العنوان المجتمع التربوي ( العدد 1840)
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 21-فبراير-2009
مشاهدات 70
نشر في العدد 1840
نشر في الصفحة 54
السبت 21-فبراير-2009
مواقف وعبر (٢من٢)
- مشيئة الله غالبة والعمل الطيب جزاؤه مثله والسيئ عقابه الخسران والندامة
- لا يجوز الدعاء بالرحمة والمغفرة لمن مات على غير الدين الإسلامي ولو كان قريبًا
استكمالاً لما بدأناه في العدد الماضي، نتابع اليوم ونعيش مع مزيد من المواقف والعبر، ترويها بعض الطبيبات والأستاذات بالجامعة اللاتي حضرن اللقاء التالي الذي عقد بعد وقت قريب من اللقاء الأول، الذي تحدثنا عنه في المرة السابقة.
بدأت الحديث أستاذة متوسطة العمر، فقالت: إنها منذ أن كانت طبيبة حديثة السن، حديثة العهد بتقلبات الزمان خبرتها بالحياة بعد قليلة، كانت تتطلع إلى ما حولها وترقب الأحداث التي تمر بها، تتعجب حينا، وتبكي حينا، وتبتسم أحيانا، تمر عليها أنماط مختلفة من البشر، تتابعهم ولكنها تعجز عن معرفة مغزى ما يحدث لهم.
أول هؤلاء رجل حباه الله بالبراعة والتفوق في تخصصه وبالجاه والمنصب الكبير كرئيس لقسم من الأقسام، وبالرزق الوفير، حيث كان المرضى يتزاحمون على عيادته، وحصول أحدهم على موعد معهم للكشف يحتاج للانتظار أياما عديدة، جل عملياته ناجحة، شهرته أصبحت واسعة وكان الظن أن كل ذلك من مفاتيح السعادة والهناء له، إلا أنه لم يكن سعيدا في تعاملاته مع الآخرين من زملائه ومرؤوسيه، كان البعض يرونه متسلطا متغطرسا متكبرا ، وكان البعض يتهمونه بأنه السبب في كثير من الأذى لحق بهم، وكان الكثيرون لا يفضلون التعامل معه مما أشاع حوله جوا من الكراهية، وضعف الثقة، وقلة التواصل، ربما لأن الناس كانت تنتظر منه الكثير من العون والمساعدة بالعلم والخبرة، والنصح والتوجيه، وربما لأنه كان يطبق القوانين واللوائح بصرامة وشدة، أو أنه كان لا يسامح المخطئ ولو على الهفوات الصغيرة.
ودارت الأيام متلاحقة كعصافير تطير بمجرد الاقتراب منها، فلا نحن تركناها لننعم بالنظر إليها ومراقبتها، ولا استطعنا أن نمسك بأي منها وإن كان لنا رغبة في ذلك.
كانت للرجل ابنة أثيرة لديه ترعرعت أمام ناظريه حتى لحظة تخرجها، وفجأة وبلا مقدمات تموت الفتاة بنفس المرض الذي تخصص فيه والدها، وهو مشلول الإرادة لا يستطيع حركة ولا فكرًا، وهو الذي أنقذ المئات -بمشيئة الله- من قبل، ولكنه لم يستطع ذلك مع قرة عينه، كانت الصدمة عميقة قاسية وتنهار الزوجة ولا تلبث أن تصبح طريحة الفراش، وبالكشف عليها تبين أنها تعاني من المرض نفسه الذي ماتت به ابنتها، والذي برع فيه زوجها، وللمرة الثانية يعجز الطبيب الحاذق أن يساعد زوجته ويرد عنها المصير المحتوم.
حيرة وذهول
ووسط ذهول الرجل وشدة تعجبه وحيرته مما مرّ به يمرض أحد أقربائه ومن أقرب الناس إليه، وبنفس المرض، فيجري له عملية فورية عملية سبق أن أجراها مئات المرات ولم تفشل مرة واحدة معه، إلا أن تكون حالة ميؤوسا منها، حتى إن جدول عملياته أصبح متكدسا ممتلئا لشهور عديدة قادمة، يجري له العملية فيموت الرجل أثناء إجراء العملية.
