العنوان المجتمع التربوي (1225)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-نوفمبر-1996
مشاهدات 52
نشر في العدد 1225
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 12-نوفمبر-1996
- وقفة تربوية
توازن الداعية
التوازن في حياة الداعية من أبرز الصفات التي يجب على الداعية الحرص على تأصيلها في حياته، وهو بهذا يترجم الآية الكريمة: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: 143)، فلا ينبغي للداعية أن يكون خاشعًا في المسجد، مطمئنًا في صلاته وشارد الفكر ناقرًا للصلاة في بيته، ضاحكًا ممازحًا لأصحابه خارج البيت، عابسًا مقطبًا لوجهه داخل بيته وبين زوجته وعياله، رائع الأخلاق خارج البيت سيئها داخله.
كان الرعيل الأول يحسبون هذا التناقض من نواقض الإخلاص، وأقرب إلى النفاق والمنافقين.
وليس من التوازن التركيز على واجب والتقصير في باقي الواجبات، من هنا جاءت موعظة النبي ﷺ لأحد صحابته عندما لاحظ منه اختلالًا في توازنه العبادي والاجتماعي «إن لنفسك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لدينك عليك حقًا..» الحديث، ثم يقول في آخره: «فأت كل ذي حق حقه»، هكذا تعلمها الصحابة ونقلوها إلى جيل التابعين من أمثال ابن سيرين الذي جاء في ترجمته ما يدل على تأصل صفة التوازن في حياته.. يقول عنه ابن الجوزي في صيد خاطره «ص 83»: «وقد كان ابن سيرين يضحك بين الناس قهقهة، وإذا خلا بالليل فكأنه قتل أهل القرية».
أبو خلاد
***
- فقه الظواهر الدعوية.. في ضوء السنن الإلهية
ظاهرة التقليب في الملفات
بقلم: د. حمدي شعيب (*)
(*) طبيب وكاتب مصري
- الارتقاء بالنفس الإنسانية من مهمات هذا الدين والإصلاح النفسي يصون الحياة ويسعد الأحياء.
تظل تفسيرات الإنسان لقضاياه محدودة، وتبقى أفكاره عشوائية المعالم، وتظل نظراته وخططه المستقبلية قاصرة، ما لم تقم على نظرة كلية واعية وشاملة، وذلك من خلال فقه سنته سبحانه في الكون والحياة.
أيقنت بتلك الحقيقة الجوهرية، والقاعدة العظيمة، بينما كنت مشغولًا بدراسة إحدى الظواهر الدعوية الاعتلالية، ولكم كانت دهشتي عظيمة، وأنا أطالع تلك الرسالة الرائعة من روائع الأدب العالمي، وذلك تحت عنوان «بابا ينسى»: «يا بني اكتب هذا وأنت راقد أمامي على فراشك سادر في نومك، وقد توسدت كفك الصغير، وانعقدت خصلات شعرك الذهبي فوق جبهتك الغضة، فمنذ لحظات خلت كنت جالسًا إلى مكتبي أطالع الصحيفة، وإذا بفيض غامر من الندم يطغى علي، فما تمالكت إلا أن تسللت إلى مخدعك ووخز الضمير يصليني نارًا وإليك الأسباب التي أشاعت الندم في نفسي:
أتذكر صباح اليوم ؟!، لقد عنفتك وأنت ترتدي تأهبًا للذهاب إلى المدرسة، لأنك عزفت عن غسل وجهك، واستعضت عن ذلك بمسحه بالمنشفة، ولمتك لأنك لم تنظف حذاءك كما ينبغي، وصحت بك مغضبًا لأنك نثرت بعض الأدوات عفوًا على الأرض! وعلى مائدة الإفطار، أحصيت لك الأخطاء واحدة واحدة، فقد أرقت حساءك والتهمت طعامك، وأسندت مرفقيك إلى حافة المائدة، ووضعت نصيبًا من الزيد على خبزك أكثر مما يقتضيه الذوق! وعندما وليت وجهك شطر ملعبك، واتخذت أنا الطريق إلى محطة القطار، ألتفت إلي ولوحت لي بيدك، وهتفت: «مع السلامة يا بابا»، وقطبت لك جبيني ولم أجبك، ثم أعدت الكرة في المساء. ففيما كنت أعبر الطريق لمحتك جاثيًا على ركبتيك تلعب «لبلي»، وقد بدت على جواريك ثقوب، فأذللتك أمام أقرانك، إذ سيرتك أمامي إلى المنزل مغضبًا باكيًا: «إن الجوارب، يا بني، غالية الثمن ولو كنت أنت الذي تشتريها لتوفرت على العناية بها والحرص عليها»!
