العنوان المجتمع التربوي ( العدد 1653 )
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 28-مايو-2005
مشاهدات 58
نشر في العدد 1653
نشر في الصفحة 52
السبت 28-مايو-2005
أمير بن محمد المدري
Almadari_i@hotmail.com
ما آثارك بعد الموت؟
تعليم العلم وحفر الآبار وغرس النخيل وبناء المساجد. يجري أجرها للإنسان بعد موته
أخي الداعية.
أخي المسلم.
هب أنك مت الآن!
أخبرني ما آثارك بعد الموت؟
ما الأعمال المباركة التي ستنسب
إليك بعد موتك؟
ما لمساتك على هذه الحياة؟
ما بصماتك؟
أخي الداعية.
أخي المسلم.
هب أنك الآن في عداد الموتى
ما الكلمات التي سيطلقها الناس عنك؟
ما المشروع الذي تريد أن يخلد في صحيفة عملك بعد وفاتك؟
كم مسلمًا علمت؟
كم مسلمًا إلى طريق الخير هديت؟
كم كلمة طيبة غرست؟
كم علمًا نشرت؟
كم حديثًا للنبي ﷺ بلغت؟
كم مرة بين متخاصمين أصلحت؟
أخي الداعية.
كن ذلك المبارك في حله وترحاله.
كالغيث أينما وقع نفع:
قلب عامر وعقل مثابر.
تقي خفي، نقي أبي.
نقعه متعد، وخيره عام
يتجدر هداه في كل أرض فيها أقام
تنداح جحافل وعظه كالسيل العرم
تذهب بكل سد منيع جاثم على قلوب الغافلين. إذا قال أسمع، وإذا وعظ أخضع.
أخي. كن داعية.
دؤوب الخطو بدهي التصرف، إذا
اعترضته العوائق نظر إليها شزرًا، وقال:
أقبلي يا صعاب، أو لا تكوني
أخي كن داعية.
محمدي الخلق، صديقي الإيمان، عمري الشكيمة، عثماني الحياء علوي الصلابة فضيلي العبرة حنبلي الإمامة.
أخي الداعية
أخي المسلم
مات قوم وما ماتت مكارمهم
وعاش قوم وهم في الناس أموات يقول جل وعلا: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ﴾ (سورة الشعراء: آية: 84:83).
يقول الطبري في تفسيرها:
وقوله: واجعل لي لسان صدق في الآخرين يقول: واجعل لي في الناس ذكرًا جميلًا، وثناءً حسنًا، باقيًا فيمن يجيء من القرون بعدي وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: روى أشهب عن مالك قال: قال الله عز وجل: لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه صالحًا ويرى في عمل الصالحين، إذا قصد به وجه الله تعالى: وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾ (سورة طه: آية: 39) وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (سورة مريم: آية: 96) أي حبًا في قلوب عباده وثناء حسنًا، فنبه تعالى بقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (سورة الشعراء: آية: 84) على استحباب اكتساب ما يورث الذكر الجميل الليث بن سليمان: إذ هي الحياة الثانية. قيل: قد مات قوم وهم في الناس أحياء
وقيل: والذكر للإنسان عمر ثان.
قال ابن العربي: قال المحققون من شيوخ الزهد في هذا دليل على الترغيب في العمل الصالح الذي يكسب الثناء الحسن قال النبي ﷺ : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث «الحديث» وفي رواية أنه كذلك في الغرس والزرع وكذلك فيمن مات مرابطًا يكتب له عمله إلى يوم القيامة .
وقال القرطبي في قوله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾ (سورة ياسين: آية: 12).
قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى ﴾(سورة ياسين: آية: 12) أخبرنا تعالى بإحيائه الموتى ردًا على الكفرة. وقال الضحاك والحسن: أي نحييهم بالإيمان بعد الجهل. والأول أظهر: أي نحييهم بالبعث للجزاء. ثم توعدهم بذكره كتب الآثار وهي: إحصاء كل شيء وكل ما يصنعه الإنسان. قال قتادة معناه من عمل، وقاله مجاهد وابن زيد. ونظيره قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (سورة الانفطار: آية: 5) وقوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ﴾ (سورة القيامة: آية: 13). وقال: ﴿آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (سورة الحشر: آية: 18). فآثار المرء التي تبقى وتذكر بعد الإنسان من خير أو شر يجازي عليها من أثر حسن كعلم علموه أو كتاب صنفوه، أو حبيس احتبسوه أو بناء مسجد بنوه أو رباط أو قنطرة أو نحو ذلك. أو سيئ كوظيفة وظفها بعض الظلام على المسلمين، وسكة أحدثها فيها تخسيرهم. أو شيء أحدثه فيه صد عن ذكر الله من ألحان وملاه، وكذلك كل سنة ينبأ الإنسان يومئذ حسنة، أو سيئة يستن بها، وقيل: هي آثار المشائين إلى المساجد.