أنهت الطبيبة الأستاذة حديثها بقولها: إنني كلما استعرضت هذه الوقائع أمام مخيلتي لا أملك إلا أن أقول: إن مشيئة الله غالبة، وإن العمل الطيب جزاؤه كمثله، وأما العمل السيئ فجزاؤه الخسران والندامة.
ابتلاء واختبار
وهنا انبرت أستاذة طبيبة متقدمة في السن يحترمها الجميع، ووجهت كلامها إلى المتحدثة قائلة: يا أختي الحبيبة، لا ينبغي لنا أن نحكم على الناس بهذا الشكل، فلا أحد منا يعلم علم اليقين أن ما حدث له عقاب أو جزاء على شيء فعله مثل ما ذكرت من تعاملاته مع الآخرين، وقد يكون ذلك، ولكن من ناحية أخرى، قد يكون ابتلاء للرجل إن نجح فيه فاز وربح، وما قصة نبي الله أيوب منا ببعيد، ولم لا يكون ما حدث له درسا له ليضع الأمور في نصابها، وليعلم أنه ليس له من الأمر شيء، وأن الشافي حقيقة هو رب العزة الرحيم الودود، وأنه تعالى يعز من يشاء ويذل من يشاء، أما حكمنا على الرجل عامة فلا يكون إلا من خلال وقائع محددة يثبت فيها أنه أساء بشكل ما، والأفضل في رأيي أن نسأل الله تعالى أن يرحم أمواتنا وهؤلاء الأموات، وأن يهب هذا الرجل الصبر والثبات وأن يهديه ونحن إلى الصراط المستقيم.
طلبات بالمشاركة
استرحت كثيرًا وسعدت بالتعليق والتصحيح الذي قدمته الأستاذة الطبيبة المتقدمة في السن، فقد وضعت الأمور في نصابها فعلا، وقبل أن أستغرق في أفكاري وفي العظة والعبرة التي تستخلص من الحديثين السابقين كانت هناك طلبات بالمشاركة في هذا العرض -عرض الدروس والعبر والعظات- ووقع الاختيار على أستاذة طبيبة شابة بدأت حديثها بقولها: إنني منذ التحقت بهذا العمل وأنا أتابع وألاحظ وأرى العبر والعظات في كل يوم من الأيام، ولكنني سوف أختار من بين هذه العبر الكثيرة قصة واحدة توقفت عندها كثيرا، إنها قصة امرأة بسيطة عملت في التمريض كانت متزوجة برجل تقول إنها ذاقت منه الأمرين، وأنه لا رحمة ولا مودة لديه، ولكنها كانت صابرة محتسبة من أجل الله ومن أجل أولادها ، وتتابع الأيام وهي على حالها، الهم والتعاسة باديان على وجهها، لكنها قلما تشكو وتضجر وأنا أنظر إليها متعجبة وأتساءل: إلى متى سيرافقها صبرها؟ وإلى متى ستتحمل مرافقتها لهذا الرجل؟
وبدأت الأيام تدلي بدلوها في قصة الممرضة الصابرة، فقد أصيبت بمرض جعل سكنها شبه الدائم المستشفى، وكانت هذه المرأة البسيطة دوما في دعاء لله ألا تموت حتى يسدد لها دينها الذي استدانته من أجل مصاريف علاجها، التي كانت تحسبه قليلا في بادئ الأمر، ولكن طال أمر علاجها وبدأت حالتها تسوء يوما بعد يوم، وفي كل يوم تتشبث أكثر وأكثر بالدعاء، لقد أصبحت حية كالميتة، وظلت كذلك حتى شرفت الدنيا بشهر رمضان وهي على عهدها، بدأت تعاني من سكرات الموت، ولكن لا يأتيها ملك الموت فهو لا يأتي إلا في أجل محدد معلوم ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (الأعراف:٣٤)، وفي هذه الأثناء تكفل جمع من الشرفاء الكرماء بسداد دين هذه المرأة الضعيفة البسيطة العجيب أنه عند سداد آخر هذه الأقساط كانت روحها تعرج في السماء، ونحسبها كانت تعرج وهي حامدة شاكرة لله.