أفتتصور هذا يحدث من أب ؟!!، ثم أتذكر بعد ذلك! وأنا أطالع في غرفتي، كيف جئت تجر قدميك متخاذلًا، وفي عينيك عتاب صامت، فلما نحيت الصحيفة عني وقد ضاق صدري لقطعك علي حبل خلوتي، وقفت بالباب مترددًا، وصحت بك أسألك: «ماذا تريد ؟!، لم تقل شيئًا، ولكنك اندفعت إلي، وطوقت عنقي بذراعيك وقبلتني، وشددت ذراعيك الصغيرتين في عاطفة أودعها الله قلبك الطاهر مزدهرة، لم يقو حتى الإهمال على أن يذوي بها»!
ثم انطلقت مهرولًا، تصعد الدرج إلى غرفتك!... يا بني.. لقد حدث، بعد ذلك ببرهة وجيزة أن انزلقت الصحيفة من بين أصابعي، وعصف بنفسي ألم عات!
يا الله!! إلى أين كانت «العادة، تسير بي ؟!! عادة التفتيش عن الأخطاء؟! عادة اللوم والتأنيب ؟! أكان ذلك جزاؤك مني على أنك ما زلت طفلًا ؟!! كلا لم يكن مرد الأمر أني لا أحبك، بل كان مرده أني طالبتك بالكثير، برغم حداثتك! كنت أقيسك بمقياس سني، وخبرتي، وتجاربي! ولكنك كنت في قرارة نفسك تعفو وتغضي، وكان قلبك الصغير كبيرًا كبر الفجر الوضاء في الأفق الفسيح، فقد بدا لي هذا في جلاء من العاطفة المهمة التي حدت بك إلى أن تندفع إلى وتقبلني قبلة المساء!، لا شيء يهم الليلة يا بني! لقد أتيت إلى مخدعك في الظلام، وجثوت أمامك موصومًا بالعار!، وإنه لتكفير ضعيف! أعرف أنك لم تفهم مما أقول شيئًا، لو قلته لك في يقظتك، ولكني من الغد سأكون أبًا حقًا، سأكون زميلًا وصديقًا! سأتألم عندما تتألم، وسأضحك عندما تضحك، وسأعض لساني إذا اندفعت إليك كلمة من كلمات اللوم والعتاب، وسأرد على الدوام- كما لو كنت أتلو صلاتي: «إن هو إلا طفل».
لشد ما يحز في نفسي أنني نظرت إليك كرجل !! إلا أنني وأنا أتأملك الآن منكمشًا في مهدك أرى أنك ما زلت طفلًا، وبالأمس القريب كنت بين ذراعي أمك، يستند رأسك الصغير إلى كتفها وقد حملتك فوق طاقتك...!».[1]
وتعجبت كيف أن الفكر البشري في لحظات الصفاء والخلوة بالنفس، وبعيدًا عن أي هوى، من الممكن أن يهتدي لحقائق جليلة، كان من الأجدى له أن يصل إليها مباشرة ودون عناء من خلال فقه جيد واهتداء لمنهجه جل وعلا، وذلك حينما قرأت رسالة ذلك الأب وكيف أدرك أنه كم أجرم في حق أحب الناس إليه، عندما مارس هوايته الغريبة معه في تصيد زلاته، وإحصاء عثراته، وأخذ يقيم تصرفات صغيره الغض، بمقاييسه ومعاييره هو الناضجة والخبيرة، فكان ظلمه وجرمه في حق أحب الناس إليه، حتى تاب أخيرًا ونزل إلى عالم ذلك الصغير، وإلى مستوى تفكيره وموازينه، فأستراح وأراح.
وكان من حكمة المؤلف أن سرد تلك الواقعة تحت باب «لا تنتقد»، وهي دلالة على أن تصرف الأب كان عيبًا سلوكيًا وتربويًا تستهجنه الفطرة الإنسانية، حيث قاس تصرف الصغير الغض، بمقياس الكبير الناضج المحنك!
