عهد له، والغدار: كثير الغدر أي نقض العهد.
اصطلاحاً: جاءت عدة تعريفات للغدر اصطلاحاً، منها:
1- تعريف الجاحظ، إذ يقول: هو الرجوع عما يبذله الإنسان من نفسه ويضمن الوفاء به. (2)
2- تعريف المناوي، إذ يقول: «الغدر: نقض العهد، والإخلال بالشيء وتركه. (۳)
ولعل تعريف المناوي أعم وأشمل، إذ يتناول النقض العهد الذي يلزم به المرء عقلاً وشرعاً، وكذلك ما يلزم المرء به نفسه. يقول الراغب الأصفهاني: عهد الله تارة يكون بما ركزه في عقولنا، وتارة يكون بما أمرنا به بالكتاب وبالسنة، وتارة بما نلتزمه. وليس بلازم في أصل الشرع. كالنذور، وما يجري مجراها (٤) ويلاحظ على التعريفين معاً الغفلة عما تحمله كلمة غدر من المفاجأة التي لم تكن متوقعة. والأحسن في التعريف أن يقال: هو: نقض العهد مطلقاً في لحظة لم تكن متوقعة، ولا منتظرة.
ثانياً: صور الغدر وحكمه
للغدر صور تذكر منها:
ا . نقض العهد الذي أخذه الله على بني آدم إذ يقول سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ ﴾ (الأعراف: ۱۷۲).
٢- نقض العهد الذي أخذه الله على النبيين وأتباعهم أن يؤمنوا بهذا النبي وأن ينصروه، وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (آل عمران: 81).
3- نقض العهد الذي للإمام، ونائبه على المسلمين من وجوب الطاعة في المعروف، ونصرة دين الله - عز وجل - دون مبرر شرعي يقتضي ذلك.
٤- نقض العهد الذي أعطاه الشارع الحكيم للكفار غير المحاربين، من أهل الذمة والمستأمنين، وكذلك المعاهدين دون مبرر شرعي يقتضي ذلك، كأن يتحول نفر من هؤلاء إلى محاربين، أو على الأقل يأتون أعمالاً تخالف نظام الإسلام، إذ في الحديث: «ألا من قتل نفساً. معاهدة لها ذمة الله، وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة سبعين خريفاً» (٥)
5 - خلف الموعد، بأن يعطي موعداً، وفي نيته عدم الوفاء، أما إذا أعطى موعداً وفي نيته الوفاء ولم يف لأمر خارج عن إرادته، فلا يعد ذلك نقضاً للعهد، لقوله ﷺ: إذا وعد الرجل أخاه، ومن نيته أن يفي، فلم يف، ولم يجئ للميعاد فلا إثم عليه. (6)
6- نقض الحكام ونوابهم ما عاهدوا الله عليه حين بويعوا من العمل لصالح الرعية وفق منهج الله. أما حكم الغدر فهو كبيرة من الكبائر التي يعاقب المرء عليها في الدنيا والآخرة جميعاً لقوله سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (النحل: 91). وقوله سبحانه: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: 152)
ولقوله ﷺ: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» (۷) وقوله ﷺ: «لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة» (۸) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على ذم الغدر، والتحذير منه.
ثالثاً: آثار الغدر وعواقبه
- عواقب الغدر: قسوة القلب وحلول اللعنة والفضيحة يوم القيامة
للغدر آثار سيئة، وعواقب وخيمة.
أ. على العاملين: لعل من أبرز هذه الآثار وتلك العواقب على العاملين:
1- الغواية والضلال: ذلك أن كل صور الغدر التي ذكرت آنفاً يمكن أن ترد إلى أصل واحد وهو عدم العمل بمنهج الله كتاباً وسنة، ومن كان هذا شأنه فإن الله يغويه ويضله، فلا يوفق إلى خير أبداً. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (البقرة: 27).
۲- قسوة القلب ذلك أن من غدر بعهده مع الله، ومع الناس فقد حرم نفسه زاد الطريق الذي هو خير الزاد، إذ يقول رب العزة سبحانه ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: 197). ومن حرم نفسه زاد الطريق فإن المرض يسرع إلى قلبه ويزيد المرض فيموت القلب. ولقد كانت قسوة القلب سمة بارزة في أهل الكتاب سيما اليهود لكثرة نقضهم العهود والمواثيق، قال تعالي: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (المائدة: ۱۳).