وأضافت الأستاذة الشابة: لقد تعجبت كثيرا من هذا الحدث، فهذه المرأة الصابرة البسيطة استجاب الله لدعائها بلا حول منها ولا قوة، وبلا إرادة ولا اتفاق مع غيرها من البشر، فهي في دعاء والخالق في التدبير والتيسير لإجابتها فيما تريد، وكأن الصبر الذي لازمها في حياتها قد تسبب في حسن هذه الخاتمة، نسأل الله أن يحسن خاتمتنا جميعًا.
ومع تأمين الجميع على دعاء المتحدثة كانت هناك أياد ترتفع تتشوق أن يؤذن لها لكي تدلي بدلوها في حديث العظات والعبر.
وكان الحديث التالي من نصيب أستاذة طبيبة أخرى متوسطة العمل، وشديدة الحيوية، وقد قدمت حديثها بقولها: ما سأعرضه الآن أمامكم يختلف من حيث المغزى والمبنى عما سبق أن سمعتموه لأنه أمر محير تختلف فيه الآراء، ولكنها تتفق على آثاره ونتائجه.
بالطبع تنبه الجميع مع الإثارة التي أحدثتها هذه المقدمة، وأصغى الجميع بانتباهوهي تحكي وتقول: كنت شاهدة على قصة جزء من حياة امرأة أصيبت بمرض عضال، وكان لابد أن تجرى لها عملية خطرة لا أحد يعرف نتيجتها وما سيترتب عليها.
كنت أزداد عجبًا يومًا بعد يوم، وأنا أرى أن زوار هذه المرأة خليط يكاد يكون متساويا من المسلمين والنصارى، وقد علمت أن والدتها وإخوانها وأخواتها من النصارى، أما بناتها فهن محجبات فاضلات مؤدبات قارئات للقرآن يحسن تلاوته وقراءته، تقلص تعجبي عندما علمت أن زوجها مسلم، وأنه قد تزوج بها، وهي على نصرانيتها.
آمال و آلام
دخلت المرأة إلى حجرة العمليات وأصبحت بناتها في انهيار تكتسحه انهيارات أخرى نفسية على والدتهم التي دخلت إلى حجرة إما أن تخرج إليهم منها حية أو أن يحتويها التراب إن التصق بها الموت. نظرت إلى حزنهم على أمهم غير المسلمة ونظرت إلى والدهم وأخذت أحدث نفسي : سبحان الله، لماذا وضع الرجل بناته في هذا الوضع المحطم للنفس؟ فانطوت صفحتهم بما فيها من آمال وآلام.
أضافت الأستاذة قائلة: بعيدًا عن الحلال والحرام والأحكام الفقهية، لقد شعرت بالأسى الشديد، وأحسست بثقل الهم الذي تحمله البنات بسبب وضع أمهم، ومن الهمسات والإشارات التي التقطتها منهن شعرت بحيرتهن وإحساسهن بالعجز فكيف المسلمات صالحات أن يتوجهن بالدعاء لواحدة ماتت على غير دين الإسلام بالقبول والرحمة وتكفير السيئات ورفع الدرجات، وإن شعورهن بأن أمهن قد تكون من أهل النار كان شعورًا رهيبا حملهن على التساؤل ذات مرة لماذا فعل أبوهن بهن ذلك؟، صحيح أنهن كمسلمات صالحات كن في النهاية يسلمن أمرهن لله ويرضين بقضائه ويرضين بشريعته وأحكامه واستطردت الأستاذة ... لكن مثل ذلك الموقف ألا يجعلنا نفكر كثيرًا قبل أن نتخذ مثل ذلك القرار؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل