; المجتمع التربوي (1839) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1839)

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 14-فبراير-2009

مشاهدات 66

نشر في العدد 1839

نشر في الصفحة 52

السبت 14-فبراير-2009

 من شب على شيء شاب عليه..

الشباب.. ربيع العمر

مجتمع بلا شباب صالح كحديقة بلا زهور!

تحصين الشباب بالعلم الشرعي.. الدرع الواقي لهم في غمار الحياة

بقدر ما نغرس في نفوس أولادنا العقيدة الصحيحة نجني شبابا قويًّا محصنًا

الاختلاف بين الأجيال كائن لا محالة.. لكن هذا لا يعني حتمية وجود الصراع بينها

إيمان مغازي الشرقاوي

حين جاء الربيع ولاحت تباشيره، تفتحت الورود والأزهار، وبدت في ثوب بديع، من صنع الواحد الخلاق، جلس يتنسم نفحات عبادة التفكر، مقلبًا ناظريه بين صفحات تلك الأزهار مبتهجًا، ولسانه يلهج بالتسبيح والحمد والثناء.. سبحان الله.. ما أجمل هذه الزهور التي تملأ الجو جمالًا وبهجة وسرورًا! لكنه سرعان ما انتبه وهو في سكرة التأمل ليرى ظل زهرة قابعة في أحد أطراف الحديقة وحيدة قعيدة، منعزلة نائية، في طريقها للذبول، أوشكت أو كادت تموت!

دفعه فضوله لنوع آخر من التفكر.. سبحان الله لماذا شذّت هذه الزهرة عن صويحباتها، وأبت أن تنشر شذاها، ولماذا هي ذابلة شاحبة؟! أعبث بها عابث، أم أن يد الآفات والأمراض امتدت إليها وأصابتها في مقتل، فأبدلتها شحوبًا بعد ازدهار، وذبولًا بعد اخضرار؟! أهي جائعة ظمأى لم يعرها ساقيها وراعيها اهتمامًا، أم أن عوامل المناخ المتغير من حولها أثرت في قوتها فأضعفتها؟

عاود التأمل مرارًا وتكرارًا وهو يتساءل:

لماذا هي مختلفة عن غيرها ضعيفة ذابلة؟ أهي الأرض التي نشأت بين ذراتها، ونمت بذرتها وترعرعت في أحضانها، هل فسد هواؤها، وجف نبعها، وضعفت تربتها، فألبستها لباس الضعف والخور والخمول والمرض، بدلًا من لباس القوة والحياة؟! ليكن ذلك كله أو بعضه هو السبب؛ فالنتيجة واحدة هي ذبول زهرة في فصل الربيع وانكسار غصن بديع!

 هكذا تبدو صورة الشباب أمام أعيننا حين يفتقد الرعاية في ربيع عمره، وتنتكس فطرته في أوج حاجتها إلى الاستقامة حينها نفقد زهورًا تذبل قبل أوانها وتتساقط أوراقها صرعى بأيدينا، فلا نحن سعدنا بجمالها وروعتها وشذاها ولا نحن جنينا من رحيقها عسلًا فيه شفاء للناس.

حديقة بلا زهور

 إن الشباب هم رحيق أي أمة وعطرها الفواح وهم زينة هذا الوجود، وزهوره المتفتحة ومجتمع بلا شباب صالح كحديقة بلا زهور، وإن كان للزهور مواسم للتفتح والظهور خاصة في الربيع، فإن للعمر مواسم للعمل الجاد والعطاء السخي، والقوة في الإنتاج تتمثل في الشباب، وإن كانت الزهور تذبل بعد أن تعطي عطرها وتهب بهجتها ورحيقها فإن قوة الشباب تضعف عادة عند المشيب، ألم يقل سبحانه وتعالى:

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ (الروم: 54). قال ابن الجوزي - يرحمه الله: يعني جعل بعد ضعف الطفولة قوة الشباب ثم جعل من بعد قوة الشباب ضعف الكبر وشيبة.

 وكلمة «شباب» تعني في أصلها اللغوي النماء والقدرة، وتبدأ مرحلة الشباب بالبلوغ، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (النور: 59)، وفي الحديث: «رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل» (رواه الترمذي). فجعل النبي صلى الله عليه وسلم بداية الشباب بلوغ الإنسان، فتكون مرحلة الشباب من البلوغ وحتى سن الأربعين، قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ (الأحقاف: 15).