وقد ذكر الرسول ﷺ أمورًا سبعة يجري ثوابها على الإنسان في قبره بعدما يموت وذلك فيما رواه البزار في مسنده من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته من علم علمًا، أو أجرى نهرًا، أو حفر بئرًا، أو غرس نخلًا، أو بنى مسجدًا، أو ورث مصحفًا، أو ترك ولدًا يستغفر له بعد موته «حسنه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع برقم: ٣٥٩٦».
وروى ابن ماجه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علمًا علمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه ومصحفًا ورثه أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه أو نهرًا أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته» «حسنه الألباني رحمه الله في صحيح ابن ماجه برقم ۱۹۸».
وروى أحمد والطبراني عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ «أربعة تجري عليهم أجورهم بعد الموت من مات مرابطًا في سبيل الله، ومن علم علمًا أجري له عمله ما عمل به، ومن تصدق بصدقة فأجرها يجري له ما وجدت ورجل ترك ولدًا صالحًا فهو يدعو له» «صحيح الجامع حديث رقم 89».
أخي الداعية.
أخي المسلم.
خذ لك زادين من سيرة
ومن عمل صالح يدخر
وكن في الطريق عفيف الخطأ
شريف السماع كريم النظر
وكن رجلًا إن أتوا بعده
يقولون مر وهذا الأثر
هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
حفيظ الرحمن الأعظمي
Azami30@hotmail.com
آية قرآنية تكشف المنافقين
﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾
أتدرى من الذين تعنيهم الآية الكريمة؟ إنهم الطابور الخامس الذي ينخر في جسد الأمة الإسلامية ويهدد حصوننا من داخلها، وهم في الحقيقة العدو الألد الخصم يعيشون في بحبوحة الإسلام، ويتطلعون لنسف منابره، وهم قوم مسخت رجولتهم، ولانت معادنهم، فلم يكونوا لأعلام هذا الدين وفوارسه قرناء. وشق عليهم السمو إلى رحابه فحفروا له نفق اليربوع الجبان، ليأخذوه غيلة خسيسة وجعلوا من مساجد الله بيوتا ضرارًا وحاربوا الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا والله لا يحب المفسدين.
إنهم إذا لقوا الذين آمنوا ظهروا بأثواب الوعاظ والنساك وديارهم وتبجحوا وبالغوا بحب هذا الدين والانضمام إليه، وكأنهم حراس الأنبياء وحواريي الرسل!!! وإذا خلوا عضوا عليهم الأنامل من الغيظ، وخلعوا مسوح العفة والطهارة ورتعوا في خضراء الدمن وانزووا في السراديب والأنفاق بعيدًا عن ضوء الشمس وأعين المسلمين وحماة الدين وتأمروا وعقدوا صفقة مع الشيطان وأعداء الدين، إطفاء لغيظ قلوبهم المريضة، وحقدهم الأسود الدفين.
فكم من معقل للإسلام هدموه، وكم من علم خفاق له نكسوه، وكم من قائد له اغتالوه ودفنوه، وكم من محنة ومصيبة قد دبروها لأهل هذا الدين ولا يزال المسلمون إلى يومنا هذا يثنون من طعناتهم الغادرة وضرباتهم الخائنة الخاطفة، ولا يزالون يتربصون بمبضعهم داخل الجسد الإسلامي لكل كبوة أو غفلة، ولا يزالون ينسقون ويتأمرون لهدم هذا الدين مع أعدائه في الخارج، فهم لهم العين التي ترصد تحركات المسلمين وأعمالهم ونقاط ضعفهم وقوتهم، ليمدوا أعداء الدين بها فهم أدرى وأعلم من أين تؤكل الكتف.
إنهم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: نحن إخوانكم في الدين، وأقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لهم لمن الناصحين، وأن لا سبيل لهم للعيش في الدنيا إلا في الخنوع لعبدة الشياطين، وإذا عششوا في المجتمع الإسلامي قعدوا للمسلمين كل مرصد وإذا خلوا إلى شياطينهم سلقوا المسلمين بألسنة حداد وتربصوا بهم ريب المنون وأخذوهم بالنواصي والأقدام.