3- ضياع المروءة، وذهاب الهيبة وتسلط الأعداء ولا يقف العقاب الإلهي عند هذا الحد بل يكون معه ضياع المروءة، وذهاب الهيبة، وتسلط الأعداء، وما يتبع ذلك من السيطرة على الأوطان واستنزاف الخيرات، والثروات، وتغيير هوية الأمة وثقافتها وقيمها، وأخلاقها، وسوم أبنائها سوء العذاب. قال ابن عطية - رحمه الله تعالى: في تفسير قوله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح: 10).
قال: «إن من نكث يعني: من نقض هذا العهد فإنما يجني على نفسه، وإياها يهلك، فنكته عليه لا له (۹) وقال ﷺ: «.... ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم» (۱۰).
٤- التعرض للجزاء المترتب على الغدر ذلك أن الغدر يؤدي إلى خسائر بدنية، أو نفسية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، وقد تكون هذه جميعاً. ولابد من ضمان التلف في جزاء يتولاه ولي الأمر أو نائبه، أو تتولاه الرعية حين يغدر ولي الأمر فيضيع من هم في رعايته، وحديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - يشهد بذلك، إذ فيه: أن رهطاً من عكل ثمانية قدموا على النبي ﷺ: فاجتووا المدينة (۱۱)، فقالوا يا رسول الله: أبغنا رسلاً فقال ﷺ: «ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذود، فانطلقوا فشربوا من أبوالها وألبانها حتى صحوا وسمنوا وقتلوا الراعي، واستاقوا الذود»(۱۲)، وكفروا بعد إسلامهم، فأتى الصريخ النبي ﷺ فبعث الطلب فما ترجل النهار حتى أتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها وطرحهم بالحرة (۱۳)، يستسقون، فما يسقون حتى ماتوا (١٤).
5 - براءة النبي ﷺ من أهل الغدر ذلك أن النبي ﷺ جاء بمنهاج يدعو إلى الوفاء مع الخالق والمخلوق، ومع العدو والصديق. بل حتى مع الدواب والجمادات، ثم طبق ذلك عملياً على نفسه حين استبقى علياً مكانه في فراشه ليلة الهجرة ليرد الودائع إلى أصحابها، ووفى بعهده مع اليهود لولا أنهم غدروا كما وفى مع المشركين في مكة والطائف وغيرهما لولا غدرهم وخيانتهم. فإذا ادعى واحد أنه من أتباعه، وغدر في عهده، فلا أقل من أن يتبرأ منه النبي ﷺ.
يقول ﷺ: مَن خرج من الطاعةِ، وفارق الجماعةَ، فمات، مات مِيتةً جاهليةً، ومن قاتل تحت رايةٍ عَمِيَّةٍ، يغضبُ لعَصَبِيةٍ، أو يَدْعُو إلى عَصَبِيَّةٍ، أو ينصرُ عَصَبِيَّةً، فقُتِلَ، فقَتْلُه جاهليةٌ، ومَن خرج على أمتي يَضْرِبُ بَرَّها وفاجرَها، ولا يَتَحاشَا من مؤمنِها (١٥)، ولا يَفِي لِذِي عُهْدَةٍ عَهْدَه، فليس مِنِّي، ولستُ منه (١٦).
وحديث صفوان بن سليم، عن عدة من أبناء أصحاب النبي ﷺ عن آبائهم دَنْيَة (۱۷) عن رسول الله ﷺ: "ألا من ظلم معاهداً، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة" (۱۸).
٦ - حلول اللعنة على الغادر
ذلك أن الله يغار حين يرى العبد أكل نعمته ثم غدر فاستخدمها في معصيته وحربه، وتتمثل هذه الغيرة في حلول اللعنة عليه، ومعه سبحانه الملائكة، والناس أجمعون بارهم، وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۙ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾) الرعد). وقال ﷺ: «ذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلماً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف، ولا عدل ومن تولى قوماً بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف، ولا عدل.