مرحلة القوة والإنتاج

والشباب عماد الأمة، وهم أملها وجذوتها المتقدة لما أودع الله فيهم من القوة المزدوجة المتمثلة في قوة الروح وقوة الجسد وبقدر ما نربي أولادنا في صغرهم على المفاهيم والأسس السليمة، وبقدر ما نحسن تنشئتهم على معاني الإسلام وقيمه العالية تكون قوتهم، فيشبون أقوياء في كل شيء، في البدن والعمل، وطلب العلم، وسرعة الاستجابة.

لذلك؛ فقد اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بفئة الشباب وخصهم بأحاديث كثيرة، ويرجع السر في الاهتمام بتلك المرحلة إلى أنها أهم مراحل العمر؛ إذ يود الصغير أن يصل إليها، ويتمنى الكبير أن يرجع إليها، كما قال أبو العتاهية:

ألا ليت الشباب يعود يومًا *** فأخبره بما فعل المشيب

وقد صدق فيما قال، فالإنسان يستطيع أن يعمل في فترة شبابه ما لا يقوى عليه بعده، فهو زمن القوة، وأطول مراحل عمر الإنسان إذا قيست ببقيته؛ ففي الحديث: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك» (رواه الترمذي). ولقد فطن الأعداء لذلك فوجهوا سهامهم في نحور شبابنا؛ لأنهم إذا فسدوا ضعفت الأمة وضاعت سيادتها وخسرت مكانتها، يقول الأستاذ محمد قطب: «والشباب قوة خطيرة، إذا تجمع على هدف معين، وأخذ هذا الهدف مأخذ الجد، ومن أجل ذلك كانت عناية الأعداء منذ وقت مبكر بتمييع هذا الشباب وبمحاولة إتلافه، وإشاعة التفاهة والانحلال في كيانه، كي لا يتجمع في يوم من الأيام على هدف معين ويأخذه مأخذ الجد».

لذا كان على الوالدين أن يدركا أهمية هذه المرحلة من العمر، فيعدا أولادهما الإعداد الطيب الذي يبدأ من مرحلة الطفولة؛ لأن من شب على شيء شاب عليه، وكما قال الإمام ابن الجوزي - يرحمه الله: إن الأولاد أمانة عند آبائهم، وإن قلوبهم كجوهرة ساذجة قابلة لكل نقش، فإن عودهم آباؤهم الخير نشؤوا عليه، وإن عودوهم الشر نشؤوا عليه، فينبغي أن يصونوهم ويؤدبوهم ويهذبوهم، ويعلموهم محاسن الأخلاق ويحفظوهم من قرناء السوء، ولا يعودوهم التنعم والرفاهية، فتضيع أعمارهم في طلبها إذا كبروا.

كن قدوة حسنة لأولادك

والوالدان هما القدوة الطيبة للأبناء استقامة وخلقًا وسلوكًا وعملًا، وهما أكبر الناس أثرًا في حياتهم؛ لذا ينبغي أن ننتبه لذلك، كما أن علينا أن نتعلم فقه التربية ونتعرف على فنونها وأصولها، بل يجب أن نهذب أنفسنا ونربيها أولًا لتكون أسوة يُقتدى بها، ومثالًا يحتذى به.

فليست حاجتنا نحن الكبار إلى التربية بأقل من حاجة أطفالنا إليها، بل يجب أن تسبق تربيتنا تربيتهم، وإلا تعلموا من أخطائنا ففسدوا، فخسرناهم وخسروا؛ لذا وجب علينا إصلاح أنفسنا لنكون مثالًا وأثرًا صالحًا لهم، على ألا ننشغل بالعمل عن واجب تربيتهم.

الشباب وتحديات العصر

 ولما كان شبابنا هم حاضر الأمة ومستقبلها يربطون ماضيها بحاضرها وجب علينا رعايتهم والنظر في شؤونهم، ومعرفة ما يواجهون من تحديات شديدة في عصر العولمة الذي أصبح فيه العالم قرية صغيرة مكشوفة، وفي وقت أصبحت المغريات والشهوات تحيط بهم من كل جانب، وتعصف بهم الفتن العواصف لتحاول النيل من إيمانهم الذي إن لم يكن قويًّا ثابتًا ثبوت الجبال الرواسي انخلع من أفئدتهم.