وإذا ما حان يوم الوغى واللقاء وحمحمت المعركة وحمي وطيسها، وتقارب الصفان والتقى الجمعان، وتقدم جند الرحمن لمقارعة جند الشيطان نكص المنافقون على أعقابهم، وطعنوا ظهر المسلمين الطعنة النجلاء، وانحازوا إلى أعدائهم ليكملوا الدور الخسيس الخطير الذي أوكل إليهم بعد أن كان ينظر إليهم نظرة المسلمين والإخوان المتحابين.
وما يوم الخندق عنا ببعيد. فلقد اتفق فيه اليهود والمشركون والمنافقون على الكيد لهذا الدين، ثم بنى المنافقون مسجد الضرار لجنود الروم وعباد الصليب ليجتمع فيه الرباعي اللعين «اليهود-النصارى-المشركون-المنافقون» على الرغم مما بينهم من وهاد الاختلاف على حرب الإسلام والمسلمين ليمكروا له بالليل والنهار وعين الله ترقب ما يبيتون، وهو أسرع مكرًا لو كانوا يعلمون.
إذا عرفت مواصفاتهم -وما ذكرت قليل من كثير وغيض من فيض وقطرة من بحر- فاحذرهم لأنهم هم العدو».
د. حمدي شعيب
hamdy_shoaib@hotmail.com
ظاهرة التآكل الروحي (٤ من ٤)
علاجها
الدعاء والاستغفار.. الذكر والصلاة وصحبة الصالحين من أهم سبل العلاج
· الداعية يحتاج دائمًا إلى الاتصال الدائم بالله والعمل الدؤوب والدعاء الخاشع
تحدثنا عن خطر التآكل الروحي من قبل. ونتناول هنا سبل علاج هذا التآكل الروحي العام منها والخاص.
أولًا: السبل العامة: وهي طرق العلاج العامة المشروعة لأسباب التقصير في طاعته سبحانه الباعثة على الخلل في مسيرة العبد مما يترتب عليه جزاء من جنس العمل ألا وهو حالة الجفاء القلبي أو ما يعرف بظاهرة التآكل الروحي. ونقول إنها عامة للحالات العامة أي تفيد أي عبد قاسي من هذه الظاهرة.
ومن هذه السبل:
1. الذكر.
2. تلاوة القرآن الكريم.
3. الصلاة.
4. صحبة الصالحين.
5. الاستغفار.
6. الدعاء.
7. قراءة التاريخ.
8. التفكر في خلق السماوات والأرض.
9. زيارة القبور.
ثانيًا: السبل الخاصة وهي السبل الخاصة المشروعة للحالات الخاصة والمفيدة لأسباب خاصة من التقصير في طاعته سبحانه، حيث يستشعر العبد أنه يمتلك قوة معينة تنطلق من أدائه لعبادة معينة.
فإذا فتش في ذاته وتلمس سببًا معينًا من أسباب التقصير، وجد على الفور قوة ربانية معينة تنطلق من طاعة معينة فتعينه على معالجة هذا السبب الخاص، فيظل يعالج سببًا سببًا، حتى يبرأ من كل أسباب التقصير. فينمحي الخلل فيجازيه الحق سبحانه جزاءً من جنس عمله.
أي يبدأ في طاعة معينة تعالج سببًا معينًا اكتشفه في نفسه، ويجتهد فيها ويداوم عليها فترة بينه وبين ربه الودود الكريم، فينمحي الخلل النفسي الداخلي، فيستشعر أنه بدأ المسير المبارك فيجازيه الحق الحنان المنان الرحيم سبحانه بأن يهديه إلى طاعة أخرى وييسرها له، فالطاعة عنده سبحانه تؤدي إلى طاعة، فيسمو روحيًا، ويظل بترقي ما دام سائرًا على طريقه ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة العنكبوت: آية: 69).
قوة الدعاء:
ونعني بها تنمية فن استمطار التوفيق الإلهي، وذلك بالدعاء الخاشع، والثقة فيما عنده سبحانه، وحسن الظن به.
وإذا كان للدعاء أهمية كباب عظيم من أبواب التربية الروحية عند الفرد المسلم، فهو في حق الداعية أوجب وأهم. وذلك لأن الداعية في طريقه يحتاج إلى ركائز ثلاثة هي:
1. الفكرة الربانية: أي القاعدة التي توجه كل سكناته وحركته، فيكون سلوكه في الحياة ترجمة لها.
2. العمل الدؤوب: أي سلوكه في خدمة هذه الفكرة، وهو الجهد البشري المطلوب لأي عمل. إياك نعبد.
3. والدعاء الخاشع: وهو طلب التوفيق الإلهي «إياك نستعين».