7- الانتظام في سلك المنافقين
ذلك أن الغادر أظهر شيئاً في الوقت الذي أبطن فيه خلافه، ومثل هذا الصنف من الناس يجب توقيه، والحذر منه، لأنه لم يعد محل ثقة ولا أمانة، إذ يظهر الموافقة على العهود، والالتزام، ثم يخفي النقض والغدر.
يقول النبي ﷺ: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» (۱۹). ويقول ﷺ: «من علامات المنافق ثلاثة: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (۲۰).
8- الفضيحة على رؤوس الأشهاد
ذلك أن الله لا يوقف عقابه للغادرين على الدنيا، بل يضم إلى ذلك عقاب الآخرة، وأوله: الفضيحة على رؤوس الأشهاد، وما أعظمه وما أشده من عقاب قول ﷺ: من أمَّن رجلاً على نفسه، فقتله أعطي لواء الغدر يوم القيامة...
9- لقاء الله وهو أبتر اليمين
ذلك أنه أعطى بيعة بيمينه على الوفاء بما بايع عليه، وعدم النقض، وأقل عقاب يعاقبه به رب العزة أن يبعثه من قبره ليلقى ربه وقد حرمه يمينه تلك التي بايعت وخان صاحبها البيعة وغدر بعهده.
10- المساءلة غداً مع الإهانة والحرمان:
يقول سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 77)، ويقول: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 34).
ويقول النبي ﷺ: «ألا من قتل نفساً معاهداً. له ذمة الله، وذمة رسوله، فقد أخفر بذمة الله فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفاً» (21)
ب- على العمل الإسلامي للغدر آثار سيئة وعواقب وخيمة على العمل الإسلامي، نذكر منها:
١ - القطعية والفرقة ذلك أنه إذا شاع الغدر بين أبناء المجتمع، سحب كل منهم ثقته بالآخر ووقعت الخصومات وما يتبعها من القطيعة والفرقة، الأمر الذي يؤدي إلى طمع الأعداء وسعيهم إلى السيطرة على بلاد المسلمين، وانتهاك حرماتهم.
2- طول الطريق وكثرة التكاليف ذلك أنه إذا سيطر الأعداء وفرضوا أنفسهم على المسلمين وديارهم عملوا على التمكين لهم بطريق أو بأخرى. ويوم يفيق المسلمون، ويعملون على التحرر من سيطرة الأعداء، فإنهم يحتاجون إلى زمن طويل، وتكاليف ضخمة في النفس، وفي المال يكون الأعداء خلال ذلك قد استنزفوا كل شيء. فيخرجون وما تركوا وراءهم شيئاً ..
الهوامش
1- انظر: معجم مقاييس اللغة 4/431، والصحاح 2/766 والمفردات للراغب ص ٣٥٨، ولسان العرب 5/8 مادة غدره بتصرف.
۲- انظر: تهذيب الأخلاق ص ٣٠.
۳- انظر: التوقيف ص ٢٥٠ .
(٤) انظر: المفردات ص ٢٥٠
(٥) الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه وكلاهما من حديث أبي هريرة مرفوعاً بهذا اللفظ، وبنحوه وعقب الترمذي بقوله: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. (1) أخرجه أبو داود والترمذي كلاهما من حديث علي بن عبد الأعلى، عن أبي النعمان، عن أبي وقاص عن زيد بن أرقم.
(۷) الحديث أخرجه البخاري ومسلم كلاهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، مرفوعاً.
۸- الحديث أخرجه البخاري.
۹- انظر: المحرر الوجيز 15/96
۱۰- هذا جزء حديث أخرجه ابن ماجه في السنن، من حديث عبدالله بن عمر، رضي الله عنهما - مرفوعاً .
۱۱- اجتووا المدينة: أصابهم الجوىَ، وهو المرض، وداء الجوف فكرهوا المقام فيها، انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 1/189.
۱۲- الذود : من الإبل، ما بين الثلاث إلى العشر، انظر الصحاح في اللغة والعلوم ص ٣٥١.:
(13) الحرة الأرض ذات الحجارة السود، ناحية بالمدينة 1/0215
(١٤) أخرجه البخاري في الصحيح.
(١٥) لا يتحاشى من مؤمنها: لا يفزع لذلك، ولا يكترث، ولا ينفر منه انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 1/270
(١٦) الحديث أخرجه مسلم في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً بهذا اللفظ.