فتجده يصيح في وجهه لأتفه الأسباب وقد يستخدم بعض الألفاظ البذيئة في التعامل معه، مما يجعل حلقة الاحترام بينهم مفقودة، فيقيم الدنيا ويقعدها متى أخطأ ونسي أن الرفق في النصح يجعله مقبولًا، وأن الحكمة والموعظة الحسنة تفتح القلوب، أما نظر هذا الأب إلى حائك الثياب وهو يترفق بالثوب يسد خروقه بإبرته الصغيرة بصبر وعناء، ودقة وحنكة ليعيد منه ثوبًا نافعًا بعد إصلاح عيوبه؟

انتبه.. ولدك ليس طفلًا قد يعمد بعض الناس إلى معاملة الشاب كطفل صغير، يتلقى الأوامر دون رأي أو إقناع، وما علم أنه بذلك يقتل فيه روح الاستقلالية والاعتماد على النفس؛ فأين دفء الصداقة الأبوية الحنون؟! وأين نحن من السبل الوقائية والعلاجية في التربية؟! 

وهنا نذكر بعض الأساليب النافعة في مجال التربية على سبيل المثال:

* استخدام الحوار والمناقشة والاستماع للآراء، واتباع الأساليب الراقية في النقاش والإقناع، مع ربط ذلك بالدين والواقع. 

* المشاركة الأسرية وإشعار الشاب أنه عضو فعال في الأسرة، مرغوب فيه وفي أعماله الطيبة، والمعاملة بالثقة والاحترام مع عدم السخرية من إبداء رأيه وإن خالف رأي الوالدين، كذلك حثه على أن يكون عنصرًا فعالًا في المجتمع، يشارك في أعمال الخير وأنشطته المختلفة.

* ولا ننسى أهمية المصارحة والتواصل الاختلاف بين أفراد الأسرة؛ حيث تكون فيها مساحة للبوح بمكنون القلب وما يعتلج فيه دون تعنيف أو صدود، وليس من الضروري أن يفعل الأبناء كل ما فعله الآباء من قبل، بل عليهم الاستفادة من تجاربهم وخبراتهم مع مواكبة العصر الذي يعيشون فيه، دون تنازل عن جوهر المنهج الرباني الأصيل.

فالاختلاف بين الأجيال كائن لا محالة نظرًا إلى ما يحدث في حياة البشر من التغير في الصورة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وقد تنبه لهذا الأمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال: «أحسنوا تربية أولادكم، فقد خلقوا لجيل غير جيلكم»، لكن هذا لا يعني حتمية وجود الصراع بينها.

حصنوا شبابكم بالعلم والإيمان: وهكذا نفهم أن المنهج أصله ثابت، سواء في جيل الآباء أو جيل الأبناء، أما التجديد والابتكار والارتقاء للأفضل في الفروع والجزئيات، الذي يتطلبه العصر الذي نعيش فيه الآن، فمطلوب ما لم نتعرض لأصل منهجنا الثابت القويم، ويقتضي ذلك منا تحصين شبابنا بالعلم الشرعي فهو الدرع الواقي لهم في غمار هذه الحياة.

والارتفاع بمستواهم العلمي في كل مناحي الحياة ليكون منهم العالم المسلم، والطبيب الحاذق، والمعلم المخلص، والمهندس البارع، والباحث، والمخترع، والصحفي وغيرهم ممن تحتاج إليهم الأمة، فتصطبغ علوم الدنيا بالدين، ويمتزجان معًا، ويصبان في معين واحد ألا وهو تحقيق الحياة الطيبة للبشرية جمعاء، وعلماء المسلمين خير دليل على ذلك.

وبقدر ما نغرس في نفوس أولادنا العقيدة الصافية الصحيحة بعيدًا عن الشوائب الدخيلة نجني شبابًا قويًّا محصنًا، وإذا خلصت النوايا، وكان الهم كله لله جاءنا منه العون والمدد.

صحابيات

أميمة بنت خلف..