فما من عمل موفق إلا ويقوم على دعامتين: جهد بشري وتوفيق إلهي. وللقوة الدعائية دورها التربوي الروحي، وأسرارها الطيبة البعيدة والتي منها:
أ- تدبر أمره سبحانه بالدعاء، ثم تحذيره للذين يستكبرون عن التوجه لله بأن يوجهوا أذلاء صاغرين لجهنم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (سورة غافر: آية: 60).
ب- تدبر بعض ما ورد في فضل الدعاء وأسراره، وكيف أن بعض الدعوات المخلصة قد استحالت إلى قوى مادية حركت الصخرة التي عجز ثلاثة من الرجال أن يحركوها عن باب الغار!، وذلك في قصة «الثلاثة والصخرة» التي رواها الحبيب ﷺ(1).
وهذه أسرار مباركة للدعاء، لا يشعر بها إلا من مر بتجربة خاصة يستشعر فيها كيف أن الحق سبحانه يمن على عباده المتقربين إليه المتذللين إليه بأنواع العبادة المختلفة فيجدونها وقد استحالت من مجرد قوى معنوية، إلى قوى مادية ربانية ذات آثار ملموسة ومعلومة. وبذلك تفتح للعبد أبواب متعددة من أبواب التربية الروحية.
وهذه «القوة الدعائية»، لا يدرك سرها إلا من عايش جو هذه الآية: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (سورة النمل: آية: 62).
«فالمضطر في لحظات الكربة والضيق لا يجد له ملجأ إلا الله يدعوه ليكشف عنه الضر والسوء، ذلك حين تضيق الحلقة، وتشتد الخنقة، وتتخاذل القوى وتتهاوى الأسناد، وينظر الإنسان حواليه فيجد نفسه مجردًا من وسائل النصرة وأسباب الخلاص لا قوته، ولا قوة في الأرض تنجده. في هذه اللحظة تستيقظ الفطرة فتلجأ إلى القوة الوحيدة التي تملك الغوث والنجدة، ويتجه الإنسان إلى الله ولو كان نسيه من قبل في ساعات الرخاء، فهو وحده دون سواه، الذي يجيب المضطر إذا دعاه. فيجيبه ويكشف عنه السوء، وينجيه من الضيقة الآخذة بالخناق» (۲).
ج- تدبر ما ورد في دعاء الخليل عليه السلام: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ﴾ (سورة إبراهيم: آية: 37). وكيف طلب منه سبحانه أن يربط بين مشروعه الحضاري العظيم وهو مشروع الحج، وبين أفئدة البشر، كعلاقة وجدانية قلبية، وعامل خفي يخاطب القلوب ويجذبها، كما جذبت فكرة هذا العمل العظيم عقول البشر.
وهذا يبين الفرق بين المشروع الحضاري الذي يقوم على فكرة ربانية، والمشاريع الأخرى القائمة على أفكار مغايرة.
فالمشروع الحضاري الإسلامي يخاطب الفطرة البشرية، ويحيط الإنسان من كل جوانبه على أساس التوازن بين الجانب العقلي والجانب البدني والجانب الروحي.
آدابه:
وحتى تؤتي هذه «القوة الدعائية» أكلها. كان على المسلم، أن يلتزم بالآداب العشر لسلاح الدعاء:
1. أن يترصد الأوقات الشريفة.
2. أن يغتنم الأحوال الشريفة، كحال الزحف في سبيل الله، وعند نزول الغيث، وحالة السجود.
3. أن يدعو مستقبلًا القبلة، ويرفع يديه.
4. أن يخفض الصوت بين المخافتة والجهر.
5. ألا يتكلف السجع في الدعاء.
6. أن يتضرع ويخشع رغبة ورهبة.
7. أن يجزم الدعاء ويوقن بالإجابة ويصدق رجاءه فيه.
8. أن يلح في الدعاء، ويكرره ثلاثًا، ولا يستبطئ الإجابة.
9. أن يفتتح الدعاء بذكر الله، وأن يصلي عليه ﷺ ويختتم بها.
10. وهو الأدب الباطن، وهو الأصل في الإجابة: أن يسبق الدعاء التوبة ورد المظالم» (٤).
الاستغفار
أو القوة الاستغفارية التي يستشعرها كل من استجاب لنداء التوبة، فأكثر من الاستغفار، فيجد أن لديه قوى خفية لم يعهدها من قبل، ويستشعر أن هنالك فيوضات وبركات تزيده يقينًا بموعوده سبحانه ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ﴾ (سورة هود: آية: 52).
وهكذا.