مراعاة المرحلية العمرية
وهي لمحة توضح أنه من الأهمية بمكان ألا تختلط مقاييس ومعايير الحكم عند البشر، بالنسبة للمراحل العمرية في حياة الفرد، فيحاسبون الأطفال مثلًا بمقاييس الرجال، ويسوون في الحكم بين من جهل ومن عرف!، وبين من يحبو ومن نضج !!، فمن سننه سبحانه الإلهية أن نمر بمراحل النمو والتطور النفسي لعمر الفرد التي من شأنها أن تنتج تطورًا سلوكيًا ونضجًا في حياة الفرد، فلكل مرحلة عمرية مقاييسها ومعاييرها الخاصة بها.
مراعاة المرحلية الفكرية
وهذه القاعدة، أو السنة الإلهية، تذكرنا بسنة إلهية طيبة أخرى، أو قاعدة ثابتة وقانون عام في مجال آخر، مجال الفكر البشري، فلو تدبرنا حقيقة تلك الشخصية البغيضة المتسلطة، وكيف أبرز القرآن الكريم سلوكها الفظ، وتعاملها الشائه مع الآخر، عندما يعميها الهوى فتختلط عندها المقاييس والمعايير وهي شخصية الطاغية فرعون وهو يبدأ حواره مع موسى - عليه السلام - بفتح ملف واقعة قديمة، وقضية عتيقة في مرحلة غابرة، بقوله: ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ (الشعراء: 19-20) لقد بدا على فرعون الغرور والغطرسة، والتظاهر بامتلاك النفس والصبر على الآخر، وهو يتظاهر بالحكمة حين استقبح أن يذكر واقعة قتل القبطي على يد موسى -عليه السلام- فسماها «فعلة».
ولعل هذا الطاغية قد أراد أن تكون له الريادة والسبق، وذلك بأن يضع قواعد منهجية لكل طاغية بعده، في كيفية التدرج في كشف أوراق ملفات التهديد، ورقة ورقة!
وتدبر كيف أن الهوى قد أعمى بصره، فاختلطت أوراقه ومعاييره ومقاييسه فلم يراع مرحلية التطور الفكري في اعتباراته، فأخذ يتهكم على هذا التحول في سلوك وفكر موسى -عليه السلام- وكيف أنه كان في سابق عمره، وفي مرحلة سابقة لم يك يحمل هذه الفكرة الجديدة وتلك القضية الخطيرة التي من شأنها أن تهدد عرش الطاغية، وتقلب موازين البشر، بل والحياة كلها، قاعدة العقيدة والإيمان بالله وحده.
وتدبر كيف أن موسى - عليه السلام - قد حاول جاهدًا أن يرد الطاغية إلى رشده، ويفهمه تلك القاعدة والسنة الإلهية، في مراعاة مرحلية التطور الفكري، حيث اعترف بتلك الفعلة في شجاعة نادرة، ولكنه عليه السلام أعلن أنه حين فعلها، قد فعلها وهو جاهل، فلم يؤخذ بجريرة مرحلة قد تعداها، سلوكًا وفكرًا، إلى مرحلة أنضج.
ولكن هذا ديدن الطغاة دومًا، والجاهلين بسنن الله - عز وجل - في التطور الفكري والنفسي والتربوي عند البشر، فمن سننه سبحانه أن يؤخذ في الاعتبار مراحل التطور الفكري عند البشر، التي من شأنها أن تنتج تطورًا سلوكيًا ونضجًا في حياة الفرد، فلكل مرحلة فكرية سلوكياتها، بل ومقاييسها ومعاييرها الخاصة بها.
وكذلك أيضًا، لأن سلوك أي فرد ما هو إلا ترجمة عملية لما يؤمن به من أفكار، فلكل فرد ولكل مرحلة أفكارها، ومن ثم سلوكياتها.
التربوية النبوية.. ومراعاة المرحليات
ولقد كان الحبيب ﷺ يراعي مثل هذه المرحليات العمرية والفكرية، فلا يأخذ الفرد بجريرة مرحلة سابقة سواء عمرية أو فكرية.