إيمان خالص بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم

لم تكن من النساء ذوات الشهرة، بل كانت امرأة بسيطة لا تتعدى شهرتها منزلها أو أهلها، وقد هبطت عليها البركة بعد إسلامها وإيمانها بدعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم حتى غدت بذلك إحدى شهيرات النساء في الإسلام.

 إنها الصحابية الجليلة «أميمة بنت خلف بن أسعد الخزاعية»، وإحدى فضليات نساء الصحابة التي أسلمت عن يقين واقتناع بعد رؤيا رآها زوجها «خالد بن سعيد بن العاص».

وتؤكد المصادر التاريخية أن لإسلام أميمة بنت خلف وزوجها قصة، حيث إن زوجها « خالد بن سعيد بن العاص»، رأى ذات ليلة في نومه رؤيا قادته للإسلام، حيث رأى في النوم أنه واقف على شفير النار، فذكر من سعتها ما الله به أعلم، ورأى في النوم كأن أباه يدفعه فيها.

وشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذًا بمنكبيه لئلا يقع ففزع من نومه، فقال: أحلف بالله إن هذه الرؤيا حق؛ فلقي أبا بكر فذكر ذلك له فقال أبو بكر: أريد بك خيرًا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه، فإنك ستتبعه وتدخل معه في الإسلام الذي يحول بينك وبين أن تقع في النار وأسلم «خالد»، وحسن إسلامه ودعا زوجته أميمة بنت خلف بن أسعد الخزاعية إلى الإسلام، فأسلمت كذلك.

وكان لـ «أميمة بنت خلف بن أسعد» دور كبير في نصرة الإسلام، وإعلاء كلمة الحق والدين، حيث صبرت مع زوجها على تعذيب الكفار لهما، وعندما أمرهما الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى أرض الحبشة، حيث يوجد بها ملك عادل لا يظلم عنده أحد امتثلا لطلبه من أجل نشر دعوة الإسلام.

وظلت أميمة، وزوجها «خالد» مع طفليهما بأرض الحبشة حتى عام فتح «خيبر» في السابع من الهجرة.

وعاشت أميمة مع زوجها «خالد» إلى زمن عمر بن الخطابة حيث قتل زوجها في معركة «مرج الصفر» في المحرم سنة 14هـ، وعلمت أميمة -رضي الله عنها- بوفاة زوجها فصبرت واحتسبت. ولم تذكر كتب التاريخ يوم وفاتها، فرضي الله عنها.

عن موقع واحة المرأة بتصرف

 مواقف وعبر (1 من 2)

سمية رمضان

دُعيت إلى إفطار جماعي وكان يضم نخبة من طبيبات ومهندسات، تعلمن بسلك التدريس بالجامعة، وعلى ضفاف النيل تبادلنا مع مياهه الجارية العذبة التسبيح والتقديس لإله الجميع الواحد القهار، وكان الحوار محببًا للنفس مغذيًّا لروح قد تألقت وتجاوبت مع هذا الكون البديع في خضوعه وخشوعه لله ومع ارتفاع أذان المغرب تسابقت التمرات مع أقداح المياه مرطبة للأفواه، مع ذكر للرزاق، وقام الجميع للصلاة، وعرجت الآيات إلى السماء شاهدة عليهن، وسكنت الآذان للإصغاء، وتحركت القلوب بالانتشاء، وبعد أن شملتهن الصلاة بالسكينة والطمأنينة تصافحت الأيدي وتراصت الصحون على الموائد مرحبات بالصائمات وجلست بجانب أستاذة بالطب ترافقها أستاذة بكلية الاقتصاد المنزلي، فلاحظت أن الاثنتين تقلان من الطعام، فبالكاد أكلتا ما يسد الرمق والجوع، وأخذتا تأكلان بعيونهما من روعة خلق الله، ابتسمت قائلة ألا تأكلان؟ قالتا الحمد لله.. من الأفضل عدم الإكثار من الطعام، ففي ذلك الإفساد.