(۱۷) دنية قريب لاصق النسب انظر: المعجم الوسيط 1/299
۱۸- الحديث أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الخراج
۱۹- الحديث سبق تخريجه.
۲۰- أخرجه البخاري في الصحيح.
۲۱ - الحديث أخرجه الترمذي في السنن: كتاب الديات: باب ما جاء فيمن يقتل نفساً معاهداً ص ٣٤٠ رقم ١٤٠٣ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً بهذا اللفظ وعقب عليه بقوله: وفي الباب عن أبي بكرة، وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
د. زغلول راغب محمد النجار (*)
من أسرار سورة المائدة (٣) من (٤)
ركائز العقيدة
﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرِّ مَكَانًا وأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (المائدة).
تناولت سورة المائدة - فيما تناولت - بعض ركائز العقيدة، وبعض الإشارات العلمية، التي نتحدث عنها فيما يلي:
1- الإيمان بالله (تعالى) وبملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره، وشره.
٢ - الإيمان ببعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم، وبأن الله (سبحانه وتعالى)، قد أكمل بها الدين، وأتم النعمة، ورضي لعباده المؤمنين الإسلام دينا، وتعهد بحفظه إلى يوم الدين، في نفس لغة وحيه (اللغة العربية)، وبنفس صفائه الرباني، وإشراقاته النورانية وصدقه في كل آية، وكلمة، وحرف جاء فيه، وأن هذه الرسالة الخاتمة جاءت لتبين لأهل الكتاب الجواب الصحيح للكثير مما اختلفوا فيه.
3- اليقين بأن الشرك بالله يساوي الكفر به، وكلاهما من أكبر الكبائر.
4- الإيمان بأن الله (تعالى) هو رب هذا الكون ومليكهُ، وأن له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، وأنه سبحانه وتعالى) على كل شيء قدير، وأن إليه المصير، وأنه منزه عن جميع صفات خلقه فليس له من خلقه شبيه، ولا شريك ولا منازع ولا صاحبة ولا ولد لأن هذه كلها من صفات المخلوقين، والخالق - في علاه - لا يصل إليه أو يدانيه شيء من خلقه، وهو منزه عن كل وصف لا يليق بجلاله.
5- الإيمان بوحدة رسالة السماء، وبالأخوة بين الأنبياء الذين بعثهم الله (تعالى) جميعاً برسالة واحدة هي (الإسلام) الذي تكامل في بعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم، ومن هنا تعهد ربنا تبارك وتعالى) بحفظها في القرآن الكريم، وفي سنة هذا النبي العظيم إلى يوم الدين.
٦- اليقين بأن المسيح عيسى ابن مريم، هو عبد الله ورسوله، وأنه قد خلت من قبله الرسل، وأنه قد بشر من بعده بمقدم خاتم الأنبياء والمرسلين وبارك عليه وعليهم أجمعين. وقد اعترف بأن المعجزات التي أجراها الله (تعالى) له وعلى يديه يرجع الفضل فيها لله سبحانه وتعالى) وحده، وأنه لا فضل له فيها، فهو عبد من عباد الله، وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام، وكل من يأكل الطعام لا يمكن أن يكون إلها، لما يستتبعه من ذلك من عمليات.
7- التسليم بأن ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ ﴾ (المائدة: 32).
8- الإيمان بأن كلاً من الذين كفروا والذين أشركوا لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب أليم، وبأن حزب الله هم الغالبون.
9- الإيمان بقول الحق ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ﴾ (المائدة :۸۲).
من الإشارات العلمية في سورة المائدة:
١- التأكيد على البينية الفاصلة للسماوات عن الأرض، والعلوم المكتسبة تدعم ذلك.
2- الإشارة إلى كرامة الكعبة المشرفة، والعلوم المكتسبة تؤكد تميز موقعها.
3- اختيار الغراب بالذات - دون غيره من الطيور - لتعليم ابن آدم قابيل كيف يواري سوءة أخيه، والعلوم المكتسبة تؤكد أنه أذكى الطيور على الإطلاق.
4- تحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به والمختنقة، والموقوذة، والمتردية والنطيحة، وما أكل السبع إلا ما ذكي قبل موته، والعلوم المكتسبة تؤكد الأخطار الداهمة التي تنتج عن تناول أي من ذلك.