ومن خلال تدبر القوى الخفية للعبادات والأسرار الدفينة للطاعات، يستطيع المسلم أن يتلمس باقي القوى العبادية الأخرى والتي تناسب حالته الخاصة وظروفه الخاصة.
ومن خلال هذه اللمحات التربوية، في هذه المحاولة المتواضعة نرجو أن نكون قد وفقنا بعونه تعالى في تحليل هذه السنة الإلهية الاجتماعية، التي تفسر «ظاهرة التآكل الروحي» عند المسلمين عامة، وعند الدعاة خاصة.
الهوامش
1) متفق عليه.
2) في ظلال القرآن: سيد قطب ٢٦٥٨/٢٠.
3) رواه أبو داود وحسنه الترمذي.
4) تهذيب موعظة المؤمنين القاسمي ۷۰-۷۲ بتصرف.
أمنا سودة بنت زمعة
-رضي الله عنها-
لقد جعل الله لنساء النبي ﷺ درجات لا يضاهيهن فيها أحد من نساء العالمين، ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (سورة الأحزاب: آية: 32).
وكذلك في سورة الأحزاب: ﴿وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ (سورة الأحزاب: آية: 53).
لا شك أن المسلم مطالب بالصدق، وتحري الحقيقة فيما يرويه، وما يقصه، عمومًا، ولكن إذا كان الأمر يمس أمه وأباه، وجب عليه زيادة الحرص والدقة، فإذا كان الأمر يتعلق بأمه من زوجات الرسول ﷺ، كان من الضروري الحذر الشديد عند تناول حياتهن، وسيرتهن -رضي الله عنهن-.
وأمنا سودة -رضي الله عنها-، لها خصوصيتها، فهي من المؤمنات الأوليات المهاجرات للحبشة والمبتليات بفقدان الزوج في الحبشة، وهي التي أعانت رسول الله ﷺ على تربية بناته بعد أن فقد أمنا خديجة -رضي الله عنها-، ولقد تزوجها رسول الله ﷺ في شوال سنة عشر من النبوة، كما ذكر ذلك المباركفوري في كتابه المحقق الرحيق المختوم، وكل كتب السير، وكانت أولى أزواجه لحوقًا به، فعن عائشة -رضي الله عنها- أن بعض أزواج النبي ﷺ قلن للنبي ﷺ: «أينا أسرع بك لحوقًا؟ قال: أطولكن يدًا، فأخذوا قصبة يزرعونها فكانت سودة أطولهن يدًا، فعلمنا بعد أنما كانت طول يدها الصدقة، وكانت أي سودة، أسرعنا لحوقًا به، وكانت تحب الصدقة». «أخرجه البخاري في صحيحه».
وكانت سودة -رضى الله عنها- امرأة طويلة، وكانت ثقيلة ثبطة، وفي شرح المعاني «ثقيلة» أي من عظم جسمها، قوله: «ثبطة» بفتح المثلثة وكسر الموحدة بعدها مهملة خفيفة أي بطيئة الحركة.
وأنزلت فيها آية الحجاب «فأنزل الله آية الحجاب»، و«كان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي ﷺ تبتغي بذلك رضا رسول الله ﷺ. «أخرجه البخاري في صحيحه».
وأخرج مسلم في صحيحه، «قالت «أي عائشة»: فلما كبرت «أي سودة» جعلت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة قالت: يا رسول الله قد جعلت يومي منك لعائشة، فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومين يومها ويوم سودة».
وعن ابن عباس قال: خشيت سودة أن يطلقها النبي ﷺ فقالت: لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة ففعل، فنزلت: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (سورة النساء: آية: 128)، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز كأنه من قول ابن عباس قال أبو عيسى: «هذا حديث حسن غريب». هكذا في صحيح مسلم.
وكانت عائشة -رضي الله عنها- تمدحها، حيث وصفتها بقوة النفس وجودة القريحة وهي الحدة بكسر الحاء، كما أخرجه مسلم في صحيحه.
ولقد بحثت في الكتب التسعة في موسوعة الحديث لشركة حرف فلم أعثر على قصة الطلاق، ولا بكائها وجلوسها -رضي الله عنها- له ﷺ في الطريق، وأظن أن هذه قصص اختلقت من قول ابن عباس «خشیت سودة أن يطلقها».
وجاء في «تحفة الأحوذي ج ۸ ص ۳۲۰» عن طلاقها من النبي ﷺ وقعودها في الطريق «قلت: رواية ابن سعد هذه مرسلة فهي لا تقاوم حديث ابن عباس. وما وافقه في أن سودة خشيت الطلاق فوهبت ليلتها لعائشة».
د. حامد بن محمود آل إبراهيم