حياءً توقفت عن الطعام، وعندها لاحظت ما لم ألحظه وأنا منشغلة بإطعام نفسي، فقد لاحظت العمال والعاملات ممن يقومون على خدمة هذا الجمع، وعندها فقط تذكرت أنهم أيضًا صائمون وأمامنا الطعام أشكالًا وألوانًا وكيف فاتنا جميعًا هذا الأجر والثواب، وقبل أن أنطق وجدت رفيقتَي تغلفان ما أمامهما من طعام وحذا حذوهما جمع من الأخوات ما كفى لإطعام هؤلاء العمال أو زاد، قلت في نفسي: سبحان الله عندما اكتفينا كفينا، ويبدو أن الانشغال بالنفس فيه لهو وحجب، نعم حجب عن رؤية متطلبات الآخرين، وكان درسًا ما زال عالقًا بذاكرتي، ولعل في ذكره الفائدة والاعتبار، وسرح خيالي مع شهوة البطن، هذه الشهوة التي لا نفطن كثيرًا لخطورتها حتى يلمسنا المحظور من الأمراض والنهمة في الطعام، فكثير منا يأكل ليأكل ثم ليأكل، وعندما تستجير به معدته يُعطيها القهوة والشاي والمياه الغازية للمعونة على الهضم لإلقاء المزيد من الطعام في قاعها، فأصبح همنا الأكبر بم سيكون الإفطار ناهيك عن الغداء والعشاء، وأصبح الإرهاق سمتنا للحصول على المال الذي تأكل الجزء الأكبر منه أنواع الطعام، ونعلم ذلك تمام العلم، ولكن كأن العقل مغيب والجسد قد شُلت حركته عن تنفيذ المفروض وليس تطبيق الكائن الموجود، إن هذا الموقف للأختين جعل الأفكار تعصف بأولوياتي محللة مرتبة معاتبة آملة. 

وحضرت مع هذا الجمع الكريم حوارًا راقيًا، تمنيت أن تشاركوني في سماعه، فقد كان بين أستاذتين في نفس الجامعة ونفس التخصص إحداهما حباها الله برجل غني وأكرمها بطفل جميل وبالطبع مسكن فخم وسيارة رائعة، والأخرى متزوجة من رجل قليل ذات اليد وقد حُرمت من الإنجاب وبالطبع المسكن متوسط المستوى، ولا وجود لسيارة من الأساس، فنظرت قليلة المال إلى زميلتها قائلة: كم كنت أتمنى أن يكون زوجي كزوجك وأرهفت سمعي للرد فكونوا معي منصتين، حيث قالت لها زميلتها حبيبتي إن تمنيت أمرًا فخذيه كله، وليس الجزء الذي يروق لك منه، وأنت تؤدين الصلاة كنت أغبطك أنك تستطيعين السجود لله فإني يلازمني دوار احتار فيه الأطباء يمنعني من السجود لله سجدة واحدة، وأما ولدي الرائع الجمال فقلبي يحترق شوقًا إلى رؤياه، فقد توفاه الله منذ عدة أيام، فليكن حكمك كليًّا وليس جزئيًّا، ما رأيك الآن إن أخذت مكاني؟ هل تطيقين المرض وفراق الولد؟

احتوى قلبي قبل عيني المتحدثة، وأضفت سبحان ربي العظيم، لو تبادل هذا الجمع المصائب والابتلاءات من بعضهن البعض ما استطعن التحمل؛ فكل من خلق سبحانه يعلم تمام العلم ما يُدخله الجنة فأعطاه من الإمكانات ما يعينه على ذلك، ومن الابتلاءات ما ييسر له ويعجل له دخول أعلى الجنان، إن استطاع أن يوفقها ويتعامل معها بما يبيض وجهه بين يدي الله، أليس الأوفق لنا ألا يتمنى أحدنا الجزء الذي يروق له من حياة الآخر؟ 

ألا يجب عليه أن ينظر إلى الأمر برمته ليشكر الله على ما أنعم به عليه وليستطيع أن يرى ما عنده من خير؟

في نهاية اللقاء، مددت يدي إليهن بالسلام، وأنا أتمنى المزيد من هذه اللقاءات فقد أحسست أن لدى كثيرات منهن ما تود أن تقوله وتعرضه لأخذ العبرة والعظة، وإذًا فلنرتب للقاء آخر، وقد حدث فعلًا بعد وقت قريب، فإلى ذلك اللقاء، وما تم فيه..

 

الرابط المختصر :