5- تحريم الخمر والميسر، والأنصاب والأزلام، والتجارب الإنسانية تؤكد قيمة هذا التحريم وضرورته.
٦- تأكيد حقيقة أن اليهود قد حرفوا كتابهم، وزوروا دينهم، وافتروا على الله ما لم ينزل به سلطانًا، وأنهم سماعون للكذب، أكالون للسحت وأنهم يسارعون في الإثم والعدوان، وأن فيهم من غلظة القلوب، وقسوتها وكراهية النفوس وعداوتها لكل ما ليس بيهودي، ما يبرر لهم الجور على الآخرين وظلمهم ما داموا قادرين عليهم، والخضوع والتذلل والتملق والتزلف لهم، حتى يغدروا بهم إذا كانوا أضعف منهم وتاريخهم الأسود يؤكد ذلك، وآخر جريمة قتل فضيلة الشيخ أحمد ياسين ورفاقه، ذلك الشيخ المقعد الطاعن في السن، الخارج من المسجد بعد قيام الليل وصلاة الفجر، ترصده ثلاث طائرات أباتشي بلا طيار أمريكية الصنع، تحرسها طائرة (إف - ١٦) أمريكية الصنع أيضا لتقذفه بثلاثة صواريخ أمريكية الصنع كذلك، الواحد منها يكفي لتدمير مجموعة من الدبابات، وتمت العملية في نذالة وجبن وخسة واضحة، والولايات المتحدة تبرر ذلك بالدفاع عن النفس، وصدق الله العظيم الذي يصفهم بقوله تعالي: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (المائدة: ٦٠).
وقوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (المائدة: 78).
وقوله الكريم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةُ لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أشركوا﴾ (المائدة).
وقوله العزيز ومن: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 93).
7- الإشارة إلى الحقيقة التي عبر عنها ربنا (تبارك وتعالى)، بقوله العزيز: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: 49). وواقع الحال يؤكد ذلك في ظل الفساد الذي ظهر في البر والبحر، وفي ظل كل المظالم السياسية والاجتماعية التي تجتاح الأرض، وفي ظل دعاوى الفساد من كل صنف وضرب من مثل الانتكاس بالإنسانية إلى وحل الشذوذ والتشريع له، وإباحة زواج الشواذ، وتبني الأطفال، وفي ظل هذا الانحلال البشري والتشجيع عليه من قبل قادة الدول الغربية ورؤساء الكنائس والمعابد فيها، وبحار الدماء والخراب والدمار التي تغرق كثيرا من بلاد المسلمين اليوم في فلسطين وبلاد البلقان، والعراق، وبلاد الشيشان وكشمير وأراكان، وجنوب كل من الفليبين والسودان، وغيرها)، مما يؤكد فسق الغالبية العظمى من أهل الأرض.
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة مستقلة، ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة السادسة من القائمة السابقة وعلى جزء بسيط منها وهو مسخ العصاة من بني إسرائيل إلى قردة وخنازير وعبد الطاغوت، الذي جاء في الآية رقم (٦٠) من سورة المائدة، وقبل الوصول إلى ذلك أرى لزاما عليَّ استعراض أقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذا النص القرآني الكريم.
من أقوال المفسرين
في تفسير قوله (تعالى): ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (المائدة: 60)، ذكر ابن كثير (يرحمه الله) ما مختصره ، يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من أهل الكتاب ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59)﴾ ثم قال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ(60)﴾ ، أي هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟
وهم أنتم المتصفون بهذه الصفات المفسرة لقوله: (من لعنه الله) أي أبعده من رحمته، وغضب عليه أي غضباً لا يرضى بعده أبداً، (وجعل منهم القردة والخنازير) .... وقد قال سفيان الثوري عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير أهي مما مسخ الله؟ فقال: «إن الله لم يهلك قوما - أو قال لم يمسخ قوما - فيجعل لهم نسلاً ولا عقباً، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك، (رواه مسلم)، وقال أبو داود الطيالسي عن ابن مسعود قال: سألنا رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير أهي من نسل اليهود؟ فقال: «لا، إن الله لم يلعن قوماً قط فيمسخهم فكان لهم نسل ولكن هذا خلق كان، فلما غضب الله على اليهود فمسخهم جعلهم مثلهم» .. وقوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ قرئ: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، وَالطَّاغُوتَ مَنْصُوبٌ بِهِ، أَيْ وَجُعِلَ مِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ، وَقُرِئَ: وَعَبُدَ الطَّاغُوتِ بِالْإِضَافَةِ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى وَجَعَلَ مِنْهُمْ خَدَمَ الطَّاغُوتِ، أَيْ خُدَّامَهُ وَعَبِيدَهُ، والمعنى يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا الذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادات دون ما سواه، كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر؟
ولهذا قال: ﴿أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا﴾ [المائدة: 60]؛ أي مما يظنون بنا َ﴿وأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ وهذا من باب استعمال أفعال التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة.