تدبر أشهر مثال لذلك السلوك النبوي التربوي الكريم، ومراعاة المرحلية العمرية، وذلك في سلوكه ﷺ مع عائشة - رضوان الله عليها - وكيف كان يتركها للعب مع صويحباتها، وهي لم تزل صغيرة، ثم تطور التعامل معها عندما نضجت، حتى أثمر هذا التعامل الراقي عن باب عظيم في المنهج يفرد له المجلدات حول فقهها -رضوان الله عليها- واستدراكها للرواة والفقهاء من كبار الصحابة -رضوان الله عليهم-.
وتأمل وصيته ﷺ الحكيمة البليغة: «من كان له صبي فليتصاب له»[2] وكيف كان ﷺ يصف عبد الله وعبيد الله وكثير بن العباس رضي الله عنهم، ثم يقول: «من سبق إلى فله كذا وكذا، فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم».[3]
وهذا الفتى النابه عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أحد الأطفال الذين تسابقوا، هو نفسه ذاك الوليد الذي دعا له الحبيب ﷺ في مهده: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، وهو نفس الغلام الذي نصحه ﷺ بنصيحة جامعة اهتدت بها الأمة كلها، حيث رواها عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- فقال: كنت خلف النبي ﷺ يومًا، فقال لي: «يا غلام إني أعلمك كلمات: أحفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله «تعالى» لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله «تعالى» عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف».[4]
وتدبر أيضًا كيف راعي ﷺ المرحلية الفكرية، وذلك في تعامله ﷺ مع خالد بن الوليد -رضي الله عنه- عندما أسلم، وذلك على أساس أن الإسلام يجب ما قبله، فلم يفتح ﷺ يومًا ما ملفه السابق في حربه ضد الدعوة الإسلامية، حتى ولو كانت الأوراق الخاصة بمصيبة غزوة أحد، والتي أصيب فيها الحبيب ﷺ جسديًا ومعنويًا، بل أقر اختياره لقيادة الجيش من قبل المسلمين في غزوة مؤتة، وذلك بعد ثلاثة أشهر فقط من إسلامه، بل سماه «سيف الله».
وكذلك عندما رأى الحبيب ﷺ ذلك الراكب المهاجر عكرمة بن أبي جهل -رضي الله عنه- قادمًا قال: «سيأتيكم عكرمة مؤمنًا مهاجرًا، فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت».[5]
هكذا كان سلوكه الرفيع ﷺ وتعامله التربوي الراقي مع العقليات والكفاءات.
اعتلالات دعوية.. وسلوكيات فرعونية
وفي المجال الدعوي التربوي، كان على الدعاة أن يفطنوا لتلك الظاهرة الاعتلالية الغريبة، وهي «ظاهرة التقليب في الملفات»، وهي ظاهرة تربوية اعتلالية، ومنبوذة، لها مظاهر عدة:
1- منها أنك تجد أن البعض يتعامل بفرعونية مع الفرد، فيحاسبه ويقيمه على أساس أحداث ماضية، وعلى هفوات سابقة، وعلى أخطاء أندثر زمانها، والتي على أساسها توضع حوله الدوائر الحمراء، فتستحيل إلى أوراق تهديدية، تضم إلى ملفه، فتمثل عوائق قاسية تمنع تقدمه، وتقتل طموحاته في أي تطور أو نمو مستقبلي.
والأخطر من ذلك أنه إذا سمح لهذا التابع المسكين، ومن خلال نوبة من نوبات الحرية والشورى العابرة، أن يستفسر عن وضعه، قيل له: لقد فعلت فعلتك التي فعلت! وحينما يعترف: لقد فعلتها وأنا من الضالين فلا يستمع لتعليلاته ولا يؤبه له، سواء بقصد أو بغير قصد.
والعجيب أنك ترى ذلك البعض يشكو باكيًا محوقلًا ظلم الطغاة، وأعداء الدعوة والدعاة، وهم يمارسون نفس سلوكه مع أتباعه!!
2- ومنها أنك تجد البعض يتعامل مع الفرد كما تعامل ذلك الأب، الذي ذكرنا خطابه، فيكون أسير عادة غريبة، وهي عادة التفتيش عن الأخطاء! عادة اللوم والتأنيب!... ويحمله فوق طاقة مرحلته العمرية، وطاقة مرحلته الفكرية.
وما كان الدافع لذلك السلوك هو انعدام الحب أو الود بين الأب وصغيره، أو المربي وتلميذه، ولكنه التحميل فوق الطاقة والمطالبة بالكثير.
والمظاهرة عديدة ومنوعة، ويومية، ولكن يجمعها كلها صفة واحدة تمثل تلك الظاهرة.
إنصاف.. لا إجحاف!
وعلاج مثل تلك الظاهرة الدعوية، أو ما يجب حيالها، هو مجرد وقفة مراجعة للنفس، وتدبر اللمحات النبوية الكريمة، في كيفية تعامل المربين مع أتباعهم، فليس المطلوب هو مجرد الاعتراف بالخطأ، بل المطلوب هو نية التغيير في المعاملة مع الفرد وكأنه صديق، ومراعاة مرحلته سواء العمرية أو الفكرية، فالداعية البصير، يدرك عظم المهمة الملقاة على عاتقه، فهو أحد الرهط الذي يحاول العودة لحمل الراية رغم تناقص الخيرية، ويعي أيضًا مغزى تلك المواقف النبوية التربوية الراقية التي ذكرناها، فيفهم «أن صاحب النشاط والإنتاج والاندماج مع أحداث الدعوة اليومية تشفع هفواته إذا ما زل».[6]
والمشاركة في عملية النهوض الحضاري للأمة، يلزمها جماعية في العمل، وبركة الجماعية عنده سبحانه عظيمة القدر: «من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة».[7]
ولكن المعايشة مع الجماعة يلزمها أن نتعود أن نزن المسلم بحسناته وأخطائه معًا، فالإنصاف سلوك راق، «هو أيضًا ميزان العدل في الإسلام من غير إفراط ولا تفريط، فإذا غلبت محاسن الرجل على مساوئه لم تذكر المساوئ، وإذا غلبت المساوئ على المحاسن لم تذكر المحاسن».[8]
والكمال البشري أمره صعب، بل مستحيل لأنه «ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله».[9]
والمعايشة مع الناس يلزمها العدل والإنصاف والتغاضي عن الزلات وأن «لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليه صار ممرًا للشبهات».[10]
هكذا علمنا سبحانه في محكم كتابه الكريم: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ (هود: 114).
وهكذا كان الحبيب ﷺ يعامل أتباعه -رضي الله عنهم- وكذلك كل من سار على دربه في كل عصر وفي كل جيل، على أساس أن «الإسلام يجب ما قبله»، فكذلك الخير يجب ما قبله من شرور، وأيضًا فإن البذل الدعوي اليومي له ثمرات تذهب أثار الهفوات والزلات؟
[1] كيف تكسب الأصدقاء؟! ديل كارنيجي عن رسالة لنفجستون لارند 269 – 272.
[2] رواه ابن عساکر.
[3] رواه أحمد.
[4] رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح.
[5] صور من حياة الصحابة: الباشا 2 \ 52.
[6] القيادة: جاسم المهلهل 61.
[7] رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح.
[8] سير أعلام النبلاء: عبد الله بن المبارك 8 \ 352.
[9] البداية والنهاية: مقولة لسعيد بن المسيب 9 \ 100.
[10] نصيحة ابن تيمية لتلميذه ابن القيم.
اختلاف الطباع وأساليب التعامل
بقلم: عبد السلام الرندي (*)
(*) كاتب كويتي
الناس منذ خلقهم الله وهم مختلفو الطبائع والرغبات والميول، روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «الناس معادن كمعادن الفضة والذهب، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف»،[1] وقال رسول الله ﷺ: «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيب».[2]
ويعلم بداهة أن معاملة هذه الاختلافات معاملة واحدة لا تستقيم، فما يلائم هذا لا يناسب ذاك، وما يحسن مع هذا لا يحمل مع غيره، لذا قيل: «خاطبوا الناس على قدر عقولهم»، فكان شأنه ﷺ في تربية أصحابه وتعليمهم أن يراعي أحوال من يتعامل معهم، وينزل الناس منازلهم، ففي فتح مكة أمر الرسول ﷺ المنادي أن يعلن في الناس أن من دخل المسجد الحرام فهو أمن، ومن دخل بيته فهو أمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو أمن...، ألا ترى أن دار أبي سفيان لم يكن لها ما يميزها عن دور أهل مكة، وأن دخول هذه الدار أو غيرها سيان، ومنها توزيعه ﷺ بعض أموال الغنائم والفيء على أناس دون أناس، وكذلك تقسيمه الأعمال والمهام على أصحابه كل بحسبه، فما أوكل إلى حسان غير ما أوكل إلى معاذ، ويصح ذلك مع أبي بكر، وعمر، وصهيب، وخالد، وبقية الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين- ، إنها المعرفة بنفسيات الناس وما يطيقون وما يحبون، ومعرفة الدخول إلى قلوبهم.