وجاء في بقية التفاسير المتاحة كلام مشابه، لا أرى حاجة إلى إعادته..
بقلم: سعيد الراجي
المفهوم الصحيح لشعار «الجهاد سبيلنا»
نشر في الصحف أكثر من مقال عن شعار الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا»، وقيل إنه جهاد لا يباشر التسامح، فحول الأمة من أمة تسامح إلى أمة شرسة تقاتل الكفار.
ولما كانت هذه الشعارات قد وردت في رسالة للإمام حسن البنا إلى رؤساء المناطق من الإخوان المسلمين في 8/9/1945م، حيث قال: «إن دعوتكم إسلامية صميمة، على الإسلام تعتمد، ومنه تستمد وهتفتم بها من كل قلوبكم الله غايتنا والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا
والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا. فإنني أوضح للقراء ما كتبه الإمام البنا في شرح هذه النداءات والشعارات.
1- في رسالته: إلى أي شيء ندعو الناس؟ كتب أن الجهاد هو حراسة للحق بالقوة للاحتفاظ بمقدسات الإسلام، وكتب أن نبدأ بتكوين الأمم وتربية الشعوب ومناصرة المبادئ، حيث إن الأمة إذا رتعت في النعيم والترف وغرقت في أغراض المادة ونسيت المجاهدة في سبيل الحق ضاعت عزتها وقوتها.
وأوضح أنه نتج عن الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٤ أن وضعت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا قواتها في البلاد الإسلامية واحتلتها، لهذا هبت هذه الشعوب تطالب باستقلالها وتجاهد لنيل حريتها.
لهذا أوضح أن الجهاد في سبيل الله لنيل هذه الشعوب استقلالها هو السبيل الإسلامي.
وأن من الجهاد حب الناس والتألم لما وصل إليه حال المسلمين وأن يحملك الهم الدائم لشؤون المسلمين على التفكير في طريق النجاة وأن ينزل المسلم عن بعض وقته وبعض ماله لغيره من المحتاجين، وأن نأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر عن طريق النصح والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة. وأوضح أن القتال يفرض لاسترداد حرية الشعوب المحتلة أرضها ووطنها.
وقد استدل في ذلك بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: ۱۱۱).
واستدل بما رواه مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق».
وأوضح أن الإسلام وضع لاستخدام القوة حدوداً وشروطاً، ووجه ذلك توجيهاً محدداً، لهذا تجب الموازنة بين نتائج استخدام القوة النافعة والنتائج الضارة لذلك وما يحيط بكل ذلك من الظروف.
وأوضح الإمام البنا أن الإخوان المسلمين يرون أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله، إلى الإسلام وهم لا يعدلون به نظاماً آخر. وأوضح أن مبادئ الحكم الدستوري تتلخص في المحافظة على الحرية الشخصية بكل أنواعها وعلى الشورى واستمداد السلطة من الأمة، وعلى مسؤولية الحكام أمام الشعوب ومحاسبتهم على ما يعملون مع بيان حدود كل سلطة من السلطات، وكل ذلك ينطبق على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده في شكل الحكم.
وفي الختام: أرجو أن يتضح للقراء أن المفهوم الصحيح لشعار البنا الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا، يتفق تماماً مع نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. ولا يخرج عنهما في شيء..
(*) مقال كتبه الأستاذ سعيد الراجي - يرحمه الله - قبل وفاته