مصاعب النفوس
إن الارتقاء بالنفس من مهمات هذا الدين، والأوضاع التي نحياها أو نسمع عنها هنا وهناك ما هي إلا نتاج هذه النفس بما تحمله من قيم وما يتبع ذلك من سلوك، والإسلام يعتمد في إصلاحه العام على تهذيب النفس الإنسانية قبل كل شيء، فالإصلاح النفسي في صيانة الحياة وسعادة الأحياء، والنفس فيها الفطرة الطيبة التي تهفو إلى الخير وتسر بفعله وتألم للشر وتحزن عند ارتكابه، وفيها مع ذلك نزعات طائشة تنحرف بها عن سواء السبيل وتزين لها ما يعود عليها بالضرر، قال تعالى: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (سورة الشمس: 7,8,9,10)، وبعض الناس يعرف عنهم صفات معينة انصبغوا بها، وإذا حاولوا التملص منها واجهوا كثيرًا من الحرج والصعوبة، مع علمهم بمساوئها والحاجة إلى تركها، فهم بحاجة إلى فهم وجهد ووقت وترويض للنفس للخلاص منها، وكما ترى في نفسك مشقة أن تترك ما تعودت عليه فكذلك غيرك، فمن طلب منهم خلاف صفاتهم تلك لم يظفر بشيء كبير، وما عليه إلا أن يعيد صياغة تعامله معهم بطريقة تجنبه الاصطدام بتلك الصفات، ومن ثم العمل على الأخذ بأيديهم، بما لا ينفر نفوسهم رويدًا رويدًا حتى تنصلح حالهم.
ومكلف الأشياء فوق طباعها *** متطلب في الماء جذوة نار
كما يمكن استغلال بعض الصفات الراسخة في النفوس في الكثير من الأمور التي ينتج منها الخير الكثير والتي لا يستطيع أحد أن يؤديها كما يفعل صاحب تلك الصفات، فلكل واحد طباع تهيئه للقيام بعمل مجد بعد تحوير بسيط وحسن تعامل.
الغالب الأعظم من الناس حولنا تحركهم العواطف والغرائز، فترى أحدهم كثير الاهتمام فيما يجنيه، ولا يلتفت إلى أثر ذلك على الآخرين، فيحيد به المسلك إلى ما لا يستقيم من أمر، وإظهار الحقيقة أو بيان الأخطاء يسبب الصدمات إذا لم يحسن تقديمها بما يلائم الحالة، والانتقاد يحركهم أحيانًا إلى الأسوأ والمغالبة في التبرير وإظهار الكمال، بل أحيانًا رد الانتقاد على قائله وإظهار معايبه من باب التشفي وتغطية العيوب بإبراز تقصير الآخرين، والبعض يطلب من غيره تبين أخطائه ونصحه، وأن لا يشعروا بغضاضة في ذلك، ولكن حين يواجه بما يعيبه ينقلب مهاجمًا ومعترضًا ومبررًا، فهلا تركنا الانتقاد إلى توجيه من طرف جميل يحفظ للصاحب مكانته ويدفعه أن يصلح من شأنه، وإن كان بطريقة بطيئة، فالأهم أن تكون مجدية.
فرصة للخطأ
إن الله لا يعاقب العبد قبل إعطائه فرصة كي يتوب ويؤوب، وهو الغني عن عقابه، قال المصطفى ﷺ: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون»،[3] فلم لا نعطي الفرصة للآخرين كي يستشعروا أخطاءهم بأنفسهم ويعملوا - بدفع بسيط - على إصلاحها، فإن لم يفعلوا فلم نؤذي أنفسنا بردود فعل من أنفسنا تؤذينا، بل نخطو خطوة تالية مع زيادة في ذخيرة الدعاء، ومن الله الإجابة، والحذر الحذر من التوغل بغير هدى في طريق المداراة، وإلا فسيأخذ بعدًا خطيرًا عند صرفه عن حقيقته وخلطه بما ليس من أعماله، فالمداراة فيها الحكمة والتبصر بما يصدر عن المسلم عند معالجة الأخطاء بطريقة هيئة لينة لا يجفل معها قلب المخطئ، ولا ينأى بعيدًا مصرًا على فعله، وقد يأخذ هذا الجانب فترة من الوقت حتى تحصل البغية.
مهلًا أخي مهلًا
الإحسان إلى الناس دون أن يحدث تغير في معاملتهم، يدفع البعض إلى التذمر والعمل على معاملتهم بالمثل وعدم الإحسان إليهم، حتى أصبحوا مثلهم في الإساءة وإخلاف المواعيد والتسويف والبذاءة، ناسين أن طيب التعامل إما يفعلوه لأن الله - عز وجل - قد أمرهم به وإن ساء الآخرون، وقد أمر الرسول ﷺ الرجل الذي يصل رحمه ويناله مع ذلك الأذى، أن يستمر في عمله الخير ولا يقطعه، فكيف يتم التغيير إذا واجهنا الإساءة بمثلها وبالغنا في الخصام ؟!، وأين ما يحمله المسلم في قلبه من حب لإخوانه والحرص على هدايتهم، والتحلي بالصبر واحتساب الأجر من الله؟ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ (سورة فصلت: 34,35,36)، وقال تعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ﴾ (سورة المؤمنون: 96,97,98)، صحب عبد الله بن المبارك رجلًا سيئ الخلق في سفر فكان يحتمل منه ويداريه، فلما فارقه بكي، فقيل له في ذلك فقال: بكيته رحمة له، فارقته وخلقه معه لم يفارقه.
لقد علمنا الرسول الكريم ﷺ، ألا نلتفت إلى حظوظ أنفسنا عندما نتعامل مع الناس، بل ندفع عن أنفسنا التعدي بالعفو الذي يريح القلب ويطفئ العداوات، قال عليه الصلاة والسلام: «من كتم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين، يزوجه منها ما شاء»،[4] خاصم رجل الأحنف بن قيس فقال: لئن قلت واحدة لتسمعن عشرًا، فقال الأحنف: لكنك إن قلت عشرًا لم تسمع واحدة.
لما عفوت ولم أحقد على أحد أرحت نفسي من هم العداوات
إني أحيى عدوي عند رؤيته لأدفع الشر عني بالتحيات
وأظهر البشر للإنسان أبغضه كأنه قد ملأ قلبي محبات
وقد يبدر منا ما لا يجمل من تصرف وتجاوز الحد مع الآخرين، فينزعج القلب وتظهر الرغبة في الاعتذار وطلب الصفح من الذي أخطأ في حقه مع مراغمة الشيطان، والنفس في ذلك، فأسرع إلى تطييب قلب صاحبك قبل أن تخف حدة الانزعاج ويقل الاهتمام به، فقد لا ترى ذلك المرء مرة أخرى، فيبقى الإثم، وتنساه أنت، ولكن تفاجأ بصاحبك يوم العرض يطالب بأخذ حقه، روى الإمام مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء».[5]
[1] مختصر صحيح مسلم، كتاب البر والصلة، باب الأرواح جنود مجندة، عن أبي هريرة، رقم الحديث 1772.
[2] سلسلة الأحاديث الصحيحة، عن أبي موسى الأشعري، رقم الحديث 1630.
[3] حديث حسن، صحيح سنن ابن ماجة، عن أنس رقم الحديث 3428.
[4] حديث حسن، صحيح الجامع الصغير، عن معاذ بن أنس رقم الحديث 6518.
[5] مختصر صحيح مسلم، كتاب الظلم، باب تحريم الظلم والأمر بالاستغفار والتوبة، عن أبي هريرة، رقم الحديث 1837.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل